ندى أندراوس -
مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، يواجه لبنان سؤالًا يتجاوز مصير القوة الدولية إلى مستقبل الإطار الذي يحكم الوضع في الجنوب: ماذا يبقى من القرار 1701 إذا غادرت القوات المكلفة مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساعدة الجيش على بسط سلطة الدولة؟ الجواب القانوني واضح: انتهاء المهمة لا يلغي القرار. أما الجواب السياسي والميداني فأكثر تعقيدًا، لأن استمرار المرجعية الدولية لا يضمن وحده احترامها، خصوصًا عندما تتراجع أدوات المراقبة ولا تتوافر إرادة كافية لفرض الالتزام.
في هذه المسافة بين بقاء القرار وتعطّل تنفيذه، تتحدد خطورة المرحلة المقبلة. فقد يبقى لبنان متمسكًا بالقرار 1701، وتستمر الدول في تأكيد أهميته، فيما تتشكل على الأرض وقائع أمنية تناقضه. وعندها يصبح التحدي منع تحوّل النص إلى مرجعية للاعتراض على ما يحدث، بعدما كان يفترض أن يشكّل إطارًا لمنع حدوثه.
ما الذي يبقى من القرار؟
لم ينشئ القرار 1701 اليونيفيل من الصفر. فالقوة موجودة منذ العام 1978، بموجب القرارين 425 و426، ثم وسّع قرار العام 2006 عديدها ومهامها. وبحسب ما أوضح مصدر دبلوماسي معني لـ"المدن"، فإن هذه النقطة هي أساسية لفهم العلاقة بين القرار والقوة: اليونيفيل أداة للمساعدة على التنفيذ والمراقبة، أما الالتزامات السياسية والأمنية فتتعلق بالأطراف المعنية، ولا تنتهي بانتهاء ولاية البعثة.
وقد حافظ القرار 2790 على هذا الفصل، عندما مدّد مهمة اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، وحدّد بدء خفض عديدها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال سنة، وطلب البحث في خيارات تنفيذ القرار 1701 بعد رحيلها. لذلك، لا يعني انتهاء الولاية خروج جميع القوات فورًا، كما لا يعني إلغاء الإطار الدولي الذي تستند إليه مهمتها.
لكن استمرار القرار لا يجعل جميع وظائف اليونيفيل قابلة للاستمرار تلقائيًا. فالبنود المتعلقة بوقف الأعمال العدائية والسيادة والانسحاب والسلاح تبقى مرجعية، بينما تتراجع المهام المرتبطة بوجود القوة نفسها، من الدوريات والمراقبة والتوثيق إلى مساندة انتشار الجيش والتنسيق الميداني.
أبرز الالتزامات على لبنان وإسرائيل
يقوم القرار أولًا على وقف كامل للأعمال العدائية، ويتضمن خصوصًا وقف جميع هجمات حزب الله ووقف العمليات العسكرية الهجومية الإسرائيلية. كما يدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش واليونيفيل، وإلى احترام الطرفين الخط الأزرق.
وفي الشق المتعلق بلبنان، يؤكد بسط سلطة الحكومة على كامل الأراضي، بحيث لا تكون هناك أسلحة من دون موافقتها ولا سلطة غير سلطتها. ويدعو، استنادًا إلى اتفاق الطائف والقرارين 1559 و1680، إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة. أما بين الخط الأزرق والليطاني، فيحدد ترتيبات أمنية تقوم على خلو المنطقة من المسلحين والمعدات والأسلحة، باستثناء ما يعود إلى الحكومة اللبنانية واليونيفيل.
ويتناول القرار أيضًا منع دخول الأسلحة إلى لبنان من دون موافقة حكومته، ومساعدة الدولة على ضبط الحدود والمعابر، ويضع احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ضمن أسس التسوية الطويلة الأمد.
هذه المندرجات تجعل اختزال القرار في ملف سلاح حزب الله قراءة ناقصة، كما تجعل اختزاله في الانسحاب الإسرائيلي قراءة ناقصة أيضًا. فتنفيذه يتطلب معالجة المسارين: إنهاء الاعتداءات والوجود العسكري الإسرائيلي داخل لبنان، وترسيخ احتكار الدولة اللبنانية للسلطة والسلاح.
شاهد دولي بقدرة محدودة
يقر المصدر الدبلوماسي أن اليونيفيل لم تتمكن من ضمان التنفيذ الكامل للقرار. وهذا يفرض تقييمًا لأدائها بعيدًا عن اعتبارها قوة قادرة على فرض الحل، أو حضورًا بلا قيمة. فهي بعثة لحفظ السلام ومساعدة الجيش ومراقبة وقف الأعمال العدائية، وليست جيشًا مكلفًا شن حرب لنزع السلاح أو فرض انسحاب عسكري بالقوة.
وقد بقي تأثيرها مرتبطًا بقدرتها على الوصول والتحرك، وبالتعاون معها، وبالدعم السياسي الذي يمنحه مجلس الأمن لتقاريرها. فتوثيق الخرق لا يؤدي تلقائيًا إلى وقفه، ورفع المعلومات إلى الأمم المتحدة لا يضمن اتخاذ إجراءات تلزم الجهة المسؤولة بتغيير سلوكها.
مع ذلك، أدت القوة وظائف عملية: دوريات وانتشار ميداني، ومساندة للجيش، واتصال وتنسيق للمساعدة على احتواء الحوادث. وكان وجودها يتيح إنتاج رواية دولية عن الوقائع..
هنا تكمن خسارة رحيلها. فالجنوب يفقد حضورًا قادرًا على متابعة قسم من التطورات وتوثيقها، فيما تصبح معاينة ما يجري في المناطق التي يتعذر الوصول إليها أشد صعوبة. ولا ينبغي تجاهل أوجه القصور في الأداء، لكن تعثر اليونيفيل لا يثبت أن غيابها سيجعل الوضع أفضل. السؤال هو كيف تُعالج حدود فعاليتها قبل إزالة الأدوات التي كانت توفرها.
امتحان التنفيذ
بالنسبة إلى لبنان، لا يكفي التمسك بالقرار في المواقف الدبلوماسية. فالمطلوب قدرة فعلية على الانتشار وضبط الأرض ومتابعة السلاح غير الشرعي وتأمين الحدود. ويتطلب ذلك قرارًا سياسيًا واضحًا، وموارد وتجهيزات ودعمًا مستدامًا للجيش. وكل انتقال من وجود الجيش إلى ممارسة سلطته يحدد مدى قدرة الدولة على تحمل مسؤوليات إضافية بعد اليونيفيل.
أما في ما خص إسرائيل، فإن استمرار الاعتداءات أو البقاء داخل الأراضي اللبنانية يتعارضان مع الأسس التي يقوم عليها القرار. والخطر السياسي في المرحلة المقبلة أن يتحول تقليص الحضور الدولي إلى فرصة لفرض ترتيبات ميدانية تتحدد وفق القوة العسكرية، بدل الانسحاب واحترام السيادة.
ولا تنشأ هذه المخاطر من رحيل اليونيفيل وحده، إذ إن القوة لم تمنع جميع الخروقات خلال وجودها. لكن غيابها قد يقلل المراقبة المستقلة، ويضعف إحدى قنوات احتواء التوتر، ويزيد صعوبة التحقق من الوقائع التي تُبنى عليها المطالب اللبنانية.
OGL هل تستطيع ملء الفراغ؟
مجموعة مراقبي الأمم المتحدة في لبنان، المعروفة بـOGL، تتبع هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، UNTSO، التي تعود نشأتها إلى العام 1948. ويعمل مراقبوها العسكريون غير المسلحين في لبنان لمساندة اليونيفيل تحت سيطرتها العملياتية، مع بقائهم ضمن هيكل الهيئة الأم.
وهذا يعني أن OGL ليست نسخة مصغّرة من اليونيفيل، وأن الأساس الذي يستند إليه وجودها مستقل عن ولاية القوة الدولية. لذلك لا يؤدي انتهاء مهمة اليونيفيل تلقائيًا إلى إنهاء ولاية هيئة مراقبة الهدنة. لكن ترتيب عمل المجموعة في لبنان بعد الانسحاب يحتاج إلى تحديد عملي واضح.
تتيح الطبيعة الإقليمية للهيئة قنوات اتصال مع الأطراف، ويمكن أن تجعلها جزءًا من ترتيبات المرحلة المقبلة. غير أن مراقبين غير مسلحين لا يعوضون تلقائيًا قوة واسعة الانتشار تمتلك وحدات وتجهيزات وإسنادًا لوجستيًا. وحتى زيادة عددهم تبقى محدودة الأثر إذا لم تقترن بحرية الحركة، والوصول إلى المناطق المعنية والحماية ونظام واضح للتوثيق ورفع التقارير ومتابعتها.
لذلك، فإن طرح OGL يستحق البحث بوصفه خيارًا للحفاظ على حضور أممي، لكن اعتباره بديلًا جاهزًا يحجب الفارق بين استمرار العلم الدولي واستمرار القدرة الميدانية.
ما بعد اليونيفيل
لا يكفي أن تكون البدائل بعثات تدريب أو برامج تجهيز. فهذه قد تعزز قدرة الجيش، لكنها لا تؤدي بالضرورة وظيفة مراقبة الحدود وتوثيق الخروقات. كما أن وجود مراقبين، وحده، لا يوفر جميع مهام القوة التي تنسحب. المطلوب تحديد الوظائف التي يحتاج إليها لبنان، ثم بناء آلية تمتلك القدرة على أدائها.
ويحمل غياب هذه الآلية خطر انتقال العلاقة على الحدود نحو تواصل أمني مباشر، من دون مستوى مماثل من الوساطة والتحقق الدوليين. والتواصل التقني قد يخدم احتواء الحوادث، لكن شروطه تصبح أكثر حساسية عندما يجري بين طرفين متفاوتين في القوة، وفي ظل استمرار النزاع على الأرض والأمن والسيادة.
لهذا، تتجاوز معركة لبنان الدفاع عن بقاء القرار 1701 على الورق. إنها معركة الحفاظ على مسؤولية دولية عن تنفيذه، ومنع التعامل مع الانسحاب الأممي باعتباره نهاية هذه المسؤولية. فالقرار سيبقى مرجعية، لكن قيمته العملية ستتوقف على ما يحلّ محل أدواته، وعلى قدرة الدولة اللبنانية، وعلى الضغط لوقف الخروقات الإسرائيلية.
الخطر الأكبر أن يغادر الشاهد الدولي، بينما تبقى أسباب النزاع والاحتلال والسلاح خارج الدولة قائمة. عندها لا يكون القرار قد أُلغي، بل يصبح الجنوب أمام واقع تُفرض تفاصيله بالقوة، فيما يُستدعى 1701 للاحتجاج عليها بعد وقوعها.