-
يُعد الفصام أحد الاضطرابات النفسية الخطيرة التي تؤثر في قدرة الشخص على التمييز بين الواقع والخيال، ويصيب نحو 1% من السكان. ورغم أن تشخيصه غالبًا ما يتم بين سن 16 و30 عامًا، فإن العلماء يبحثون اليوم عن مؤشرات مبكرة قد تظهر منذ لحظة الولادة.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن المشيمة، وهي العضو المسؤول عن تغذية الجنين خلال الحمل، قد تحمل دلائل مبكرة على خطر الإصابة بالفصام لاحقًا في الحياة.
ويعرف العلماء هذا المفهوم باسم "محور المشيمة–الدماغ"، وهو يشير إلى أن المشيمة لا تقتصر على نقل الغذاء والأكسجين، بل تعكس أيضًا الظروف الصحية التي تعرض لها الجنين داخل الرحم.
وأظهرت دراسات سابقة أن بعض العلامات الجينية في المشيمة تتغير في حالات الولادة بوزن منخفض، وهي تغيّرات ارتبطت لاحقًا بارتفاع خطر الفصام واضطرابات أخرى مثل التوحد وضعف القدرات المعرفية.
وتزايد الاهتمام العلمي بعلاقة تعاطي القنب أثناء الحمل بصحة الدماغ لدى الطفل. ففي كندا، على سبيل المثال، ارتفع معدل استخدام القنب بين الحوامل بعد تقنينه عام 2018، مع تسجيل نسب أعلى بين المراهقات.
وبحثت دراسة جديدة نشرت في مجلة Biology of Reproduction تأثير مادة "تي إتش سي" (THC)، وهي المركب النفسي الفعّال في القنب، على المشيمة.
وفي تجربة على نماذج حيوانية، أعطيت إناث حوامل جرعات من مادة THC. وأظهرت النتائج أن صغارها عانوا من ضعف فيما يُعرف ب"تثبيط الاستجابة المفاجئة"، وهو اختبار يُستخدم لقياس قدرة الدماغ على تصفية المحفزات غير المهمة؛ وهي قدرة غالبًا ما تكون مضطربة لدى المصابين بالفصام.
والأهم من ذلك، أن الباحثين رصدوا ارتفاعًا في بعض العلامات الجينية داخل المشيمة، وهي علامات سبق ربطها بخطر الإصابة بالفصام لدى البشر. كما أظهرت تجارب على خلايا مشيمة بشرية في المختبر نتائج مشابهة بعد تعريضها لTHC لفترة قصيرة.
وإذا ثبت أن هذه العلامات في المشيمة يمكن أن تشير إلى خطر مستقبلي، فقد يصبح من الممكن رصد الأطفال المعرضين للخطر منذ الولادة، والتدخل مبكرًا عبر برامج نفسية أو غذائية، وتحسين فرص العلاج والنتائج طويلة المدى.
ونظرًا لأن الفصام يُشخّص عادة في مرحلة الشباب، فإن اكتشاف مؤشرات خطر منذ الولادة قد يمثل تحولًا مهمًا في الطب الوقائي.
ولا تزال الأبحاث في مراحلها المبكرة، وهناك حاجة إلى دراسات أوسع لفهم ما إذا كانت مكونات أخرى تؤثر أيضًا في تطور الدماغ. كما يشير الباحثون إلى أن صحة الوالدين قبل الحمل -سواء الأم أو الأب- قد تؤثر أيضًا في صحة المشيمة، وهو مجال يحتاج إلى مزيد من البحث.
تشير الأدلة الجديدة إلى أن المشيمة قد تحتفظ ببصمات مبكرة لاضطرابات نفسية مستقبلية، بما في ذلك الفصام. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا قبل اعتماد المشيمة كأداة فحص مبكر، فإن النتائج تفتح بابًا مهمًا لفهم أعمق لكيفية تأثير البيئة داخل الرحم على الصحة النفسية لاحقًا في الحياة.
-