-
لا مؤشرات تفيد بتحقيق خرق ديبلوماسي أو سياسي لوقف الحرب على إيران ولبنان. لا الأميركي أو الإسرائيلي يبدوان في وارد التجاوب مع مسعى الرباعي الذي اجتمع في باكستان، ولا حتى إيران أبدت استعداداً لتقديم التنازلات. غالبية الدول تتعاطى مع الحرب كأنها طويلة، لكنها أيضاً ستساهم في تغيير شكل المنطقة وتوازناتها وتحالفاتها، وهو أيضاً ما بحثته الدول الأربع؛ أي باكستان، تركيا، المملكة العربية السعودية ومصر، التي تواكبها أيضاً دولة قطر من خلال اتصال وزير خارجية باكستان برئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. عدم تحقيق نتائج أساسية في اجتماع إسلام اباد، دفع إلى عقد لقاء ثلاثي في جدة جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني وملك الأردن عبد الله الثاني للتنسيق حول كيفية التعاطي مع الحرب واحتمال اتساع أفقها.
واشنطن والحلول الجذرية
في واشنطن، هناك من يؤكد أن أميركا ترفض الحلول الوسطية، خصوصاً بعد أن اتخذت الحرب هذا المسار التصعيدي والتوسعي، ووصلت إلى مرحلة بدء الحرب البرية مع حشد الجنود والفرق العسكرية. تريد واشنطن حلاً جذرياً، قد يمر من خلال إحداث التغيير الكامل في إيران والوصول إلى تفاهمات شاملة حول كل الملفات: النووي، الصواريخ، النفط والسياسة الخارجية والاستثمارات الاقتصادية. وعندما يتحدث ترامب عن تقدم في المفاوضات مع مسؤولين إيرانيين، فهو يقصد جزءاً من أركان النظام الذين يبدون مرونة واستعداداً للتفاهم، بينما سيستكمل الحرب لضرب مراكز القوى الإيرانية والشخصيات التي ترفض الاتفاق.
عملياً، يمكن القول إنَّ طموح أو هدف ترامب ونتنياهو أصبح إسقاط النظام الإيراني، ولكن المسألة لا تزال صعبة المنال. هناك قدرة لدى إيران على استكمال تنفيذ العمليات وإلحاق الأذى، بينما السؤال هو عن قدرة تحمّل أكلاف الضربات الإيرانية، خصوصاً الأكلاف الاقتصادية. فتعقيدات الانعكاسات الاقتصادية لم تُحسب كفاية أو بدقة من قبل الأميركيين. لذلك فإن إغلاق إيران لمضيق هرمز والاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب سيتركان تأثيراً كبيراً على الاقتصاد العالمي.
لعبة الوقت
هنا تلعب إيران، كما إسرائيل، لعبة الوقت وإطالة الحرب، بخلاف الولايات المتحدة ودول الخليج أو دول الإقليم، خصوصاً، مصر، باكستان وتركيا التي ليس من مصلحتها إطالة أمد هذه الحرب، بسبب الخسائر الاقتصادية الكبيرة جداً. لذا لا تفضل دول المنطقة الانخراط في هذه الحرب، على الرغم من الضغوط الأميركية التي تبذل لذلك، علماً بأن الضغوط مستمرة لدفع دول الخليج ودول عربية أخرى للدخول في الحرب.
عملياً، أمسكت إيران بورقتين استراتيجيتين: أولاً مضيق هرمز، وثانياً استعدادها لضرب مرافق حيوية في الخليج وتدمير منشآت النفط، وهذا ما سيكون له انعكاسات كبيرة على العالم. وهو ما يفرض على دول الخليج مع دول الإقليم البحث عن بدائل لذلك، والأخذ في الحسبان دخول المنطقة في حرب استنزاف طويلة لا تتوقف وإن تغيرت أشكالها وتراجع منسوب الزخم العسكري عما هو قائم حالياً، لكن ذلك لا يؤدي لإعادة تكريس الاستقرار. لذا تبحث هذه الدول عن كيفية التعاون والتكامل والوصول إلى البدائل لحماية إمدادات الطاقة وشرايين الاقتصاد. بناء عليه جاء اللقاء الرباعي الذي عقد في باكستان.
انهيار التوازنات السابقة
تركزت النقاط الأساسية على ثلاث مسائل: الأولى، هي التقدم بمبادرة لأجل خفض التصعيد ووقف الحرب وإعادة إحياء المفاوضات. الثانية، هي البحث في الدخول باتفاقات استراتيجية بين الدول الأربع، على اعتبار أنَّ كل الوقائع والتوازنات التي كانت قائمة في الشرق الأوسط قد انهارت، ولا بد من البحث عن بدائل على المستوى السياسي والأمني والعسكري لتوفير منظومة الأمن والحماية. الثالثة، البحث عن مشاريع استراتيجية مشتركة على مستوى الاقتصاد والنفط لتجاوز كل التوترات والصراعات الممتدة من قزوين إلى هرمز إلى البحر الأحمر.
اجتماع باكستان
في ما يتعلق بمسألة المفاوضات، ناقشت الدول الأربع كيفية العمل على إقناع الإيرانيين بالتفاوض وبعدم تصعيد العمليات العسكرية وتوسيعها في المنطقة، خصوصاً أنه بالنسبة إلى هذه الدول فقد تشكلت لديها قناعة بأنَّ إسرائيل كما إيران تريدان توسيع الحرب لتشمل أكبر عدد ممكن من الدول. فإيران تريد توسيع الحرب للتأثير على الاقتصاد العالمي، ولتدفيع كل الدول كلفة هذه الحرب وخسائرها، وكي لا تكون وحدها التي دفعت الثمن. أما إسرائيل فهدفها إضعاف كل دول المنطقة والانتقال من الحرب على إيران إلى حرب جديدة على كل دول المنطقة، خصوصاً تركيا، والدول العربية التي تسعى إلى تطويقها لتطويعها. لإسرائيل مسعىً أساسي هو دفع المنطقة إلى تجديد الصراع السني الشيعي، سواء من خلال تزكية الصراع بين إيران ودول الخليج، أو في محاولات إدخال سوريا إلى مثل هذه الحرب ضد حزب الله أو ضد الحشد الشعبي العراقي، وهذا ما يدفع هذه الدول لتنشغل بصراعاتها البينية من دون أي طموح اقتصادي، فتبقى إسرائيل هي الطامحة للعب دور "الدولة المركز" على خطوط الإمداد والتجارة.
تركيا ترفض التورط في هذه الحرب، كما لا يمكن إغفال القلق التركي من أي دعم إسرائيلي للأكراد في إيران، وإعادة تعزيز وضعيتهم هناك، وهذا ما سيكون له انعكاس على الأمن القومي التركي ويشكل تهديداً لتركيا.
باكستان ترفض لهذه الحرب أن تستمر، خصوصاً إذا كانت ستؤدي إلى دخول إيران في حالة فوضى، وهذا ما سيؤثر على كل المكونات داخل المجتمع الإيراني، وهو سينعكس على الداخل الباكستاني، إلى جانب رفض إسلام أباد أي محاولة لدخول دول الخليج الحرب ضد إيران، خصوصاً السعودية، إذ عندها ستكون باكستان مضطرة للتدخل بموجب اتفاق الدفاع الاستراتيجي مع الرياض، وهكذا تكون باكستان قد دخلت الحرب ضد إيران، وهذا ما سيدفع "المكون الشيعي" داخل باكستان إلى تحركات احتجاجية مضادة.
السعودية ليس من مصلحتها دخول الحرب بسبب الانعكاسات الاقتصادية الخطرة، إضافة إلى عدم تجديد الصراع السني الشيعي في المنطقة، الذي سيطال دولاً جديدة، خصوصاً الكويت، أو البحرين، أو حتى العراق وسوريا. السعودية كما مصر تنظران إلى هذه الحرب بوصفها عنصر تهديد لكل الدول العربية، خصوصاً في حال واصلت إسرائيل حربها على لبنان لاحتلال أراضيه واقتطاع مساحة منه للسيطرة عليها تحت شعار المنطقة العازلة، وهو ما يعني تهجير مكون أساسي من المكونات اللبنانية من أرضه، وهذا ما سيحدث تغييراً ديمغرافياً، وهو الأمر نفسه الذي اعتمده الإسرائيليون في غزة ويريدون تطبيقه في الضفة، وهذا ما يشكل تهديداً فعلياً لمصر والأردن، من دون إغفال التصعيد الإسرائيلي في سوريا لدفعها إلى الانخراط في الحرب أو لزعزعة وضعها الداخلي مع مواصلة إسرائيل التقدم لاحتلال المزيد من الأراضي داخل سوريا، وهو ما تعتبره تل أبيب في إطار الصراع الأكبر مع تركيا.
بالنسبة إلى الدول الأربع، في حال نجحت إسرائيل في مواصلة الحرب واستدراج الجميع إليها، فإن ذلك يعني إضعاف كل دول المنطقة، لتبقى هي الدولة الأكثر تفوقاً والقادرة على لعب أدوار استراتيجية سياسياً أو عسكرياً وأمنياً من خلال دفع دول المنطقة إليها للتحالف معها بحثاً عن توفير الحماية الأمنية. لذا فإن جهود هذه الدول تتركز على كيفية الوصول إلى تفاهم مع إدارة ترامب حول وقف الحرب ومنع اتساعها.
المقترحات
في الاجتماع جرى البحث في عدد من المقترحات:
1- تقديم اقتراح من الدول الأربع بأن تعمل على تقديم مقترح حول توفير الأمن لحرية الملاحة في مضيق هرمز، وتشكيل لجنة تشرف على ذلك.
2- حصل تباين في الآراء بين الدول حول كيفية التفاوض مع إيران، إذ إن بعض الدول اقترحت التفاوض بلا أي شرط، بينما دول أخرى أصرت على أن تبدأ المفاوضات من الحصول على تنازلات إيرانية تتعلق بتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، والالتزام بعدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها، لأن ذلك سيدفع إلى سباق نووي في المنطقة، وتقديم ضمانات إيرانية بوقف اعتداءاتها على دول الخليج.
3- لم تقدم إيران أي تنازل أو أي ضمانة قبل وخلال انعقاد الاجتماع.
4- اقترحت تركيا أن يتم تحويل هذا اللقاء الرباعي إلى تحالف دفاعي مشترك كما هو الحال بالنسبة إلى التحالف الدفاعي بين باكستان والسعودية، ولكن لم يتم اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن، وسط معلومات تفيد بأن السعودية تبدي استعدادها للدخول في تفاهمات واتفاقات عسكرية مع كل دولة على حدة.
كذلك تدرس هذه الدول الخيارات البديلة على مستوى الممرات، والتعاون الاقتصادي لتجاوز الأزمات المقبلة التي ستتعاظم:
السعي لتجاوز مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، من خلال البحث عن اعتماد ممرات يمكنها أن تشكل نقطة التقاء استراتيجية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، فالسعودية وانطلاقاً من علاقتها الاستراتيجية والتحالفية مع تركيا وسوريا، يمكنها أن تعمل على تفعيل خط تجاري بري عبر الأردن باتجاه سوريا، ومن سوريا إلى تركيا نحو أوروبا، والوصول إلى البحر المتوسط عبر الجغرافيا السورية.
تفعيل خط الغاز الذي ينطلق من قطر الى السعودية فالأردن فسوريا إلى تركيا لتصدير الغاز إلى أوروبا، وبذلك يتم تجاوز مضيق هرمز أو باب المندب.
-