نبيل عمرو لـ«القدس العربي»: معضلة المفاوضات الإيرانية- الأمريكية أن كل طرف يسعى للظهور منتصرا

  • 27 March 2026
  • 6 hrs ago
    • POLITICS
  • source: القدس العربي
    • article image
    يرى السياسي الفلسطيني نبيل عمرو أن معضلة المفاوضات الإيرانية الأمريكية الراهنة أو المقبلة تتمثل في أن كل طرف يريد أن يظهر فيها منتصرًا، رغم أن الطرفين يبحثان عن نهاية للحرب أو مخرج منها.

    ويقول عمرو، في حوار مع «القدس العربي»، أن التقديرات الخاطئة للحرب هي التي أدت إلى اقترابها من دخول شهرها الثاني.

    ويؤكد أنه، أمام الخطأ الفادح الذي وقع فيه الرئيس الأمريكي والمتمثل في عدم تقدير قوة إيران بوصفها الخصم، فإن لدى إيران قدرة على تحمل المعارك، حتى لو أدت إلى خسارة مقدرات كبيرة، وشدد على أنها تمتلك أيضًا خيارات انتحارية.

    كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في هذه الحرب، لا يمكن عدّها مهزومة في الحروب إلا إذا تُوج ذلك بقرار سياسي استسلامي، وهو أمر مستبعد في الحالة الإيرانية.

    ويرفض عمرو الحديث عن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط، ويرى أن ما تريده إسرائيل يندرج ضمن ما يسميه «الأجندات المستحيلة».

    ويتساءل: «هل الجيش الذي حارب في غزة سنتين ونصف السنة من دون أن يتمكن من تهجير سكانها ومن دون أن يكمل السيطرة عليها، قادر على إخضاع الشرق الأوسط لأجنداته وجنونه؟».

    كما يرى عمرو أن وجود أطراف عربية وإسلامية مؤهلة للوساطة بين طرفي الحرب، مثل مصر وتركيا وباكستان وقطر، يجب أن «يمثل مصدر راحة واطمئنان للفلسطينيين، بحكم انتمائها إلى القضية الفلسطينية، وهو ما يجعلها حاضرة على الطاولة إلى جانب كل القضايا المطروحة جراء هذه الحرب». وفيما يلي نص الحوار:

    كيف تقرأ مشهد الحديث عن مفاوضات، وما تسرب من قائمتي الشروط التي وضعتها أمريكا وكذلك إيران، في ظل اقتراب الحرب على إيران من شهرها الثاني، مع ملاحظة أن الرئيس الأمريكي ترامب يبحث عن مخرج، وربما إيران كذلك؟

    صحيح، الطرفان في مأزق نظرًا إلى فداحة الخسائر المادية والمعنوية، وتورط العالم في تداعيات هذه الخسائر، وبالتالي فالكل يريد مخرجًا لهذه الحرب. وفي المقابل، تكمن المعضلة في أن كلا الطرفين يريد أن يبدو منتصرًا في النهاية، أو على الأقل أن يظهر الطرف الآخر في صورة المهزوم، وهذه أمور معلنة.

    فعلى سبيل المثال، أعلن ترامب خلال الساعات القليلة الماضية، من خلال الناطقة باسم البيت الأبيض، أنه يريد أن يسمع كلمة الهزيمة من إيران. والإيرانيون كذلك يقولون إنهم يريدون أن تكون الطلقة الأخيرة لهم لا لترامب.

    بمعنى أن البحث يجري عن الصورة والمخرج الذي يحفظ لكل طرف أدبياته التي خاض هذه الحرب من أجلها. وبتقديري، اعتمد الإيرانيون كثيرًا على عدم قدرة إسرائيل وأمريكا على مواصلة الحرب مدة طويلة، وهذا أمر قد لا يكون دقيقًا كثيرًا. قد يكون احتمالًا واردًا، لكنه لا يشكل أمرًا حاسمًا في حرب من هذا النوع.

    وكذلك ظن الإسرائيليون والأمريكيون أن قتل المرشد، وتنفيذ عملية خاصة من النوع الذي جرى تنفيذه، سيجعلان الشعب الإيراني يُسقط النظام في اليوم التالي أو بعد أيام قليلة من بدء الحرب، وهذا لم يحدث. هذه التقديرات الخاطئة أدت إلى أن الحرب ها هي تدخل شهرها الثاني، من دون أن تُحسم أو تتوقف، وبالتالي يجري الآن البحث عن مخرج يسوقه طرفا الحرب لجمهورهما على أنه إنجاز مهم.

    الاستخفاف بإيران خطأ

    في ضوء ذلك، كيف ترى مصادر قوة إيران حاليًا؟ هناك ساحات تشتعل في هذه المواجهة، فيما توجد ساحات أخرى غير مفعلة، كما في حالة مضيق باب المندب مثلًا؟

    من الخطأ الاستخفاف بإيران. صحيح أنها ليست قوة كبرى تمتلك ما لدى إسرائيل وأمريكا من مصادر عسكرية وتكنولوجية، وكذلك ليست بمستوى ما لدى «حلف شمال الأطلسي» بكل تشكيلاته. وهي أيضًا ليست في وضع اقتصادي متين بعد العقوبات التي فرضت عليها منذ سنوات، كما أنها تعاني من مشكلات داخلية، وهناك وضع شعبي داخلي يعادي النظام في جزء منه ويتخذ منه موقفًا معارضًا. لكن هذا لا يلغي أن إيران دولة إقليمية كبرى من ناحية المساحة وعدد السكان، وكذلك العلاقات السياسية والإمكانات المتاحة.

    وأرى أن ترامب وقع في خطأ فادح تمثل في عدم تقدير قوة الخصم في هذا المجال. فإيران لها نفوذ في باب المندب، وهي صاحبة نفوذ أساسي في هرمز، والعالم كله يحتاج إلى هذين الممرين المائيين الكبيرين.

    والمؤكد أن هناك إساءة في التقدير. وفي المقابل، لا يلغي ذلك أن إيران أيضًا تمارس سياسات وخيارات خاطئة في حالات كثيرة، مثل ممارسات القمع المفرط للجمهور الإيراني المعارض، والاعتداء بالقصف على دول مجاورة يفترض أنها دول شقيقة، مثل قطر والسعودية والإمارات والأردن. وهو أمر نلحظ أن الحديث عنه يجري بصوت مرتفع، أي استمرار العدوان على دول الجوار. ورغم كل الأخطاء، وربما الخطايا، فإن إيران قوة جدية.

    ولا يُنظر إليها بالنظرة نفسها التي تعامل بها ترامب مع فنزويلا، وبالتالي هناك فرق كبير يجب وضعه عند تقدير المواقف والنتائج، إذ إن لدى إيران قدرة على تحمل المعارك، حتى لو أدت إلى خسارة مقدرات كبيرة، أكثر من الآخرين.

    سمعنا خلال الفترة الماضية تصريحًا إيرانيًا مفاده أن مضيق هرمز لن يعود كما كان سابقًا. هل ترى في ذلك نوعًا من رفع سقف المطالب استعدادًا للمفاوضات، أم أنه مطلب إيراني جدي؟
    عندما يبدأ الحديث عن وساطات ومفاوضات، فإن الجميع يطرح الحد الأقصى من مطالبه.

    وبالتالي لا ينبغي أخذ هذا التصريح على أنه موقف نهائي على الإطلاق. إيران تريد أن تستثمر ورقة مضيق هرمز، وكذلك تأثيرها في العالم، من أجل تعزيز أوراقها التفاوضية، سواء تمت المفاوضات الآن أو بعد أيام. هذه أوراق تفاوضية تستخدمها لتحسين موقعها والوصول إلى تسوية تصب في مصلحتها.

    لكن هذا لا يلغي أنها تسيطر فعلًا على هرمز ولها نفوذ في باب المندب، وهذا يجب أن يؤخذ في الحسبان من جانب الأمريكيين تحديدًا، الذين يتعرضون لضغوط دولية لإنهاء العمليات العسكرية المقلقة للجميع. والأيام المقبلة ستظهر إلى أي مدى تستطيع أمريكا انتزاع هذه الورقة من يد الإيرانيين، مع أن إمكانات ذلك صعبة للغاية. فلا يوجد طرف دولي في العالم وافق على أن يشاركها رؤيتها للحلول الحاسمة والجراحية في موضوع مضيق هرمز، وحتى في موضوع «جزيرة خرج» التي يدور حولها حديث كثير هذه الأيام.

    الأجندات المستحيلة

    حديث المفاوضات بين أمريكا وإيران يظهر بوضوح أن إسرائيل غير راضية عنه، فهذا ليس ما تريده في هذه اللحظة. وأنت لك حديث مهم حول هذه الحرب، إذ وصفتها أنها «حرب الأجندات المستحيلة». كيف تعلق على هذه النقطة؟

    أنا أنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة.

    لقد ظهرت مؤخرًا مصطلحات كثيرة وأنا أتحفظ عليها، مثل الحديث عن تأثر الفلسطينيين بما يجري في هذه الحرب، إذ سمعنا من يقول إن الفلسطينيين هم الخاسرون فيها، وهناك من يقول إن إسرائيل أنهت الوضع في الضفة الغربية لمصلحتها، ومن يقول إنها أنهت الوضع في غزة وتتطلع إلى تثبيت نفسها في الضفة، وأن العالم العربي دخل العصر الإسرائيلي، إلى آخر هذا النوع من الكلام. وأنا أرى أن هذا حديث غير موضوعي، ويستند إلى أن ما تقوله إسرائيل في تصريحاتها حقيقة مقررة لا مجال لمعارضتها، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

    نحن، كفلسطينيين، نعيش أزمة الاحتلال والاستيطان منذ عام 1967، وهذا أمر لا يتعلق بالحرب على إيران. وما يفعله الإسرائيليون في الضفة الغربية هو ما كانوا يفعلونه دائمًا. لا جديد سوى طريقة تقديمه عبر قرارات «الكنيست» وقوانين رسمية تُظهر أنها تنفذ سياسة التهام الضفة وضمها أيضًا. هنا أقول التالي: هل الذي حارب في غزة سنتين ونصف السنة من دون أن يُهجّر سكانها ومن دون أن يكمل السيطرة عليها، هو طرف قادر على إخضاع الشرق الأوسط لأجنداته وجنونه؟ أعتقد أن الجواب هو لا.

    نعم، هناك استيطان مؤذٍ واحتلال يوقع أذى كبيرًا، لكن ذلك لن يصل إلى حد أن نغادر بلادنا إلى مكان آخر. وما حدث في الضفة أقل مما حدث في غزة، ومع ذلك لا يوجد مواطن فلسطيني يفكر في الهجرة خوفًا من الاحتلال.

    لماذا أقول إن الأجندات الإسرائيلية أجندات مستحيلة؟ الجواب يتمثل في أن الأجندة الإسرائيلية التي تريد تصفية القضية الفلسطينية من أساسها والتخلص منها مسألة مستحيلة، بدليل أنهم يحاولون ذلك منذ قرن من الزمان ولم يستطيعوا. هذه أجندة مستحيلة.

    وإذا كانت أجندة نتنياهو تقوم على السيطرة على الشرق الأوسط، كما يقول، فهي أيضًا أجندة مستحيلة، لأن الشرق الأوسط ليس فارغًا إلى الحد الذي يستدعي سيطرة إسرائيل عليه.

    وكذلك الأمر بالنسبة إلى إيران، فترامب أراد إخضاع إيران والتصرف بها كما يشاء، وبنفطها وشعبها، كما لو أنه عاد إلى زمن الشاه، وهذه أيضًا أجندة مستحيلة، بدليل وقائع الميدان.

    أنا أنظر إلى الأمر من زاوية الممكن، لا من زاوية الأقوال. فسيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط أمر مستحيل، وتصفية القضية الفلسطينية أمر مستحيل كذلك.

    نحن شعب عددنا نحو 16 مليون فلسطيني، متمسكون بأرضنا وهويتنا ووطننا، ونريد دولتنا.

    وفي المقابل، لم تقصر إسرائيل خلال المئة عام الماضية في العمل على تركيع الفلسطينيين، لكنها لم تتمكن من ذلك.

    وبالتالي لا يمكنها استغلال الحرب على إيران لتحقيق ما تريد.

    لكن هناك مخاوف فلسطينية، ونلحظ أن هناك حالة من الإحباط الشعبي بفعل الحرب. هل ترى أن مرد ذلك تركيز إعلامي على المخاطر والنتائج السلبية للحرب؟ للأسف، هناك توجه كبير للإعلام باتجاه الفلسطينيين من جميع أنحاء العالم. وهناك انفتاح إعلامي، وفضائيات تبث إلى بيوت الفلسطينيين وتستغرق معظم وقتهم، وهذا يؤثر فيهم. هذا «المطر الإعلامي» يقدم للفلسطيني أمورًا غير متوازنة. فبعض الفضائيات، مثلًا، تتحدث عما تفعله إسرائيل في الضفة، وتنقل ما يقوله بن غفير وسموتريتش وما يسعى نتنياهو إلى تحقيقه، فيما لا تتوقف عند الفلسطينيين، ومواقفهم وصمودهم ومقاومتهم.

    وأنا أدعو إلى التوازن في التغطية. ولست ضد نقل ما يصدر عن الاحتلال من تصريحات ومواقف، لكن، في المقابل، هذا الكلام لم ينجح منذ مئة عام، ولن ينجح اليوم، وهذا ما يجب التأكيد عليه.

    ومن هنا، أدعو الإعلاميين الذين يخاطبوننا عبر المنابر الإعلامية والفضائيات المفتوحة على الزمان والمكان إلى ضرورة التوازن في التغطية. فالشعب الفلسطيني قدم مثالًا نادرًا في التاريخ من حيث الصمود على الأرض. لقد تضاعف عددنا ثلاث مرات على الأقل، رغم كل خطط التهويد والتفريغ والتهجير. ونحن متمسكون بالوطن، والسلاح الحقيقي الذي نملكه هو البقاء على الأرض. وبالتالي، لن نستسلم، وها نحن نثبت ذلك.

    لقد بنى الفلسطيني حياته على أرضه وهو متمسك بها. وخذ، على سبيل المثال، الجسور مع الأشقاء في الأردن، فهي مفتوحة، ومع ذلك فإن أعداد القادمين أكبر من أعداد المغادرين.

    واليوم يكثر الحديث عن المفاوضات، وبديل ذلك حرب استنزاف طويلة بين طرفيها. هنا السؤال: ما العوامل التي يمكن أن تدفع إلى نجاح المفاوضات بالنسبة إلى الإيرانيين، وكذلك بالنسبة إلى الإسرائيليين والأمريكيين؟

    علينا الانتباه إلى أن إيران قدمت الكثير. لقد خسرت كثيرًا، ولا يمكننا أن نقول الآن إنها أقوى مما كانت عليه قبل الحرب. إيران خسرت بالفعل كثيرًا، لكن، في النهاية، لا تعد الخسارة الكبيرة هزيمة في الحروب، ولا تصبح هزيمة نهائية إلا إذا توجت بقرار سياسي استسلامي، وهذا مستبعد لدى الإيرانيين، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الحرب مهما طالت.

    وأحيانًا تكون لديهم ميول انتحارية.

    وهنا علينا أن نترك الإسرائيليين وشأنهم، فالحرب بالنسبة إليهم أصبحت ثقافة. وعندما لا تكون إسرائيل في حال حرب، يكونون أكثر قلقًا. وهم الآن مرعوبون من احتمال وقف الحرب بقرار من ترامب. وما نلحظه هو توسعهم في الحرب على جنوب لبنان. وهذه أمور يفعلونها دائمًا من دون أن يشعروا بالأمان.

    أما بالنسبة إلى الأمريكيين، فما سيؤدي إلى إنهاء هذه الحرب يتمثل أولًا في عدم وجود إجماع أمريكي حولها، بل على العكس، فإن ثلثي الأمريكيين ضدها. وثانيًا، أن الحلفاء الغربيين، الذين كان ترامب يظن أنه سيجرهم خلفه في الحرب، لم يذهبوا معه، فوجد نفسه وحيدًا مع نتنياهو فقط.

    ويضاف إلى ذلك، ثالثًا، ارتفاع أسعار النفط والطاقة والوقود، مع احتمال أن ترتفع أكثر إذا استمرت الحرب، وهي مسألة تؤثر في إنفاق كل إنسان في العالم، وليس فقط في الآسيويين والأوروبيين، وذلك في ظل تداخل الاقتصاد العالمي وتشابكه.

    وعندما تتفاقم هذه العوامل، فإنها ستدفع باتجاه حل سياسي. أما بشأن الأطراف المؤهلة للوساطة في هذه الحرب، فهي مصر وتركيا وباكستان، وربما قطر. وهؤلاء يجب أن يمنحونا، نحن الفلسطينيين، قدرًا من الاطمئنان، لأنهم يضعون في حسبانهم أنهم ليسوا وسطاء محايدين، بل أطرافًا لديها قضية اسمها القضية الفلسطينية. صحيح أنهم لم يتمكنوا من حلها في السابق، لكن هذا هو الوقت الذي يجب أن توضع فيه على الطاولة إلى جانب كل القضايا المطروحة جراء هذه الحرب.