المسيحيون ولبنان: معركة الدولة لا معركة الطوائف (أنطوان قسطنطين)

  • 22 June 2026
  • 8 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    بعد مئة عام على قيام لبنان الكبير، لم تعُد أزمة اللبنانيين أزمة طوائف متنافسة بقدر ما أصبحت أزمة دولة لم تكتمل. يعلّمنا التاريخ أنّ التحوُّلات الكبرى في الشرق الأوسط لا تبقى طويلاً خارج حدود لبنان، بل تصل ارتداداتها إليه سريعاً، سلباً أو إيجاباً. وفي كل مرّة تتغيّر فيها موازين القوى أو تُعاد صياغة التفاهمات الإقليمية، يعود السؤال نفسه: هل نحن دولة قادرة على حماية وجودها والتكيُّف مع المتغيّرات، أم مجرّد ساحة تتأثر بقرارات الآخرين أكثر ممّا تؤثر فيها؟

    ويأتي هذا النقاش فيما تدخل المنطقة مرحلة جديدة بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني وما قد يرافقه من إعادة رسم للتوازنات والأدوار. ومهما اختلفت التقديرات حول نتائجه، فإنّ الدرس اللبناني يبقى واحداً: لا قيمة لأي تحوُّل خارجي إذا لم يجد دولة قادرة على استثماره لمصلحة شعبها.

    يدخل لبنان المئوية الثانية لدولته مثقلاً بالأزمات والأسئلة والمخاوف، وعلى إيقاع توازنات جديدة يجري رسمها في المنطقة، ويتجدّد النقاش حول مصير دولة لبنان الكبير التي قامت على فكرة جريئة مفادها أنّ التنوُّع لا يمنع قيام دولة واحدة، وأنّ الاختلاف لا يلغي الشراكة في المصير.

    ولأنّ مشروع الدولة لم يكتمل، عادت الطوائف إلى قلقها على الوجود والحضور. لكن في صلب هذا النقاش تبرز حقيقة أساسية: أنّ الأزمة لم تعُد تتعلّق بمصير طائفة بعينها بقدر ما تتعلّق بمصير الدولة اللبنانية نفسها.

    لبنان الكبير ضمانة الجميع

    من الحقائق التي يغفلها كثيرون، أنّ لبنان الكبير لم يكن مكسباً لطائفة دون أخرى، بل إطاراً سياسياً حفظ الوجود والدور لجميع مكوّناته. فقد وفّر للمسيحيّين المجال السياسي الذي عرفوه طوال القرن الماضي، كما أتاح للشيعة والسنّة والدروز أن يكونوا شركاء في كيان سياسي يمتلكون فيه دوراً وتأثيراً، لا مجرّد جماعات ملحقة بكيانات أكبر. ولذلك، لم يكن لبنان الكبير انتصاراً لفئة على أخرى، بل نضوجاً تاريخياً أتاح للجميع مساحة حرّية وشراكة وتمثيل.

    مسؤولية اللبنانيّين اليوم لا تقتصر على الدفاع عن لبنان الكبير، بل على تطوير دولته ومؤسساته. فكما أنّ نجاحه كان نجاحاً للجميع، فإنّ سقوطه لن يكون خسارة لطائفة، بل خسارة جماعية.

    أزمة الدولة لا أزمة التنوُّع

    اعتاد اللبنانيّون تفسير أزماتهم بالعودة إلى التنوُّع الطائفي، وكأنّ المشكلة تكمن في تعدُّدية المجتمع نفسه. لكنّ التجربة اللبنانية تُثبت العكس. صحيح أنّ ولادة لبنان الكبير ترافقت مع تحدّيات كبرى، في مقدّمتها قيام إسرائيل وما تبعه من حروب وصراعات إقليمية ما زالت تلقي بثقلها على المنطقة. غير أنّ جزءاً كبيراً من الفشل كان محلياً أيضاً، حين تحوَّلت الطائفية من وسيلة لتنظيم التنوُّع إلى أداة لتقاسم النفوذ والمصالح.

    لقد كشف الانهيار المالي عام 2019 حقيقة أساسية: المشكلة ليست في تنوُّع اللبنانيّين، بل في فساد الدولة وضعف مؤسساتها وتراجع مفهوم المصلحة العامة. فنجاح الدول لا يرتبط بتجانس شعوبها، كما أنّ فشلها لا ينتج حكماً عن تعدُّدها، بل عن قدرتها على إدارة هذا التعدُّد أو عجزها عن ذلك.

    امتلك لبنان بعد الاستقلال عناصر نجاح حقيقية: الحريات، التعليم، الانفتاح الاقتصادي، الانتشار الاغترابي، والدور الثقافي. لكنّ الطبقة السياسية بدّدت جانباً كبيراً من هذه الفرصة، ولا سيما بعد الحرب، حين تحوَّلت الدولة تدريجياً إلى ساحة تقاسم نفوذ ومصالح، بدل أن تكون إطاراً للمواطنة والمحاسبة.

    ومنذ اتفاق القاهرة عام 1969 مروراً بالحرب الأهلية وما تلاها من تدخّلات واحتلالات وصولاً إلى مرحلة المحاور الإقليمية، أظهرت التجربة اللبنانية أنّ الخارج لم يكن ليستغل لبنان لولا انقسامات الداخل وضعف الدولة.


    الدولة الغائبة والخوف المتبادل

    اليوم يعود اللبنانيّون إلى الشعور بالخوف نفسه. غير أنّ مصدر هذا الخوف ليس الشريك في الوطن بقدر ما هو غياب الدولة الضامنة. فالقلق المسيحي مفهوم، لكنّ أسبابه الحقيقية لا تعود الى الشراكة مع المسلمين، بل إلى الانهيار الاقتصادي والهجرة وتراجع فرص العمل وبيع الأراضي وسرقة الودائع وفقدان الثقة بالمؤسسات. وفي المقابل، لا يمكن أن تشكّل قوّة العدد أو فائض القوّة أو السلاح بديلاً من الدولة بالنسبة إلى أي مكوّن آخر.

    إذا كان بعض المسيحيّين يخطئون عندما يظنّون أنّ خلاصهم يكون بالانعزال أو بالتقسيم أو بالبحث عن حماية خارج الدولة، فإنّ بعض المسلمين يخطئون أيضاً عندما يظنّون أنّ قوّة العدد أو السلاح أو النفوذ يمكن أن تحل محل الدولة. ففي الحالتَين تكون النتيجة واحدة: إضعاف لبنان وخسارة الجميع.

    الانعزال والهيمنة طريقان مختلفان يقودان إلى النتيجة نفسها. أمّا الدولة القادرة والعادلة، فتبقى الإطار الوحيد الذي يضمن الحقوق والحرّيات والأمن لجميع مواطنيها. ولا يقتصر الخطر على الانقسامات الداخلية، بل يمتد إلى النظرة الخارجية إلى لبنان بوصفه ساحة أو وظيفة تخدم مصالح الآخرين. فغالباً ما يُنظر إليه من زاوية ارتباطه بصراعات المنطقة أكثر ممّا يُنظر إليه كدولة تمتلك مصالحها الوطنية المستقلة. لذلك يبقى التحدّي الأول أمام اللبنانيّين هو تثبيت حق دولتهم الكامل في السيادة وامتلاك قرارها الوطني.


    أي دولة يحتاجها لبنان؟

    لقد كشفت المئوية الأولى للبنان نقاط القوّة التي سمحت له بالاستمرار، كما كشفت الثغرات التي قادته إلى أزماته المتلاحقة. أمّا المئوية الثانية، فلن تُحسم بالشعارات، بل بقدرة اللبنانيّين على بناء دولة أكثر نضجاً وعدالة وفعالية. فبعد قرن على قيامها، لا تزال الدولة اللبنانية تعاني نقصاً في وظائفها الأساسية: السيادة، التنمية، العدالة، الإدارة، المحاسبة، التمثيل السياسي، والنظام الاقتصادي. لذلك فإنّ أي مشروع إنقاذي جدّي ينبغي أن يرتكز على مبادئ واضحة:

    • دولة مركزية في السياسة الخارجية والعملة، تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم وتمتلك القدرة على حماية شعبها وحدودها.

    • قضاء مستقل يحمي المواطن لا السلطة.

    • لامركزية إدارية وتنموية فعلية تمتلك القدرة والاستقلالية المالية تحت سقف الدولة المركزية وقوانينها .

    • نظام ضريبي تحفيزي أكثر عدالةً، واقتصاد إنتاجي قائم على توازن القطاعات والمناطق ومبني على الميزات التفاضلية للطاقات البشرية والبيئة اللبنانية.

    • إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية والمساءلة والشفافية.

    على المسيحيّين في المرحلة المقبلة أن يغادروا موقع الدفاع الدائم عن الحقوق الطائفية والمواقع الإدارية، وأن يكونوا في طليعة المطالبين باستكمال بناء الدولة الحديثة. فإرثهم التاريخي لم يقم فقط على حماية الجماعة، بل على المساهمة في بناء نموذج يجمع الجماعات السياسية والدينية داخل دولة واحدة.

    ماضي المسيحيّين يخبرهم أنّ مستقبلهم لا يحميه الخارج، وأنّ مستقبل لبنان تحميه شراكة المواطنة المتساوية في دولة واحدة. فالمسيحيّون ليسوا أصحاب مصلحة في حماية أنفسهم في لبنان، بل أصحاب مصلحة في حماية لبنان نفسه.

    فحين تكون الدولة قوية وعادلة يربح الجميع، وحين تضعف لا يبقى منتصر واحد. وقد تفتح التحوُّلات الإقليمية مرحلة جديدة في المنطقة، لكنّ التجربة اللبنانية أثبتت أنّ المتغيّرات الخارجية لا تتحوَّل فرصاً إلّا عندما تجد دولة قادرة على استثمارها.

    علّمنا القرن الماضي أنّ مستقبل المسيحيّين والمسلمين، لا يُفصل عن مستقبل الدولة. فالخطر على لبنان هو خطر على الجميع، وإنقاذ الدولة ليس قضية طائفة من الطوائف بل قضية الجميع. وإذا كان اللبنانيون قد أمضوا المئة سنة الأولى يتجادلون حول تقاسم الدولة، فإنّ التحدّي في المئوية الثانية هو في اتفاقهم على بنائها لتكون دولة مواطنين لا رعايا، ودولة الثقة بالعيش معاً لا دولة الخوف من العيش معاً.