السفير البخاري في "ميرنا الشالوحي": رسائل سياسية مكتملة العناصر - سامر الرز

  • 19 May 2026
  • 2 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image


    أنتم تزورون بيتاً لبنانياً يؤمن بوحدة لبنان، وبالعيش المشترك، وبالتضامن مع الدول العربية وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية.”
    هذه العبارة ليست مجرّد إفتتاحية بروتوكولية أطلقها رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل خلال إستقباله السفير وليد البخاري في المقرّ العام للتيار، بل يمكن اعتبارها موقفاً سياسياً متكاملاً، يحمل في مضمونه رسائل داخلية وخارجية، ويعيد التأكيد على ثوابت سياسية يحاول البعض، عن قصد أو عن جهل، تشويهها أو تجاهلها.
    فالسياسة لا تُختصر بالكلمات المباشرة فقط، بل تُقرأ أيضاً من خلال الرمزية والتوقيت والمكان وطبيعة اللقاءات والرسائل التي يُراد إيصالها من خلف الصورة. ومن هنا، فإن الزيارة الوداعية للسفير السعودي إلى مركزية التيار، ولقاءه بالهيئة السياسية، لا يمكن التعامل معها كحدث عابر أو كمجرد محطة دبلوماسية أخيرة قبل إنتهاء المهمة، بل هي مشهد سياسي متكامل يحمل دلالات واضحة لكل من يقرأ المشهد اللبناني بعمق وواقعية.

    فلقد جاءت هذه الزيارة لتؤكد أن التيار لا يزال يتمسّك بخيار الدولة اللبنانية الواحدة، وبفكرة العيش المشترك، وبأن لبنان، بحكم موقعه وتاريخه وتركيبته، لا يمكن أن يكون في مواجهة محيطه العربي أو معزولاً عنه. فالعلاقة مع الدول العربية جزءٌ من هوية لبنان السياسية والاقتصادية والثقافية، وأي محاولة لفصل لبنان عن عمقه العربي تعني ضرب توازنه ودوره التاريخي.
    ومن هنا تكتسب المملكة أهمية خاصة؛ فالسعودية لم تكن يوماً دولةً عابرةً في المعادلة اللبنانية، بل شكّلت على مدى عقود ركيزةً أساسيةً في دعم إستقرار لبنان والحفاظ على مؤسساته ومساندة إقتصاده واحتضان اتفاقاته الكبرى. وبالتالي فإن تأكيد التيار الوطني الحرّ على التضامن مع الدول العربية وفي مقدّمتها المملكة يحمل بعداً سياسياً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى إعادة تثبيت موقع لبنان الطبيعي ضمن محيطه العربي.
    أما الذين حاولوا التقليل من أهمية الزيارة تحت عنوان أن السفير ينهي مهامه وأن اللقاء بالتالي “لزوم ما لا يلزم”، فهم في الحقيقة يعكسون فهماً سطحياً لطبيعة العلاقات السياسية والدبلوماسية. فالدبلوماسية ليست مجرد مواعيد رسمية، بل هي رسائل ومؤشرات ومواقف تُبنى بعناية، خصوصاً في بلد معقّد كلبنان، حيث تصبح كل زيارة وكل صورة وكل لقاء جزءاً من المشهد السياسي العام.
    والسؤال هنا ليس لماذا زار السفير وليد البخاري التيار الوطني الحرّ، بل لماذا اختار أن تكون إحدى محطاته الوداعية داخل المقرّ المركزي للتيار، وبين أعضاء هيئته السياسية، وفي هذا التوقيت تحديداً؟ الجواب واضح لمن يريد أن يرى الصورة كاملة: ثمة إدراك متبادل بأن التيار الوطني الحرّ يبقى مكوّناً أساسياً في الحياة السياسية اللبنانية، ولا يمكن تجاوز حضوره أو التعامل معه كعامل هامشي في أي معادلة داخلية أو إقليمية تتعلق بلبنان.

    كما أن الزيارة تحمل في مضمونها رسالةً إضافيةً تتعلّق بكسر الصورة النمطية التي حاول البعض تكريسها حول موقع التيار وعلاقاته العربية. فالمشهد بحد ذاته يؤكد أن أبواب الحوار لا تزال مفتوحة، وأن التواصل السياسي والدبلوماسي قائم، وأن منطق القطيعة والعزل الذي روّج له البعض لم ينجح في فرض نفسه على الواقع.
    وفي السياسة كثيراً ما تختصر صورة واحدة مساراً كاملاً من الرسائل؛ فصورة السفير السعودي داخل مقرّ التيار إلى جانب قياداته السياسية، تعتبر مشهد سياسي يحمل في خلفياته أكثر مما يُقال علناً. إنها صورة تؤكد أن التيار لا يزال يعتبر أن حماية لبنان تمرّ عبر التمسك بالدولة والشراكة الوطنية والانفتاح على العالم العربي، وأن الخيارات الوطنية الكبرى لا تُبنى على الانعزال، بل على الحوار والتوازن والقدرة على مدّ الجسور.
    ولهذا فإن من يقرأ المشهد بعمق يدرك أن الزيارة هي رسالةً سياسيةً مكتملة العناصر، عنوانها أن لبنان العربي المنفتح المتعدد لا يزال حاضراً داخل البيت التياري، مهما حاول البعض تصوير عكس ذلك.