تهدئة بلا ضمانات وهدنة من دون بنية سياسية

  • 18 April 2026
  • 5 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    أنطوان الأسمر -
    يُنظر إلى إعلان وقف إطلاق النار في لبنان على أنه تعبير مكثّف عن انتقال موقت من منطق الاشتباك المفتوح إلى محاولة ضبط الإيقاع ضمن سقف سياسي لم تتبلور معالمه بعد. فالتهدئة القائمة لا تستند إلى توازن مستقر بقدر ما تقوم على تقاطع مصالح ظرفي بين أطراف متناقضة، مما يجعلها أقرب إلى تعليق للنزاع بدل أن تكون مدخلاً فعلياً لحلّه. في هذا المعنى، تبدو اللحظة الراهنة محكومة بهشاشة مزدوجة: أمنية نتيجة غياب ضمانات صلبة تمنع الانزلاق مجدداً؛ وسياسية بفعل التباينات العميقة حول طبيعة المرحلة التالية.
    الاندفاعة الأميركية، التي تتجلّى في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول "فرصة حقيقية للسلام"، تُقرأ حصراً في سياق محاولة إعادة هندسة قواعد الاشتباك في المنطقة. فواشنطن تسعى إلى استثمار لحظة الإرهاق المتبادل لفرض مسار تفاوضي يُعيد ترتيب الأولويات: من إدارة الصراع إلى السعي إلى تثبيته ضمن ترتيبات طويلة الأمد. غير أن هذا الطرح، على رغم زخمه الإعلامي، لا يزال يفتقر إلى عناصر الحسم، إذ إن تحويل التهدئة إلى مسار سياسي مستدام يتطلب ما هو أكثر من إرادة خارجية. هو يفترض بنية داخلية قابلة للاستيعاب، وهو ما لا يتوافر بعد.
    في هذا الإطار، يكتسب حديث ترامب عن لقاء محتمل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض دلالات عميقة ونوعية. من وجهة النظرالأميركية، مجرد طرح فكرة الانتقال إلى تفاوض مباشر مؤشّر في حد ذاته إلى محاولة كسر القالب التقليدي الذي حكم العلاقة اللبنانية–الإسرائيلية لعقود، والقائم على الوساطة غير المباشرة. وإذا تحقق هذا الانتقال، سيؤسس لتحوّل نوعي: نقل النزاع من مستوى الضبط الأمني إلى مستوى الترتيب السياسي، حيث تصبح قضايا الحدود، والضمانات الأمنية، وربما أشكال محدودة من التطبيع التقني، جزءاً من سلّة واحدة.
    لكن هذا المسار يصطدم بعائق بنيوي يتمثل في موقف حزب الله، الذي لا يرى في وقف إطلاق النار نهاية للمواجهة، بل إعادة تموضع ضمنها. فالحزب، انطلاقاً من بنيته العقائدية ودوره الإقليمي، يتعامل مع أي تفاوض مباشر بوصفه مساساً بجوهر شرعيته القائمة على المقاومة. لذلك، لا يقتصر رفضه على الشكل التفاوضي، بل يمتد إلى المضمون، أي إلى أي ترتيبات قد تقود إلى تحييد سلاحه أو إعادة تعريف وظيفته. لا يعكس هذا التباين فقط اختلافاً في المواقف، بل يكشف عن تصادم بين منطقين: منطق الدولة الساعية إلى تثبيت الاستقرار، ومنطق الفاعل غير الدولتي المرتبط بمعادلات إقليمية أوسع.
    هنا تحديداً تتكشّف المعضلة اللبنانية في أكثر صورها تعقيداً. فالسلطة تجد نفسها أمام ضغط خارجي يدفع نحو تسوية تفتح الباب أمام دعم اقتصادي وإعادة إعمار، في مقابل واقع داخلي يقيّد قدرتها على اتخاذ قرار سيادي كامل. ولا ريب أن أي مسار تفاوضي لا يأخذ في الاعتبار توازن القوى الداخلي محكوم بالفشل، كما أن أي تجاهل للضغوط الدولية يهدد بعزل لبنان وإبقائه في دائرة الانهيار. يحوّل هذا التناقض التفاوض من خيار سيادي إلى ضرورة مفروضة، لكنه في الوقت نفسه ضرورة مشروطة بسقوف داخلية صارمة.
    إلى جانب البعد الداخلي، يبرز العامل الإقليمي كعنصر حاسم في تحديد مآلات المرحلة. فإقناع إيران بجدوى الانخراط في مسار يحدّ من دور الحزب أو يعيد تعريفه، يبدو شرطاً أساسياً لنجاح أي تسوية. غير أن هذا الأمر يرتبط بحسابات أوسع تتصل بموقع إيران في النظام الإقليمي، وباستخدامها أوراق النفوذ كجزء من استراتيجيتها التفاوضية مع الغرب. تالياً، لا يمكن عزل المسار اللبناني عن شبكة تفاهمات إقليمية لم تنضج بعد.
    تأسيساً على ذلك، يقف لبنان أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة. وقف إطلاق النار قد يصمد بفعل الحاجة المشتركة إلى تجنّب الانفجار، لكنه يظل هشّاً في غياب إطار سياسي جامع. أما الرهان على اختراق تفاوضي كبير، كاجتماع مباشر في البيت الأبيض، فيبقى رهناً بقدرة الأطراف على إعادة تعريف مصالحها ضمن معادلة جديدة. بين هذين الحدّين، يتحرك لبنان في مساحة ضيقة. لا هو قادر على العودة إلى ما قبل التهدئة، ولا هو مؤهل بعد للانتقال إلى سلام مستقر. إنها لحظة اختبار لإمكان تحويل الجغرافيا اللبنانية من ساحة تصفية حسابات إلى منصة إنتاج استقرار. لكن هذا التحوّل، إن حصل، لن يكون نتيجة إعلان سياسي بقدر ما سيكون ثمرة إعادة رسم عميقة لموازين القوى، داخلياً وإقليمياً.