من عقدة محتملة إلى الهامش.. لبنان بين الممرّات!

  • 30 March 2026
  • 10 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عساف -


    ما يجري في الشرق الأوسط هو بحق إعادة تعريف لوظيفة الجغرافيا. تحوّلت الممرات من مجرّد خطوط عبور إلى أدوات سيطرة، وصارت الأنابيب امتداداً مباشراً للقوّة السياسية. في هذا التحوّل العميق، تتشكّل معادلة جديدة. مَن يملك القدرة على توجيه التدفّقات، يملك القدرة على إعادة رسم التوازنات. باتت فكرة حرب الممرات والأنابيب تعبيراً دقيقاً عن طور جديد من الصراع، تُدار فيه المواجهة عبر التحكّم بالشرايين بدل السيطرة على الأرض فقط.

    شكّل إقفال مضيق هرمز لحظة كاشفة لافتضاح النظام الطاقوي العالمي أمام عقدة جغرافية واحدة. دفعت هذه الهشاشة القوى الكبرى إلى الانتقال من منطق حماية المسارات إلى منطق استبدالها أو الالتفاف عليها. لم يعُد الهَمّ كيفية تأمين المضيق، بل أفضل الممارسات للتقليل من أهمّيته! لذا، كان لا بدّ من تقديم الجغرافيا البرية كأداة لتفكيك الاحتكار الاستراتيجي الذي تمارسه النقاط البحرية الحساسة.



    ضمن هذا التحوُّل، يظهر إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع استعداد بلاده لتكون ممراً برّياً آمناً للتجارة والطاقة، كقراءة استباقية لما يُحَضَّر له من بدائل. يُعيد الشرع تقديم سوريا كعقدة ارتكاز في شبكة إقليمية قيد التشكُّل. تكمُن القيمة الحقيقية لهذا الطرح في توقيته، في لحظة بحث دولي محموم عن مسارات بديلة. يلتقط هذه اللحظة ليحوّل موقع سوريا من مساحة مُستنزفة إلى ممر محتمل، ومن عبء جيوسياسي إلى أصل (asset) تفاوضي.



    غير أنّ البُعد الأكثر أهمّية في هذه الاستراتيجية هو إدراكها أنّ الممر لا يُبنى بالأنابيب وحدها، بل بالثقة الأمنية. لذلك، فإنّ الدعوة إلى تنسيق عسكري أو أطر حماية مشتركة ليست تفصيلاً تقنياً، بل شرط وجودي للمشروع. فالممرات في بيئة صراعية لا تُقاس فقط بكلفتها الاقتصادية، بل بقدرتها على الصمود أمام الاستهداف. بهذا المعنى، يحاول الشرع الربط بين الأمن والاقتصاد في معادلة واحدة: لا تدفّق بلا حماية، ولا حماية بلا شراكة.



    لا يمكن فصل هذا المسار عن إعادة تموضع أميركي أوسع. لا تبحث واشنطن فقط عن بدائل تقنية، بل عن إعادة توزيع لمراكز الثقل في الإقليم. يعني تقليص مركزية مضيق هرمز تقليص إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، من دون الدخول في مواجهة مباشرة لكسرها. إنّها مقاربة إلتفاف لا صدام، ترمي إلى إعادة رسم الخريطة بطريقة تجعل النفوذ أقل تركّزاً وأكثر تشتُّتاً. لكنّ هذه المقاربة تحمل مفارقة أساسية. فهي لا تُلغي دور إيران، بل تدفع نحو إعادة تدويره ضمن شبكة أوسع من المسارات، ممّا يُخفِّف من قدرته على التعطيل الشامل من دون أن ينهي حضوره.



    في العمق، نحن أمام انتقال من جغرافيا العقدة the geography of the node إلى جغرافيا الشبكة the geography of the network. العقدة يمكن خنقها أو تفجيرها، أمّا الشبكة فتصعب السيطرة عليها بالكامل. لذلك، لا يهدف بناء ممرات برّية عبر سوريا أو ضمن الممر الهندي أو طريق الحرير، إلى استبدال هرمز ببديل واحد، بل إلى خلق تعدُّدية تقلِّل من قابلية النظام للانهيار. هذا التحوّل، إذا اكتمل، سيُغيِّر قواعد اللعبة. مَن يمتلك القدرة على الربط بين المسارات، لا مَن يحتكر أحدها، هو من يفرض شروطه.



    مع ذلك، تبقى هذه الاستراتيجية رهينة فجوة بين الإمكان والواقع. لا تزال الجغرافيا السورية، على رغم من موقعها، مثقلة بتداعيات الحرب، والبُنية التحتية فيها تحتاج إلى إعادة بناء شبه كاملة. ويتطلّب أي مشروع من هذا النوع حدّاً أدنى من الاستقرار السياسي والتفاهم الإقليمي، وهو أمر لم ينضج بعد. لكنّ قيمة الطرح تكمُن في كونه يضع سوريا على خريطة الخيارات، بعدما كانت خارج الحسابات.



    في هذا المشهد المتحوّل، يبرز لبنان حالة حدودية بين الإمكان والتهميش. يؤهّله موقعه الطبيعي أن يكون جزءاً من أي شبكة تربط الشرق بالمتوسط، ويمكن أن تتحوّل مرافئه إلى نقاط استقبال أو توزيع ضمن منظومة أوسع. غير أنّ هذا الاحتمال يصطدم بواقع داخلي مأزوم، حيث تغيب الدولة كفاعل موحّد، وتتقدّم الانقسامات على حساب الرؤية الاستراتيجية. في عالم يبحث عن ممرات آمنة، لا يكفي الموقع الجغرافي، بل تُصبح الموثوقية السياسية شرطاً أساسياً.

    يكمن الخطر الحقيقي على لبنان في أن يتجاوزه بصمت كل هذا الانتقال الجيواستراتيجي. أن تُرسم خرائط الممرات من حوله لا عبره، وأن يتحوّل من عقدة محتملة إلى فراغ بين عقد. هذه هي الخسارة الاستراتيجية الأعمق: أن يفقد دوره لا بفعل قرار، بل بفعل عدم الجاهزية.



    لكل ذلك، تكشف حرب الممرات والأنابيب عن لحظة إعادة تأسيس للنظام الإقليمي، حيث يُعاد صوغ النفوذ عبر التحكّم بالتدفّقات لا عبر السيطرة على الأرض فقط. تحاول بعض الدول تحويل جغرافيّتها إلى قوّة، بينما يواجه لبنان اختباراً معكوساً: هل يستطيع منع جغرافيّته من التحوّل إلى عبء؟ في هذه المعادلة، لا مكان للحياد السلبي. إمّا الانخراط في الشبكة بشروط واضحة، سواء عبر الممر الهندي أو ضمن تقاطعات طريق الحرير أو أي من الممرات المفترضة، وإمّا السقوط خارجها، حيث لا تمرّ الأنابيب... ولا تُصاغ القرارات.