علي الطاهر عقدة الميدان... وهكذا استفادت بعبدا من زيارة بري

  • 03 August 2026
  • 9 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    غادة حلاوي -

    تشكّل منطقة علي الطاهر نقطةً مركزية بالنسبة إلى إسرائيل. فمحاولاتها المستمرة للتقدم عسكرياً في تلك المنطقة، والتفجيرات المتواصلة في محيطها، تنذران بسعي إسرائيلي حثيث لإحكام السيطرة عليها بالكامل، في انتصار معنوي تسعى إلى تحقيقه.

    في علي الطاهر تدور حرب باردة لا يُعلن منها سوى أصوات التفجيرات والخبر الذي أعلنته إسرائيل عن اشتباك بين قوات الاحتلال وحزب الله. وتمثل المنطقة نقطة أساسية بالنسبة إلى حزب الله، وقد تؤدي المحاولة الإسرائيلية لدخولها إلى إعادة الحرب إلى مربعها الأول.

    لعلي الطاهر معادلتها المختلفة، وقد تكون التفجيرات الإسرائيلية بمثابة تمهيد للانسحاب من مناطق تجريبية أخرى تحت الضغط الأميركي. لكن لا نوايا إسرائيلية للانسحاب بعد. ويأسف حزب الله لذهاب لبنان إلى المفاوضات وعقده جلسة سابعة مع إسرائيل، فيما تستمر التفجيرات جنوباً. وبدلاً من أن يتراجع لبنان خطوة، ولو من باب التلويح بتجميد التفاوض، يتقدم خطوات، ويسبق إسرائيل بتوسيع الوفد المفاوض ليشمل وفداً اقتصادياً، بما يشير، بالنسبة إلى الحزب، إلى أن لبنان بصدد الانصياع للرغبة الأميركية والإسرائيلية في إنشاء منطقة اقتصادية في الجنوب على الحدود مع إسرائيل، ومنع عودة السكان إليها.

    وليس حزب الله المعترض الوحيد على الأداء اللبناني في المفاوضات، إذ بين أعضاء غرفة الإشراف على المفاوضات، التي أنشأتها بعبدا، من نصح رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتمهل في التفاوض وعدم وضع كل أوراقه على الطاولة دفعة واحدة. فالمفاوضات بين الدول تستغرق أشهراً، ولبنان ليس مضطراً إلى حرق أوراقه وطلب النتائج خلال ست جلسات متتالية، فيما لم تمنح إسرائيل لبنان أي معطى، سواء لجهة الانسحاب أو وقف العدوان.

    وكانت النصيحة أن بمقدور لبنان قلب الطاولة على المفاوضين، بدلاً من الانصياع الكامل والتماهي مع المطالب الإسرائيلية. ويلمس المقربون اندفاعةً نحو المفاوضات لا تزال مستمرة، وأن الأميركيين باتت لهم الكلمة الفصل، ويجري الإصغاء إلى كل مطلب يتعلق بالتفاوض. وفي مقابل هذه الأجواء المفتوحة، وحرية الحركة التي تتمتع بها إسرائيل، والتفجيرات الضخمة التي تنفذها، لم تمنح إسرائيل لبنان أكثر من مناطق تجريبية غير محتلة (وهمية)، فيما يكاد لبنان اليوم يقتصر على البحث في إمكان موافقة إسرائيل على منطقة تجريبية ثانية في بنت جبيل أو الخيام، إن لم يكن في كلتيهما معاً.

    وفي بعبدا، يسود الارتياح لزيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي جاءت عقب زيارة عون إلى الولايات المتحدة. وكان لافتاً أن الزيارة لم تنتهِ إلى نتائج أو أجواء يمكن البناء عليها، بل اقتصرت على جلسة مجاملات وتمنيات من بري بالتروي في التفاوض، مع التشديد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان ووقف العدوان.

    وبالنقاط، استفادت بعبدا من الزيارة أكثر مما استفاد بري. أما سياسياً، فقد جُيّرت الزيارة لصالح توسيع الوفد المفاوض، وثمة من فهمها على أنها عربون توافق بين بري وعون على المفاوضات، طالما أنها ستؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي، وطالما أن مسار إسلام آباد بات معطلاً.

    وحزب الله، الذي يشدد على متانة العلاقة مع بري ويتحفظ على التعليق على الزيارة، كان يفضل لو أن رئيس المجلس تريث فيها، ولا سيما أن من أهدافها، بحسب تقديره، التأكيد على وجود تباعد بين طرفي الثنائي. وتكمن إشكالية الزيارة في أن عون ليس لديه ما يقدمه لبري، كما أن العكس صحيح، إلا أن وجود بري في بعبدا شكّل، بالنسبة إلى حزب الله، غطاءً استفادت منه الرئاسة، خصوصاً أن الزيارة جاءت قبل أيام قليلة من انعقاد جلسة المفاوضات السابعة.

    وثمة من يقول إن الزيارة جاءت بناءً على تمنٍّ من الأمير السعودي يزيد بن فرحان، الذي يرغب في أن تبقى العلاقة بين عون وبري متينة، وأن يستمر التواصل بينهما. ولبري تقدير خاص للدور السعودي وعودته بزخم إلى لبنان، وهو القائل إن ما ترضى عنه السعودية يرضى عنه العالم.

    وثمة من يحاول الاستقواء على حزب الله من خلال العلاقة مع بري، والعمل على التفريق بينهما، وهذا كان أحد أهداف الكلام الذي قيل في البيت الأبيض عن رئيس المجلس. وأبعد من ذلك، بات البعض يعتبر أن حزب الله أصبح مقيداً في تعاطيه مع الحكومة، بفعل رفض شريكه، في ضوء الموقف السعودي، إسقاط الحكومة واعتبار هذا الأمر من المحرمات، فيما يرى حزب الله أن هذه الحكومة اتخذت قرارات قاسية بحقه، ولم يحرك الثنائي ساكناً.

    حتى اتفاق الإطار بات أمراً واقعاً، ولم يعد ممكناً الأخذ بمقولة إن "الإطار طار"، إلا إذا امتنعت إسرائيل عن الالتزام بتنفيذه، في حين يمضي لبنان في تنفيذ بنوده. والاتفاق، في الأصل، لم ينص على انسحاب إسرائيلي، بل تحدث عن إعادة انتشار، وهو المصطلح الذي رفضه المشاركون في غرفة بعبدا للمفاوضات، وبيّنوا الفرق بينه وبين الانسحاب، إلا أن لبنان وافق عليه بعد إصرار إسرائيل على اعتماده. أصبح الاتفاق واقعاً يسعى لبنان للالتزام بتنفيذه، وقد يؤدي إلى ترتيبات أمنية أو اتفاق مع إسرائيل تحت مسمى ترتيبات أمنية ترعاها واشنطن بينما تشرف على تنفيذها قوى دولية لم ينته الاتفاق بشأنها بعد.

    وتبقى التحفظات كثيرة على طريقة التعاطي اللبناني مع ملف المفاوضات، انطلاقاً من قاعدة مفادها أنه إذا كان لا بد من التفاوض، فليكن من باب الأخذ والعطاء، لا من خلال كشف الأوراق دفعة واحدة وقبول التفاوض بالنار كما هو الحال اليوم.