بين رهان السياسة وحسابات الميدان: هل يعدَّل اتفاق الإطار؟

  • 11 July 2026
  • 8 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image

    غادة حلاوي -

    يسبق المشهد اللبناني اليوم سؤال واحد يتقدّم على سائر الأسئلة: ماذا لو عادت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؟ فكل الترتيبات التي أُنجزت في الأسابيع الماضية، من اتفاق الإطار إلى محاولات تثبيت وقف إطلاق النار، تبدو معلّقة على مسار إقليمي شديد الهشاشة. وفيما تتكاثر المؤشرات إلى أن الهدنة الحالية قد تكون مجرد استراحة بين جولتين، يجد لبنان نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يمنع تحوّله مجدداً إلى ساحة اشتباك، فيما تتباين داخلياً المقاربات السياسية والعسكرية حيال كيفية إدارة المرحلة المقبلة؟

    لأكثر من سبب، تحاول الولايات المتحدة أن تُجنّب إسرائيل المشاركة في الضربات التي قد تنفذها مجدداً ضد أهداف في إيران، أو أن تكون شريكاً مباشراً في الحرب التي يُرجّح أن تعود، بالنظر إلى هشاشة الاتفاق الموقّع بين إيران وواشنطن. حتى مهلة الستين يوماً باتت مهددة بالفشل، فيما يقف لبنان مترقباً، وعينه على حزب الله الذي سيعود، حكماً، إلى استئناف حربه مع إسرائيل متى انخرطت الأخيرة في المواجهة.

    ولتفادي ذلك، يخوض لبنان الرسمي مشاورات مع الولايات المتحدة لعدم توفير ذريعة لحزب الله للعودة إلى الحرب، والضغط على إسرائيل لتنفيذ خطوات مرتبطة باتفاق الإطار، كبادرة حسن نية عشية توجّه رئيس الجمهورية إلى واشنطن في الحادي والعشرين من الجاري. وما يجري بحثه حالياً هو الهدية السياسية التي يمكن أن يمنحها الرئيس دونالد ترامب للرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض.

    ويعوّل عون، من ناحيته، على الولايات المتحدة ورئيسها، على وجه الخصوص، للضغط على إسرائيل من أجل تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق التجريبية، تمهيداً لاستكمال الانسحاب لاحقاً. لكن إلى أي مدى يمكن لإسرائيل أن تلتزم، وهي تتحيّن الفرصة لتنفيذ عملية واسعة في علي الطاهر، لما يمثله هذه التل من ثقل معنوي وعسكري كبير بالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؟

    ووفق المعلومات المتوافرة، فإن إسرائيل تتحيّن الفرصة، وتراقب مسار الضربات المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران لتنفيذ عملية واسعة في علي الطاهر، فيما ينتهز نتنياهو الفرصة لتحقيق إنجاز عسكري يسوّقه على أنه انتصار عشية الانتخابات. لكن أي عملية من هذا النوع تعني، بالنسبة إلى حزب الله، عودة التصعيد من بابه الواسع، بحيث تنهال الصواريخ على تل أبيب. وقد أرسل الحزب رسالة مفادها أن أي عملية في عليَّ الطاهر لن تُقابل بالصمت.

    وتعني عودة الحرب الإيرانية - الإسرائيلية، عملياً، فشل اتفاق إسلام آباد، ومن ثَمَّ اهتزاز اتفاق الإطار أيضاً. وربطاً بتعثر المسار الإيراني - الأميركي، لم يعد اتفاق الإطار ثابتاً، رغم تفاؤل لبنان بإمكانية الضغط الأميركي على إسرائيل لتطبيقه، بدءاً من المناطق التجريبية. وكان لافتاً، في هذا السياق، ما قاله السفير الأميركي ميشال عيسى في عين التينة، إذ طلب من رئيس مجلس النواب منحه فرصة، ناصحاً بتخفيف الضجة المثارة حول الاتفاق، باعتبار أنه "يمكن أن يُعدّل مستقبلًا". إلا أن جواب بري جاء برفض الاتفاق بالمطلق، وعدم قبول فرضه مجدداً عبر التعديل.

    وبينما يعوّل الفريق السياسي على الولايات المتحدة لتنفيذ الاتفاق وملحقه السري، يلفت الجانب العسكري إلى صعوبة تطبيق اتفاق كانت لإسرائيل الحصة الوازنة في صياغة بنوده، وهو أمر واقع، وإن نفته الجهة السياسية المؤيدة له. ناهيك باعتبار الاتفاق إنجازاً يُسجّل لفريق المفاوضات السياسي، فيما جرى استثناء الفريق العسكري، كما استُبعدت ملاحظاته.

    سياسياً، يسود شعور بأن خيارات لبنان ضاقت، ولم يعد بالإمكان سوى تفويض الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لتطبيق اتفاق الإطار والانسحاب من الأراضي التي تحتلها. ويُنظر إلى زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن على أنها الفرصة الذهبية للبنان، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يتفهم تعقيدات الواقع اللبناني، ويساعد في سحب ذريعة احتفاظ حزب الله بسلاحه.

    وغالباً ما تبدو المقاربة السياسية أكثر مرونة، إذ تعتبر أن الاتفاق لا يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء لكي يصبح نافذاً، بينما يرى الجانب العسكري أن أي قرار بإعادة الانتشار لا يمكن تنفيذه ما لم يصدر عن مجلس الوزراء. ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن للجيش أن يعيد انتشاره في المناطق التجريبية التي وافق عليها الجانب السياسي، فيما أبداها الجانب العسكري موضع تحفظ؟

    ويزداد التباين بين المقاربتين السياسية والعسكرية عند تقييم فرص نجاح اتفاق الإطار، ولا سيما لجهة التزام إسرائيل بتطبيقه. ففي حين يشدد الجانب السياسي على الموقف السيادي اللبناني في التفاوض، مع إقرار خجول بتأثير العامل الأميركي، يرى الجانب العسكري أن المسار الإيراني - الأميركي يبقى العامل الحاسم في تحديد مصير الاتفاق.

    ويبقى أن الإشادة بدور الجيش لا تلغي محاولات توريطه في تحمل مسؤولية تنفيذ الاتفاق، بدءًا من الانتشار في المناطق التجريبية، ولا سيما في الزوطرين ومناطق أخرى غير محتلة يُطلب منه دخولها. علماً أن الجيش أبلغ المعنيين بأن الدخول إلى أي منطقة شمال الليطاني له ترتيباته، وأن المنطق يقتضي أن تبدأ المناطق التجريبية من الأراضي المحتلة، لا العكس.

    ويرفض الجيش أي إشراف أميركي أو إسرائيلي على أدائه لمهامه، ويصر على أن يقتصر الدور الأميركي على الوساطة مع إسرائيل. كما أن نفي السلطة وجود أزمة مع الجيش لا يلغي الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي تُمارس على المؤسسة العسكرية، ولا يلغي أيضاً طرح واشنطن، في الكواليس، موضوع إقالة قائد الجيش رودولف هيكل.

    وفي المحصلة، لا يقتصر التباين في لبنان على الموقف من اتفاق الإطار، بل يمتد إلى مقاربة مسار الأحداث برمّته. فالمستوى السياسي ينطلق من حسابات الفرصة الدبلوماسية وإمكان الاستثمار في الدور الأميركي لتثبيت الاتفاق وانتزاع مكاسب تدريجية، فيما ينظر المستوى العسكري إلى الوقائع الميدانية وميزان القوى والالتزامات التنفيذية، ويعتبر أن مصير الاتفاق يبقى رهينة التطورات الإقليمية، ولا سيما مسار العلاقة الأميركية - الإيرانية وسلوك إسرائيل على الأرض.

    وبين هاتين المقاربتين، يبقى لبنان معلقاً بين رهان سياسي على الوساطة الأميركية، وحذر عسكري من الوقائع التي قد تفرضها أي مواجهة جديدة في المنطقة.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology