عندما يكون القرار اللبناني في مرمى النار يصبح الجيش هدفًا - رندا شمعون

  • 01 July 2026
  • 4 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    منذ عام 2019، دخل لبنان مرحلة غير مسبوقة من الانهيار والضغوط. وبين أحداث 17 تشرين، والأزمة المالية، وانفجار مرفأ بيروت، والحرب الإسرائيلية الأخيرة، تكرر مشهد واحد: كلما دخل البلد منعطفًا مصيريًا، وُضعت مؤسساته السيادية في دائرة الاستهداف السياسي والإعلامي.

    خلال أحداث 17 تشرين، انطلقت الاحتجاجات من مطالب شعبية محقة، إلا أن مسارها السياسي بقي موضع انقسام، مع اتهامات بوجود تدخلات خارجية في بعض محطاته. وفي قلب هذا المشهد، وجد الجيش اللبناني نفسه بين الشارع والسلطة، فاتهم بالقمع حينًا وبالتقاعس حينًا آخر، وبالانحياز حين حاول التوازن. ومنذ ذلك اليوم، بدا وكأنه "مكسّر عصا" في كل أزمة يعيشها لبنان.

    ولم يقتصر الضغط على الحملات السياسية والإعلامية. ففي الحرب الأخيرة، وجد الجيش نفسه تحت نيران انتقادات متناقضة؛ فمن جهة، اتهمته بيئة المقاومة بالتراجع عن بعض المواقع أو بعدم القيام بالدور المطلوب في حماية الأهالي تحت التهديد الإسرائيلي، ومن جهة أخرى، تعرض لضغوط متزايدة لتشديد تنفيذ الترتيبات الأمنية والالتزامات الدولية. وهكذا تحول إلى مؤسسة يُطالبها كل طرف بما يخدم مقاربته، ويحمّلها ما يتجاوز صلاحياتها وإمكاناتها.

    واليوم، يتكرر المشهد مع التداول بمطالبات لإقالة قائد الجيش على خلفية مواقفه في المفاوضات الأمنية. وحتى لو بقي الأمر في إطار التسريبات، فإن توقيته يطرح أكثر من علامة استفهام: لماذا يُفتح هذا الملف بينما يواجه لبنان واحدة من أدق مراحله الأمنية والسيادية؟ وهل يتحمل البلد اليوم إرباكًا جديدًا في قيادة المؤسسة العسكرية؟

    الدستور واضح، فتعيين قائد الجيش أو إعفاؤه يتم وفق الأصول القانونية وبقرار من مجلس الوزراء، لا تحت ضغط الحملات السياسية أو الإملاءات الخارجية. فاستقرار المؤسسة العسكرية ليس تفصيلًا إداريًا، بل أحد أعمدة استقرار الدولة في مرحلة تتشابك فيها التهديدات الأمنية مع الضغوط السياسية والاقتصادية.

    قد لا تكون كل الأحداث التي شهدها لبنان منذ عام 2019 جزءًا من مخطط واحد، لكن تكرار استهداف المؤسسات السيادية عند كل محطة مفصلية يفرض سؤالًا لا يجوز تجاهله: من المستفيد من إبقاء الدولة في حالة اهتزاز دائم؟

    منذ 17 تشرين، مرورًا بالانهيار المالي، ثم الحرب، وصولًا إلى الجدل حول المفاوضات والحديث عن إقالة قائد الجيش، يتكرر المشهد نفسه: كلما دخل لبنان مرحلة مفصلية، أصبحت المؤسسة العسكرية في مرمى الضغوط. والسؤال لم يعد من هو قائد الجيش، بل هل يُراد لآخر مؤسسة جامعة أن تبقى قادرة على اتخاذ قرارها وفق المصلحة الوطنية، أم أن تتحول هي أيضًا إلى ساحة تجاذب؟

    فإذا سقطت ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم الواحدة تلو الأخرى، فلن يبقى الخلاف على اسم قائد جيش أو رئيس جمهورية، بل على وجود الدولة نفسها، وعلى حق لبنان في أن يبقى صاحب قراره، لا ساحةً تتنازعها الضغوط والإملاءات.