تخضع الظهورات الإعلامية للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان داخل إيران لرقابة صارمة وتنظيم دقيق، لكنه جلس الخميس للإجابة على أسئلة مجموعة من الصحفيين في نيويورك؛ حيث يزور المدينة -رغم كونه زعيم دولة في حالة حرب مع الولايات المتحدة- تحت حماية جهاز الخدمة السرية الأمريكي.
وخلال الجلسة التي تناولت قضايا متعددة -وجاءت بعد واحد من إلقائه كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة- كرر بزشكيان المواقف الإيرانية المعهودة بشأن الحرب، والبرنامج النووي، والمعارضة الداخلية في إيران، كما تحدث عن تأثير العقوبات على الشعب الإيراني، وزعم أن إيران لن تحاول أبداً قتل دونالد ترامب، وذلك على الرغم من اتهام الرئيس الأمريكي والسلطات الأمريكية للنظام الإيراني بالتخطيط لاغتياله.
وجاءت هذه التصريحات في فندق "ميلين هيلتون"، الواقع على مسافة قريبة جداً من مقر الأمم المتحدة، حيث كان الرئيس الإيراني أعلن الأربعاء أن بلاده "لن تخضع" في ظل استمرار الحرب مع الولايات المتحدة.
وفي الإيجاز الصحفي، تحدث بزشكيان أيضاً عن اجتماعات عقدها مؤخراً مع المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الذي لم يظهر علناً منذ بداية الحرب- مشيراً إلى أن المرشد يتمتع "بصحة جيدة للغاية".
وكانت التكهنات حول صحة خامنئي قد تصاعدت في الأشهر الأخيرة، بعد ورود أنباء عن تعرضه لإصابات خطيرة في الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الذي أودى بحياة والده وسلفه علي خامنئي في بداية الصراع في شهر فبراير.
وفي معرض حديثه عن حالة خامنئي، قال بزشكيان: "لم ألحظ أي مشاكل صحية أو جسدية كبيرة"، مضيفاً أن آخر لقاء مباشر بينهما جرى قبل نحو شهر واستمر قرابة 7 ساعات.
وذكر بزشكيان أنهما جلسا على وسائد وضعت على الأرض، وكانا يقومان للمشي والتجول أثناء الاجتماع.
وتشير تقديرات الاستخبارات الأمريكية -وفقاً لما ذكرته مصادر متعددة مطلعة على المعلومات الاستخباراتية في ماي/ أيار- إلى أن خامنئي، ورغم إصاباته، لا يزال يلعب دوراً محورياً في صياغة استراتيجية الحرب جنباً إلى جنب مع كبار المسؤولين الإيرانيين.
اجتماع في مانهاتن
يُعد وجود الوفد الإيراني في دولة لا تزال في حالة حرب معها أمراً غير مسبوق عملياً لكن هذا المشهد اتخذ طابعاً غير تقليدي بشكل متزايد الخميس، حين عقد الرئيس الإيراني ووزير الخارجية عباس عراقجي إيجازاً صحفياً - حضره مراسلون من شبكة CNNوغيرهم - في قاعة بأحد الفنادق في منطقة "ميدتاون" بمانهاتن.
وكان مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية صرح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن الوفد الإيراني الزائر "سُمح له بدخول الولايات المتحدة حصراً لغرض تمثيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية أمام الأمم المتحدة"، وأنه يتعين عليهم "قصر أنشطتهم على المهام المتعلقة بالأمم المتحدة فقط".
وأوضح أن على الإيرانيين "طلب الحصول على موافقة مسبقة" من وزارة الخارجية إذا رغبوا في السفر خارج نطاق محيط مقر الأمم المتحدة، أو مطار جون إف كينيدي الدولي، أو مرافق البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة.
وخلال الإيجاز الصحفي، نفى بزشكيان الاتهامات القائلة بأن إيران تسعى لقتل الرئيس الأمريكي، مؤكداً أن "موقف الحكومة الإيرانية لم يكن - سواء علناً أو سراً - السعي لاغتيال ترامب أو أفراد عائلته".
وفي الشهر الماضي، أعلن جهاز الخدمة السرية الأمريكي أنه على علم بمقطع فيديو بثته هيئة الإذاعة الرسمية الإيرانية، بدا أنه يهدد حياة بارون ترامب، الابن الأصغر للرئيس الأمريكي.
وجاء ذلك بعد أن شاركت إسرائيل معلومات استخباراتية مع الولايات المتحدة تفيد بأن إيران وضعت خطة لاغتيال دونالد ترامب. وفي أواخر 2024، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن توجيه اتهامات فيدرالية تتعلق بما وصفته بمؤامرة إيرانية أُحبطت لقتل ترامب قبل الانتخابات الرئاسية.
ودأبت وسائل الإعلام الإيرانية المتشددة مراراً وتكراراً على نشر محتوى يهدد حياة ترامب وعائلته.
وخلال مراسم تأبين الراحل خامنئي في يوليو/تموز، شوهد موالون للنظام وهم يحملون لافتات كُتبت عليها عبارة "اقتلوا ترامب".
كما تحدث ترامب علناً عن التهديدات الإيرانية لحياته، قائلاً في يوليو: "أنا موجود على قائمة ما... وحتى الآن، أعتقد أنني كنت محظوظاً نوعاً ما، لكن ربما لن يستمر ذلك طويلاً. إنهم أناس أشرار ومرضى".
ورداً على تصريحات بزشكيان، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: "النظام الإيراني قتل الآلاف من شعبه، وقتل أمريكيين في الخارج، ونفذ أعمالاً إرهابية في مضيق هرمز، وشن هجمات عشوائية ضد جيرانه في المنطقة".
وأضافت كيلي: "يعمل الرئيس بشجاعة لضمان ألا تمتلك دولة شريرة كهذه سلاحاً نووياً أبداً، مما سيجعل العالم بأسره أكثر أماناً واستقراراً".
كما ناقش بيزشكيان التحديات الداخلية التي تواجهها إيران؛ إذ أدت العقوبات الأمريكية والحرب المستمرة إلى خنق اقتصاد البلاد، مما تسبب في ارتفاع الأسعار ونقص في السلع الأساسية.
وكان الاقتصاد الإيراني يعاني من وضع متردٍ حتى قبل اندلاع الحرب، حيث شكلت هذه الظروف السيئة عاملاً رئيسياً وراء المظاهرات المناهضة للنظام التي انطلقت في العاصمة الإيرانية، طهران في 2025.
وقال للصحفيين: "لدينا مشاكل؛ مشاكل صعبة على نحو غير مسبوق"، واصفاً العقوبات الأمريكية بأنها "حملة صامتة قاتلة".
وعلى غرار كلمته التي ألقاها الأربعاء أمام قادة العالم، بدا بزشكيان واثقاً -خلال هذا الإيجاز- من أن إيران "ستنتصر رغم التحديات التي تواجهها بلاده، كما شدد على أن القواعد الأمريكية في المنطقة "تُعد أهدافاً مشروعة، نظراً لاستخدامها في شن هجمات ضد إيران"، وزعم: "لم تعد معظم القواعد الأمريكية في المنطقة صالحة للاستخدام".
يُذكر أن الضربات الإيرانية ألحقت أضراراً ودمرت مئات المباني والمنشآت في القواعد الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط خلال الأشهر الأولى للحرب، وذلك وفقاً لتقرير رسمي صادر عن هيئة رقابية تابعة لوزارة الدفاع (البنتاغون) في وقت سابق من هذا الشهر.
وقال بزشكيان: "بالطبع، تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تدمير أي شيء في أي مكان، لكن من المستحيل إجبار إيران على الاستسلام