روما تمتحن واشنطن وتل أبيب: التفاوض في مواجهة سباق النتائج

  • 15 August 2026
  • 51 mins ago
    • World
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    أنطوان الأسمر


    تقبل مفاوضات روما على اختبار سياسي يتجاوز في أهميته مضمون الملفات المطروحة على الطاولة. لم تعد المسألة محصورة في طبيعة الخلاف اللبناني ـ الإسرائيلي أو في فرص التوصل إلى تفاهمات جديدة، وإنما باتت مرتبطة بصورة أكبر بمدى قدرة واشنطن على التوفيق بين مقاربتين متباينتين: أميركية ترى في التفاوض وسيلة لإدارة التحولات اللبنانية والإقليمية على مراحل، وإسرائيلية تريد ترجمة المسار الديبلوماسي إلى وقائع أمنية سريعة يمكن قياسها والبناء عليها.

    يفسر هذا التباين إلى حد كبير الحذر الذي يحيط بالجولة المقبلة. لا تبدو الإدارة الأميركية راغبة في إغلاق نافذة التفاوض، لأن انهيارها في هذه المرحلة يعني خسارة قناة اتصال يمكن استخدامها لاحتواء التوتر وتنظيم خطوات لبنانية لاحقة. لا تختصر واشنطن قيمة المفاوضات في الوصول إلى اتفاق نهائي، بل في قدرتها على ضبط الإيقاع بين الأطراف، ومنع انتقال الخلاف من المجال السياسي إلى مواجهة ميدانية يصعب التحكم بمسارها.

    من هذه الزاوية، يصبح لبنان جزءاً من مقاربة أميركية أوسع. يرتبط الهدف الأميركي بإعادة بناء تدريجية لمعادلة الدولة، بحيث تصبح المؤسسات اللبنانية، في مقدمها الجيش، الجهة التي تتولى ترجمة التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية. هذا ما يفسر التركيز المتزايد على دور المؤسسة العسكرية وعلى قدرتها على التعامل مع ملف السلاح وانتشار القوى المسلحة ضمن رؤية تدريجية لا تؤدي إلى صدام داخلي واسع.

    في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المسألة من زاوية مختلفة تماماً. المعيار الإسرائيلي ليس إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، بل مدى قدرة المفاوضات على أن تنتج تغييراً ملموساً في البيئة الأمنية المحيطة بها. تالياً، لن تحظى أي جولة جديدة بجدوى فعلية في الحساب الإسرائيلي ما لم تقترن بإجراءات واضحة على الأرض، وخصوصاً في ما يتعلق بمسألة السلاح وقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها.

    يكتسب هذا الموقف بعداً إضافياً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي. لا يستطيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التعامل مع الملف اللبناني بمعزل عن حاجاته السياسية الداخلية. وسيكون الوزن الانتخابي معيار أي تقدم أمني يقدّمه إلى الرأي العام الإسرائيلي بوصفه نتيجة مباشرة للسياسة الحكومية، فيما قد يتحول استمرار المفاوضات من دون نتائج إلى نقطة ضعف في مواجهة خصومه. لذلك، يصبح هامش المناورة لدى الحكومة الإسرائيلية أضيق كلما اقترب موعد الانتخابات، وتصبح قدرتها على الانتظار مرتبطة بمدى اقتناعها بأن الانتظار نفسه يخدم أهدافها.
    هنا تحديداً تظهر أهمية الدور الأميركي في المؤسسة العسكرية اللبنانية. يتمثّل جوهر الأمر في مدى قدرة واشنطن على تحويل الجيش إلى حلقة وصل بين المسار السياسي ومتطلبات التطبيق. ثمة من يفترض من يفترض أن أولوية واشنطن للوصول إلى احتكار الدولة السلاح تتطلّب مساراً متدرجاً يسمح للمؤسسة العسكرية بتوسيع نطاق سيطرتها من دون دفعها إلى مواجهة داخلية تتجاوز قدراتها أو تهدد الاستقرار اللبناني.

    هذا الجانب هو الأكثر حساسية في المعادلة. إذ إن واشنطن تستطيع الضغط سياسياً، كما تستطيع تقديم الدعم للمؤسسة العسكرية، لكنها لا تستطيع اختصار التعقيدات اللبنانية بقرار خارجي. يرتبط ملف السلاح بتوازنات سياسية وأمنية وطائفية عميقة، وأي محاولة لمعالجته بسرعة أكبر من قدرة الدولة على استيعاب نتائجها قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، بحيث يتحول الضغط الخارجي على الدولة إلى عامل توتر داخلها.

    تبدو أمام الولايات المتحدة معادلة دقيقة: إقناع إسرائيل بأن التدرج لا يعني المماطلة، وإقناع لبنان بأن التدرج لا يعني التراجع عن مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. هذه المَهمّة اختبار لقدرة واشنطن على إدارة المصالح المتعارضة لحلفائها وشركائها في آن واحد.

    لن يتوقّف مستقبل مسار روما فقط على انعقاد الجولة المقبلة أو على ما سيصدر عنها من بيانات. سيكون الاختبار الحقيقي في اليوم التالي. هل يمكن إنتاج خطوات ميدانية كافية لإقناع إسرائيل بأن التفاوض يحقق غايته، من دون تحميل الدولة اللبنانية أكثر مما تستطيع تحمله؟ وهل تستطيع واشنطن إبقاء المسار السياسي قائماً في الوقت الذي يزداد فيه الضغط الإسرائيلي للحصول على نتائج فورية؟
    إذا نجحت الإدارة الأميركية في بناء هذه المنطقة الوسطى، قد تتحول مفاوضات روما تدريجياً إلى إطار لإعادة تنظيم المشهد الأمني اللبناني، بحيث يصبح التفاوض مقدمة لمسار أطول يعيد توزيع الأدوار بين الدولة والقوى المسلحة. أما إذا فشلت في ردم الهوة بين مطلب إسرائيلي يريد نتائج سريعة وحساب لبناني يحتاج إلى مراحل، لن يبقى الخلاف لبنانياً ـ إسرائيلياً فقط، بل قد يتحول إلى تباين أميركي ـ إسرائيلي حول الوسيلة الأفضل لإدارة الملف اللبناني. عندها، يصبح مستقبل المفاوضات نفسه رهينة لهذا التباين، لا مجرد نتيجة للخلاف بين لبنان وإسرائيل.