خلدون الشريف-
إذا كانت الحرب الأخيرة ستدفع إسرائيل، كما جرت العادة بعد حروبها الكبرى، إلى مراجعة داخلية، وإذا كانت قد فرضت على الولايات المتحدة إعادة التفكير في كيفية إدارة تحالفها مع تل أبيب، فإن أوروبا تبدو اليوم أمام مراجعة من نوع مختلف، قد تكون الأكثر عمقًا وتأثيرًا على المدى الطويل.
فالحرب لم تكشف فقط حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، ولا حدود النفوذ الأميركي، بل كشفت أيضًا أن أوروبا نفسها دخلت مرحلة انتقالية في نظرتها إلى الشرق الأوسط وإلى إسرائيل. وهي مراجعة لا تتعلق بالسياسة الخارجية وحدها، بل تمتد إلى المجتمع الأوروبي وإلى المرجعيات الأخلاقية والفكرية التي حكمت علاقته بإسرائيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومن هنا، لم يعد السؤال يقتصر على مستقبل العلاقات الأوروبية- الإسرائيلية، بل أصبح أعمق من ذلك: هل انتهى الاستثناء التاريخي الذي تمتعت به إسرائيل داخل الوعي السياسي الأوروبي طوال أكثر من سبعين عامًا؟
أوروبا خارج غرفة القرار
ظهر هذا التحول أولًا في موقع أوروبا داخل الملفات الإقليمية الكبرى.
ففرنسا، التي كانت طوال العقدين الماضيين أحد الأعمدة الرئيسية للمفاوضات النووية مع إيران إلى جانب ألمانيا وبريطانيا ضمن ما عُرف بـِ "الترويكا الأوروبية"، وجدت نفسها هذه المرة خارج غرفة القرار. فلم تشارك في إدارة الحرب، ولم تكن طرفًا في المفاوضات الأميركية – الإيرانية، ولم تُبلَّغ بتفاصيل التفاهم إلا بعد إنجازه.
ولم يكن الملف الإيراني استثناءً. ففي لبنان أيضًا، وهو الملف الذي اعتبرت باريس نفسها راعيته الدولية الأولى منذ انفجار مرفأ بيروت، احتكرت واشنطن إدارة المفاوضات، بينما قبلت الدولة اللبنانية عمليًا بهذا الواقع، لتجد فرنسا نفسها خارج إحدى أهم ساحات نفوذها التقليدي في المشرق.
والأكثر دلالة أن الوساطات التي قادت إلى التفاهمات الأخيرة لم تعد أوروبية، بل برزت فيها أدوار إقليمية لتركيا وقطر وباكستان، فيما اكتفت باريس ولندن وبرلين بمحاولات متأخرة للتذكير بما تمتلكه من أدوات قانونية مرتبطة بالاتفاق النووي الإيراني أو بآليات مجلس الأمن.
ولم يكن الانزعاج الأوروبي ناتجًا عن مضمون الاتفاقات بقدر ما كان نتيجة لطريقة إدارتها. فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تتعامل مع الأوروبيين بوصفهم شركاء في صناعة القرار، بل بوصفهم حلفاء يُبلَّغون بالنتائج بعد اتخاذها، كما ظهر بوضوح خلال اجتماعات مجموعة السبع (G7) واللقاءات التي تلتها.
لكن تراجع الدور الخارجي ليس سوى نصف الصورة، أما النصف الآخر، وربما الأكثر أهمية، فيجري داخل المجتمعات الأوروبية نفسها.
من الاستثناء الأخلاقي إلى المساءلة القانونية
لفهم ما يحدث اليوم، لا يكفي النظر إلى حرب غزة أو إلى الخلافات مع حكومة بنيامين نتنياهو، بل لا بد من العودة إلى أوروبا التي تشكلت بعد عام 1945.
فالمحرقة النازية لم تغيّر علاقة الأوروبيين باليهود فحسب، بل أعادت تشكيل الضمير السياسي للقارة بأكملها. ومن رحم تلك التجربة نشأت قناعة بأن أمن اليهود، ثم أمن إسرائيل بعد قيامها، يمثل مسؤولية تاريخية وأخلاقية أوروبية لا يمكن التنصل منها.
ولهذا تمتعت إسرائيل لعقود طويلة بوضع استثنائي داخل أوروبا. ورغم الخلافات التي شهدتها العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية، من حرب لبنان عام 1982 إلى الانتفاضتين والاستيطان، بقي النقد الأوروبي يتحرك داخل سقف ثابت: أمن إسرائيل جزء من المسؤولية التاريخية لأوروبا.
غير أن هذا السقف بدأ يتصدع. فالأجيال الأوروبية الجديدة لم تعش الحرب العالمية الثانية، ولم تختبر الشعور الجماعي بالذنب الذي رافق أوروبا بعد المحرقة. وهي لا تنظر إلى إسرائيل من خلال الذاكرة نفسها التي شكلت وعي آبائها وأجدادها، بل من خلال صور غزة، والاحتلال، والاستيطان، والحصار، والانتهاكات المتكررة للقانون الدولي الإنساني.
وهكذا، لم تعد الذاكرة التاريخية المرجعية الوحيدة في تشكيل الموقف الأوروبي، بل دخلت إلى جانبها مرجعيات أخرى، أبرزها حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحماية المدنيين، والمساءلة القانونية.
ولم يعد هذا التحول مجرد انطباع سياسي، بل أصبح موثقًا بالدراسات.
ففي 3 حزيران/ يونيو 2025 أظهرت دراسة YouGov وصول صورة إسرائيل إلى أدنى مستوياتها في ست دول أوروبية، حيث لم تتجاوز نسبة النظرة الإيجابية إليها بين 13 و21 في المئة، مقابل أغلبية واضحة تحمل نظرة سلبية. وتلك الدول ليست إلا المملكة المتحدة، إسبانيا، فرنسا، الدانمارك، إيطاليا وألمانيا. والتحول في ألمانيا طال بشكل علني سياسيًا حزب الخضر واليسار، وبدأ يطال ولو بخفر حزب الديقراطيين المسيحيين الذي يشكل أكبر أحزاب المحافظين.
ثم جاء استطلاع Pew Research Center الصادر في 4 حزيران/ يونيو 2026 ليؤكد أن ما تشهده أوروبا لم يعد مجرد رد فعل ظرفي على الحرب في غزة، بل تحولاً أعمق في المزاج السياسي والثقافي. فقد أظهر الاستطلاع أن النظرة السلبية إلى إسرائيل أصبحت الغالبة في معظم الدول الأوروبية التي شملها البحث، والأهم أن الفجوة كانت أوضح بين الأجيال؛ إذ سجل الشباب معدلات أعلى بكثير في انتقاد إسرائيل مقارنة بالفئات الأكبر سناً. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن التحول لا يرتبط فقط بالأحداث الجارية، بل بتبدل المرجعيات التي تحكم نظرة الأجيال الجديدة إلى الصراع. فبينما نشأت الأجيال الأوروبية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية على شعور عميق بالمسؤولية التاريخية تجاه اليهود والهولوكوست، تنظر الأجيال الحالية إلى الصراع من زاوية القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والاحتلال، والحصار، وصور الدمار القادمة من غزة. وبذلك، لا يبدو أن أوروبا تشهد تبدلاً في الرأي العام فحسب، بل انتقالاً تدريجياً من ذاكرة التاريخ إلى منطق الحقوق، وهو تحول ديموغرافي وثقافي قد يكون أكثر رسوخاً وتأثيراً من أي موقف سياسي عابر
وفي 10 حزيران/ يونيو 2026 أضاف تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) بعدًا آخر، حين ربط هذا التحول بانخفاض الثقة الأوروبية بالسياسات الأميركية في عهد دونالد ترامب، وبازدياد الدعوات إلى سياسة خارجية أوروبية أكثر استقلالًا عن واشنطن.
وتشير هذه الدراسات مجتمعة إلى أن التحول الأوروبي لم يعد يقتصر على تقييم حكومة إسرائيل الحالية، بل أصبح يمس الصورة العامة لإسرائيل وموقعها داخل الوعي السياسي الأوروبي.
ولا يعني ذلك أن أوروبا أصبحت معادية لليهود، فالتمييز بين معاداة السامية وبين نقد سياسات إسرائيل ما زال راسخًا في الخطاب الأوروبي. لكن الجديد أن الانتقاد الذي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره استثناءً، أصبح اليوم جزءًا طبيعيًا من النقاش السياسي والأكاديمي والإعلامي.
عندما يلحق القرار السياسي بالمجتمع
وكما في كثير من التحولات التاريخية، لم يبدأ هذا التغيير داخل الحكومات، بل في الجامعات.
فمن باريس إلى لندن، ومن أمستردام إلى برلين ومدريد وبروكسل، تحولت الجامعات الأوروبية منذ اندلاع الحرب على غزة إلى ساحات اعتصام ونقاش ومقاطعة أكاديمية، رافقتها سجالات واسعة حول حدود حرية التعبير، والقانون الدولي، ومسؤولية أوروبا الأخلاقية والسياسية تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية.
ولم تكن هذه الاحتجاجات مجرد موجة غضب طلابية عابرة، بل عكست تحولًا أعمق في البنية الفكرية للمجتمعات الأوروبية. فالجامعات كانت تاريخيًا المكان الذي تتشكل فيه النخب السياسية والإعلامية والقضائية والإدارية، وما يجري داخلها اليوم يقدم صورة عن أوروبا التي ستقود القارة خلال العقدين المقبلين.
ومن هذه البيئة خرج جيل جديد من النواب والحقوقيين والصحافيين والناشطين الذين نقلوا هذا المزاج من الحرم الجامعي إلى البرلمانات والأحزاب ووسائل الإعلام. ولعل النائبة الفرنسية من أصل فلسطيني ريما حسن تمثل أحد أبرز وجوه هذا التحول، بعدما تحولت خلال فترة قصيرة إلى إحدى أكثر الشخصيات حضورًا في النقاش الأوروبي حول غزة، ثم أثار احتجازها من قبل السلطات الإسرائيلية بعد مشاركتها في "أسطول الحرية" موجة تضامن واسعة داخل فرنسا والبرلمان الأوروبي.
ومع مرور الوقت، بدأ هذا التحول الشعبي ينعكس تدريجيًا على سياسات الحكومات. ففي خطوة غير مسبوقة، فرضت بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج عقوبات على الوزيرين الإسرائيليين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير بسبب تصريحاتهما التي اعتُبرت تحريضًا على العنف ضد الفلسطينيين، في أول إجراء من نوعه تتخذه دول غربية حليفة لإسرائيل بحق وزراء إسرائيليين وهم في مناصبهم.
وفي الاتجاه نفسه، وافقت غالبية وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على فتح مراجعة رسمية لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل، في خطوة تعكس انتقال النقاش من مجرد انتقاد سياسي إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة نفسها.
كما اتسعت دائرة الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين، مع اعتراف إسبانيا وإيرلندا والنرويج، ثم إعلان فرنسا عزمها الاعتراف بها، بالتوازي مع المبادرة الفرنسية – السعودية لإحياء حل الدولتين.
وفي هذا السياق، اكتسب المؤتمر الدولي الذي استضافته الأمم المتحدة في نيويورك أهمية خاصة، لأنه لم يكن مجرد مناسبة دبلوماسية، بل محاولة لإعادة وضع حل الدولتين في صدارة الأجندة الدولية، وحشد تأييد أوسع للاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما يعكس انتقال جزء متزايد من أوروبا من إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة صياغة الإطار السياسي للصراع.
هل انتهى الاستثناء التاريخي؟
يتزامن هذا التحول مع شعور أوروبي متزايد بأن القارة فقدت جزءًا من قدرتها على التأثير في النظام الدولي. ولذلك، لم يعد النقاش الأوروبي يدور حول إسرائيل وحدها، بل حول مكانة أوروبا نفسها في عالم يتغير بسرعة، وقدرتها على صياغة سياسة خارجية أكثر استقلالًا في ظل التحولات التي تشهدها العلاقة مع الولايات المتحدة.
ولا تعني هذه التطورات أن أوروبا تتجه إلى القطيعة مع إسرائيل. فالعلاقات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمنية ما زالت متينة، كما أن ألمانيا، بصورة خاصة، وعددًا من الدول الأوروبية، لا تزال تنطلق من مسؤولية تاريخية تجاه أمن إسرائيل.
لكن الواضح أن الأساس الذي قامت عليه هذه العلاقة بدأ يتغير.
فالاستثناء السياسي والأخلاقي الذي تمتعت به إسرائيل طوال عقود لم يعد يحظى بالإجماع الأوروبي نفسه.
وربما يكون الأهم أن هذه المراجعة لا تقودها الحكومات وحدها، بل مجتمعات تتغير، وأجيال جديدة تحمل مرجعيات مختلفة، ونخب سياسية صاعدة لم تعد ترى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بالعين نفسها التي نظر بها من سبقها.
وقد لا تنقلب أوروبا على إسرائيل، لكنها لم تعد أيضًا أوروبا التي عرفتها إسرائيل طوال العقود الماضية.
ولعل هذا هو أحد أكثر التحولات هدوءًا، وأبعدها أثرًا، التي أطلقتها الحرب الأخيرة. فالحروب تنتهي عادة بتغيير موازين القوى، أما هذه الحرب فقد تكون بصدد تغيير موازين الشرعية داخل الرأي العام الغربي نفسه، وهو تحول لن يقتصر أثره على الشرق الأوسط، بل سيمتد إلى طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل اليوم… وهو ما يقودنا إلى الحلقة الرابعة والأخيرة من هذه السلسلة.