ماذا بقي من نفوذ فرنسا في أفريقيا بعد الانسحابات العسكرية؟

  • 19 February 2026
    • World
    • POLITICS
  • source: الجزيرة
    • article image
    تبدو الخريطة العسكرية الفرنسية في أفريقيا اليوم مختلفة جذريا عما كانت عليه قبل سنوات قليلة، بعد أن تهاوت شبكة قواعدها التي كانت تمثل حجر الزاوية في نفوذها الإستراتيجي في الساحل وغرب أفريقيا.

    من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو، خرجت القوات الفرنسية تحت ضغط انقلابات عسكرية وتحول في موازين القوى الإقليمية وموجات شعبية معادية طالبت برحيلها على الفور وإنهاء الاتفاقيات الدفاعية القديمة، ورفعت شعار القطيعة مع الإرث الفرنسي.

    بدا المشهد آنذاك وكأن صفحة طويلة من الوجود العسكري الفرنسي المباشر في القارة تُطوى على عجل، لكن الانسحاب من القواعد لا يعني بالضرورة انسحاب النفوذ. ففرنسا، التي أدركت أن نموذج القواعد الدائمة أصبح عبئا أمنيا وسياسيا، بدأت تبحث عن صيغة جديدة، أقل صخبا وأكثر مرونة.

    نهاية القواعد الدائمة
    اعتمدت فرنسا على شبكة من القواعد العسكرية غرب ووسط أفريقيا لسنوات طويلة، شكّلت امتدادا لما تبقى من منظومة "فرانس أفريك" التي أسست شبكات استعمارية قوية بعد الاستقلال.

    وتتألف "فرانس أفريك" من شبكات نفوذ وجماعات ضغط لجهات فاعلة فرنسية وأفريقية تعمل في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتحويل الثروات المتعلقة بالمواد الخام ومساعدات التنمية العامة لمصلحتها الخاصة.

    سمحت هذه القواعد لباريس، في دول مثل كوت ديفوار(ساحل العاج) وتشاد والسنغال والغابون، بالتدخل السريع في الأزمات الداخلية والحفاظ على نفوذها السياسي وتأمين مصالحها الاقتصادية.

    فقد تدخلت القوات الفرنسية في كوت ديفوار عام 2011 دعما للرئيس الحسن وتارا بعد أزمة الانتخابات، كما أطلقت عملية "سيرفال" في مالي عام 2013 لوقف تقدم الجماعات المسلحة نحو العاصمة باماكو، قبل أن يتحول اسمها إلى عملية "برخان" الإقليمية.

    لكن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل منذ عام 2020 أدت إلى انهيار هذا النموذج، فقد شهدت مالي انقلابين عسكريين في عامي 2020 و2021، أعقبهما انقلاب في بوركينا فاسو عام 2022، ثم انقلاب في النيجر عام 2023، وكلها أنظمة رفعت شعارات سيادية وقررت إنهاء الوجود العسكري الفرنسي.

    وبذلك، طُردت القوات الفرنسية بشكل نهائي وتباعا من هذه الدول بين عامي 2022 و2023، في تطور شكّل ضربة قاسية للسياسة الفرنسية ـ الأفريقية.

    وإثر ذلك، أنشئت قيادة الجيش الفرنسي في أفريقيا عام 2024، وهي هيئة أركان عامة مقرها باريس، يتمثل دورها في قيادة عملية التحول مع تنفيذ أنشطة عملياتية وبرامجية مع جميع الشركاء الأفارقة. أما اليوم، فيقتصر دورها على تنفيذ الإستراتيجية العسكرية الفرنسية الجديدة لوسط أفريقيا وأفريقيا الغربية.

    في هذا الإطار، قال الجنرال باسكال ياني إن بلاده اليوم "بإمكانها اتخاذ القرارات والاختيار بين الانخراط أو عدم الانخراط في أزمة أو قضية محددة مع شريك أفريقي، ما يتيح لنا استعادة نوع من حرية التصرف".

    وعن نهاية الوجود العسكري، أوضح ياني للجزيرة نت أن تلك النتيجة كانت حتمية، مضيفا "لقد حققت القواعد العسكرية الدائمة آثارا إيجابية منذ الاستقلال، لكن كان من الضروري أيضا مراعاة السياق الإستراتيجي والأمني المتغير".

    مع تصاعد الخطاب المعادي لفرنسا في كثير من الدول الأفريقية، أدركت باريس أن وجودها العسكري لم يعد مقبولا سياسيا وشعبيا، فقد شهدت نيامي وباماكو وواغادوغو خلال الأعوام الماضية مظاهرات حاشدة طالبت برحيل القوات الفرنسية، وتعرضت سفاراتها وقواعدها العسكرية لمحاولات اقتحام واحتجاجات متكررة.

    وبالتالي، أصبحت القواعد الدائمة مستهدفة ومادة دسمة تُستخدم للدعاية السياسية للأنظمة الجديدة التي قدمت نفسها بوصفها حامية للسيادة الوطنية في وجه النفوذ الاستعماري.

    لذا، لم يكن أمام فرنسا من سبيل آخر سوى التحول نحو نموذج مختلف قائم على تقليص الحضور العسكري المباشر وتعويضه باتفاقيات دفاعية مرنة، تعتمد على الدعم اللوجستي والتدريب والتعاون الاستخباراتي، مع تجنب إقامة قواعد دائمة أو نشر أعداد كبيرة من الجنود.

    وبالنظر إلى الشراكات طويلة الأمد بين فرنسا ودول أفريقية، تمت دراسة وإعادة تعريف شكل جديد من الشراكة. ففي جمهورية أفريقيا الوسطى، يتدرب الجنود في مدارس وطنية ذات تركيز إقليمي في جميع أنحاء القارة الأفريقية، بدعم من فرنسا.

    كما جرى تحويل بعض القواعد السابقة إلى منصات تدريب مشتركة تديرها الجيوش المحلية، كما في الغابون، حيث أصبح معسكر ديغول مركزا للتدريب المشترك تحت إشراف السلطات الغابونية، مع مشاركة فرنسية في برامج التدريب والأنشطة العملياتية عند الطلب.

    وقد كان تقليص الوجود الفرنسي في أفريقيا من بين التوصيات التي قدمها جان ماري بوكيل، المبعوث الشخصي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أفريقيا.

    وفي تقريره حول إعادة هيكلة الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا، بتاريخ 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، اعتُبر تقليص هذا الوجود العسكري وسيلة لتجديد الشراكة الدفاعية.

    وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة في بنين عن بدء عملية اختيار مبدئي للمرشحين المدنيين والعسكريين للالتحاق بثلاث من مؤسسات تدريب عسكرية رئيسية في فرنسا، وهي الأكاديمية البحرية، والمدرسة العسكرية الخاصة، وأكاديمية القوات الجوية.

    بوابة نحو شرق أفريقيا
    بعد 4 سنوات من انسحاب القوات الفرنسية في مالي ضمن عملية برخان، لم تعد فرنسا تخفي إستراتيجيتها الجديدة في القارة. ويتمثل أحدث مؤشر على إعادة الانتشار في التصديق المرتقب، في فبراير/شباط الجاري، على اتفاقية دفاعية مع كينيا.

    ويستعد البلدان لتوقيع اتفاقية دفاعية تاريخية، أعلِن عنها في يوليو/تموز الماضي خلال نشر المراجعة الإستراتيجية الوطنية لعام 2025، وهي وثيقة تحدد مبادئ الدفاع والدبلوماسية، في إطار سعي باريس لتعزيز نفوذها في أفريقيا الناطقة بالإنجليزية وجهود نيروبي لتنويع شركائها في هذا المجال.

    وتقع كينيا في المنطقة الشرقية من القارة وخارج النفوذ الفرنسي التقليدي، كما أنها ضمن فضاء جيوسياسي مختلف لعبت فيه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا دورا أكبر.

    وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقع البلدان "اتفاقية التعاون الدفاعي" التي أرست "إطارا منظما لتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات رئيسية، تشمل تبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية، وحفظ السلام، والتدريب، ومكافحة الإرهاب والقرصنة".

    وبدل إنشاء قاعدة دائمة، يتضمن هذا الاتفاق ـالذي لم تُنشر تفاصيله الكاملة بعدـ صيغا أكثر مرونة، مثل برامج تدريب فرنسية للجيش الكيني وإجراء مناورات مشتركة وتعزيز التعاون في مجال الأمن البحري، في إطار ترسيخ شراكة طويلة الأمد قائمة على التزامات مشتركة بالسلام والاستقرار والأمن.

    ويعتقد دوغلاس ييتس، الخبير في العلاقات الفرنسية الأفريقية، أن هذا التطور يأتي في وقت تسعى فيه باريس إلى تكريس جهودها الدبلوماسية لتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية الناطقة بالإنجليزية، بهدف تعويض تراجعها الملحوظ في مستعمراتها السابقة.

    ويعتبر ييتس، في حديث للجزيرة نت، أن الوجود العسكري الفرنسي يحظى بتقدير متزايد في الدول التي كانت خاضعة للحكم البريطاني، في حين لا يزال يواجه رفضا متزايدا من الدول التي كانت تربطها بها علاقات جيدة خلال الحرب الباردة.

    أما فيما يتعلق بالاتفاقية العسكرية الفرنسية الكينية، فيرى المتحدث أن أهميتها لا تكمن فقط في بنوده العسكرية، بل في رمزيته السياسية، لأنها تعكس بشكل واضح جهود فرنسا للخروج من الإطار التقليدي لنفوذها في غرب أفريقيا والانفتاح على مناطق جديدة حيث لا تزال صورتها أقل ارتباطا بالإرث الاستعماري، إلى ما يُعرف بـ"أفريقيا المفيدة".

    تراجع النفوذ التقليدي
    يبدو أن محاولات الإليزيه إعادة بناء نفوذه عبر الاتفاقيات الدفاعية "المرنة" تواجه واقعا مختلفا تماما عما كان عليه قبل عقدين في غرب ووسط أفريقيا تحديدا، إذ لم تعد القارة ساحة نفوذ حصرية لفرنسا أو القوى الأوروبية الأخرى.

    فمن خلال شركات عسكرية وأمنية خاصة، أبرزها مجموعة فاغنر، نجحت روسيا في التمدد داخل أفريقيا، مستفيدة من الخطاب المعادي لفرنسا، ومن رغبة الأنظمة العسكرية الجديدة في حلفاء لا يفرضون عليها شروطا سياسية.

    ويشكل نصف ليبيا ومالي والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، هذه الركيزة من الحلفاء والأراضي الجديدة التي تستخدمها موسكو لتعزيز انتشارها ونضالها من أجل النفوذ ضد أهداف تعتبرها معادية أو محايدة أو متحالفة مع الغرب، وفق تقرير نشره معهد مونتين الفرنسي، المتخصص في تقديم توصيات السياسة العامة.

    وبناء عليه، تمركز مرتزقة روس في غينيا الاستوائية لتأمين الرئيس تيودورو أوبيانغ ودمج البلاد في عملياتهم الأساسية. ويشكل هذا البلد الأفريقي اليوم منطقة جديدة للمناورات العسكرية واللوجستية في القارة، على مقربة من عدة أهداف للنفوذ الروسي مثل الكاميرون والغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

    علاوة على ذلك، انتخبت غانا في نهاية عام 2024 رئيسها الجديد، جون ماهاما، وهو شخصية سياسية وطنية بارزة ويتشارك بعض الآراء مع روسيا وحلفائها في منطقة الساحل، بينما كان سلفه، نانا أكوفو-أدو، معاديا للوجود الروسي في المنطقة.

    كما أعلنت موسكو في عام 2024 عن افتتاح "بيوت روسية"، وهي مراكز للدبلوماسية الثقافية تعمل كبنى نفوذ، في دول جديدة بعيدة تقليديا عن النفوذ الروسي، ولا سيما إثيوبيا، وجمهورية الكونغو، وغينيا، والصومال، وتشاد، وأنغولا.

    أما الصين، فتجعل عروضها أكثر جاذبية لكثير من الحكومات الأفريقية عن طريق الاعتماد على أدوات اقتصادية واستثمارية ضخمة. وتتقدم بكين في المنطقة دون نشر قوات عسكرية ثقيلة، وتتمثل إستراتيجيها بشكل كبير على مبيعات الأسلحة بأسعار تنافسية والتمويل المرن.

    وقد تميزت خطة عمل بكين للفترة 2025ـ2027 لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي باحتوائها على التزامات أمنية واضحة، ما يؤكد طموح الصين في أن تصبح لاعبا مهما في الأمن الأفريقي، إلى جانب نفوذها الاقتصادي.

    وعند إطلاق منتدى التعاون الصيني الأفريقي عام 2000، كانت الصين تمتلك أقل من 5% من مخزونات الأسلحة الأفريقية، وتستضيف أقل من 200 ضابط أفريقي في أكاديمياتها العسكرية، ولم تُجرِ أي مناورات عسكرية في القارة.

    أما اليوم، فتقوم الصين بتدريب ما يقارب 2000 ضابط أفريقي سنويا، ورسخت مكانتها كأحد أبرز موردي الأسلحة في القارة. كما تستخدم حوالي 70% من الدول الأفريقية حاليا المركبات المدرعة الصينية.

    أما بالنسبة للتعاون العسكري المتزايد، من الطائرات المسيّرة وتدريب الأفراد وشبكات الملحقين العسكريين، فتتم ممارسة هذا النفوذ بسرية تامة تتم فيها مراعاة احتياجات الحكومات التي تواجه تمردات مستمرة وميزانيات محدودة.