لم تكن سوى مسألة وقت قبل أن تُطلق شركة إنفيديا نظامًا متكاملًا قويًا على شريحة واحدة (SoC) لمنافسة معالجات Ryzen AI Max من "إيه إم دي" وأحدث معالجات Snapdragon X2 من "كوالكوم".
وستصبح "إنفيديا" رسميًا هذا الخريف شركة مصنعة لرقائق الحواسيب الشخصية، على غرار إنتل وإيه إم دي وأبل وكوالكوم، حيث ستضع شريحة المعالجة المتكاملة - وليست مجرد معالج رسومات - في قلب الحواسب المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الصغيرة.
وبعد أشهر طويلة من التسريبات، أعلنت الشركة أخيرًا يوم الاثنين عن "RTX Spark"، وهي أول شريحة ضمن عائلة جديدة من المعالجات التي تقول الشركة إنها ستضاهي أو تتفوق على أقوى أجهزة ويندوز النحيفة والخفيفة المتاحة حاليًا، بحسب تقرير لموقع "ذا فيرج" المتخصص في أخبار التكنولوجيا، اطلعت عليه "العربية Business".
وقال مارك أيفيرمان، المدير الأول لإدارة المنتجات في إنفيديا: "هذه هي أكثر شرائح الحواسيب الشخصية كفاءةً على الإطلاق"، لكنه لم يقدم أي أرقام أو رسوم بيانية تدعم هذا الادعاء.
ما هي الشريحة الجديدة؟
تُعد "RTX Spark" في الواقع شريحة GB10 الموجودة نفسها في DGX Spark، وهو "حاسوب شخصي فائق الذكاء الاصطناعي" صغير الحجم أطلقته "إنفيديا" العام الماضي، إلا أنها الآن عائلة من الرقائق بدلًا من شريحة واحدة.
ويبدو أن الإصدار الرائد مطابق تمامًا من حيث المواصفات، حيث يضم 20 نواة معالجة مركزية، و6144 نواة معالجة رسومية، وذاكرة LPDDR5X بسعة 128 غيغابايت.
لكن "إنفيديا" تقول إنها ستطرح لاحقًا إصدارات أقل مواصفات تستهدف فئات سعرية أدنى، مع ذاكرة وصول عشوائي تبدأ من 16 غيغابايت فقط.
وكما هو الحال مع شرائح أبل وكوالكوم، تعتمد شريحة إنفيديا الجديدة على معمارية Arm، ما يعني أن برامج ويندوز القديمة المصممة لمعالجات x86 من إنتل وإيه إم دي ستحتاج إلى العمل عبر طبقة محاكاة لتشغيلها، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الأداء.
غير أن "مايكروسوفت" أمضت سنوات في تطوير نظام ويندوز ومُحاكي "Prism" ليكونا جاهزين لشرائح كوالكوم والآن شرائح إنفيديا أيضًا، فيما تؤكد إنفيديا أن خبرتها في الرسوميات والذكاء الاصطناعي ستدفع هذه الفكرة إلى مستويات غير مسبوقة.
ماذا ستقدم الشريحة للمستخدمين؟
تقول "إنفيديا" إنه بفضل قدرات "RTX Spark" سيكون بإمكان المستخدمين معالجة مشهد ثلاثي الأبعاد بحجم 90 غيغابايت، أو تحرير فيديو بدقة 12K، أو تشغيل لعبة Indiana Jones and the Great Circle ذات المتطلبات الرسومية العالية بمعدل سلس يبلغ 100 إطار في الثانية عند دقة 1440 بيكسل، وكل ذلك على حاسوب محمول بسماكة 14 ملم فقط ومن دون الحاجة إلى توصيله بمصدر طاقة أثناء التشغيل.
ومع ما يصل إلى 128 غيغابايت من الذاكرة الموحدة، وهي سعة تعادل ما قدمته معالجات Strix Halo من "إيه إم دي" في الجيل السابق، يمكن للحواسيب المحمولة أو المكتبية المزودة بشريحة RTX Spark استضافة وكلاء ذكاء اصطناعي تضم ما يصل إلى 120 مليار معلمة، وهو أمر يبدو أن "مايكروسوفت" متحمسة له في نظام ويندوز.
وخلال مؤتمر "Build" الذي ستُقيمه "مايكروسوفت" هذا الأسبوع، ستعرض الشركة "آليات جديدة للأمان والعزل في ويندوز"، والتي تتيح، بالاقتران مع بيئة التشغيل OpenShell من إنفيديا، "تشغيل الوكلاء الشخصيين بأمان وتحت سيطرة المستخدم الكاملة".
وتقول "إنفيديا" إن ذلك يمهد ل"نموذج جديد للحوسبة الشخصية تكون فيه واجهة الاستخدام هي الذكاء الاصطناعي نفسه"، بحيث "لن يضطر المستخدمون بعد الآن إلى إتقان واجهات التطبيقات المعقدة"، لأنهم سيتمكنون ببساطة من التحدث إلى الحاسوب بدلًا من الاعتماد على لوحة المفاتيح والفأرة.
وضربت "إنفيديا" عدة أمثلة على ذلك؛ إذ يمكن لصانع محتوى متخصص في الرياضات الإلكترونية أن يطلب من حاسوبه تلقائيًا إطفاء الأضواء، وكتم الميكروفون، وتغيير وضع البث عند رغبته في الابتعاد لتناول العشاء.
كما يمكن للمصمم استخدام تطبيقات أدوبي لتحويل رسم تخطيطي تلقائيًا إلى صورة مكتملة، ثم إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد لها، ثم إنتاج فيديو بالذكاء الاصطناعي، وكل ذلك بمجرد إعطاء أوامر صوتية.
أما مطور البرمجيات، فيمكنه مراقبة مشروعه على منصة "غيت هاب" تلقائيًا ومعالجة مشكلات ضمان الجودة بشكل مستقل، حيث يتولى وكيل الذكاء الاصطناعي التحكم في لوحة المفاتيح ومؤشر الفأرة لتنفيذ المهام "المتكررة والمملة".
وأكدت "إنفيديا" أن قدرات الذكاء الاصطناعي المحلية في "RTX Spark" تعني أن بيانات المستخدم ستظل خاصة، كما لن يضطر إلى استهلاك أرصدة خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية لإنجاز هذه المهام.
الأجهزة المزودة بـ"RTX Spark"
يبدو أن شركة إنفيديا حشدت عددًا كبيرًا من الشركاء خلف رؤيتها بشأن شريحة "RTX Spark".
فجميع الشركات الكبرى تقريبًا المصنعة للحواسيب المحمولة حاضرة ضمن المشروع، مع تأكيد إطلاق ثمانية حواسيب محمولة محددة خلال الخريف المقبل.
ومن بين هذه الأجهزة حاسوب من مايكروسوفت نفسها، إذ ستستخدم الشركة شريحة "RTX Spark" في حاسوب محمول جديد قال عنه أندرو هيل، المسؤول عن أجهزة "Surface"، إنه "أقوى جهاز صنعناه على الإطلاق".
وسيحمل هذا الجهاز من "مايكروسوفت" اسم "Surface Laptop Ultra".
لكن هذه الأجهزة ليست سوى البداية، وفقًا لمارك إيفرمان، الذي أوضح أن شركاء إنفيديا يعملون بالفعل على أكثر من 30 حاسوبًا محمولًا وأكثر من 10 حواسيب مكتبية.
ومن بين الشركات المشاركة في تطوير الحواسيب المكتبية: آيسر، وأسوس، وديل، وجيجابايت، وإتش بي، وإم إس آي، ولينوفو.
وقال إيفرمان: "ستصبح RTX Spark عائلة متكاملة من المنتجات تستهدف شرائح سعرية متعددة للغاية"، مضيفًا أن "حجم الفرصة السوقية التي نراها كبير جدًا".
مطورو التطبيقات
بفضل الجهود المشتركة بين مايكروسوفت وإنفيديا، يبدو أن عددًا كبيرًا من مطوري تطبيقات ويندوز باتوا يدعمون معمارية Arm أيضًا.
وتشير الشركة إلى أن تطبيقات مثل Blender وDaVinci Resolve وCinema 4D وRedshift وTopaz Photo AI وCapCut وCubase وBitwig Studio وAffinity من Canva، وغيرها، تعمل أصلًا بصورة أصلية على معمارية Arm، وكذلك الملحقات الصوتية والمرئية وأجهزة MIDI وأدوات التحكم التي تعتمد عليها.
ومعمارية Arm هي نوع من تصميمات المعالجات طورتها شركة آرم، وتتميز بأنها تستهلك طاقة أقل بكثير مقارنة بمعمارية x86 المستخدمة في معالجات إنتل وإيه إم دي.
وتدعم "أدوبي" هذه التقنية، مع تحسينات خاصة لبرنامجي بريمير وفوتوشوب تستفيد من شريحة "إنفيديا" الجديدة.
وحتى الألعاب التي كانت أنظمة مكافحة الغش فيها ترفض دعم لينكس وSteam Deck أصبحت الآن تدعم ويندوز على معالجات Arm أيضًا.
وتقول "مايكروسوفت" إن شركة Riot Games تعمل على جلب لعبتي League of Legends وValorant إلى ويندوز على معالجات Arm، بينما تعمل شركة كرافتون على توفير لعبة PUBG: Battlegrounds.
كما أكدت "إنفيديا" أنها تتعاون مع المزيد من المطورين الذين يستخدمون أنظمة مكافحة الغش Easy Anti-Cheat وBattlEye وDenuvo. وكانت لعبة فروتنايت قد وصلت بالفعل إلى ويندوز على Arm في نوفمبر الماضي بعد الإعلان عن ذلك في مارس.
وقالت إيفرمان إن جميع الألعاب الكبرى ستعمل على RTX Spark وستوفر تجربة ممتازة.
تفاصيل قليلة
لا تزال هناك أسئلة كثيرة بلا إجابة، بطبيعة الحال. فلم تقدم إنفيديا أو مايكروسوفت تصورًا واضحًا لأسعار هذه الحواسيب، باستثناء الإشارة إلى أن الدفعة الأولى التي ستُطرح هذا الخريف "ستستهدف الفئات السعرية الأعلى في السوق".
وفيما يتعلق بعمر البطارية الذي يدوم طوال اليوم، اكتفى مارك إيفرمان بالقول إنه ينبغي توقع أداء "أفضل بكثير من أي شيء رأيناه سابقًا في الحواسيب المحمولة المزودة بتقنيات RTX"، مضيفًا أن المستخدم "لن يحتاج إلى شاحن" ما لم يكن يشغّل أحمال عمل كثيفة.
وأوضح أن استهلاك الطاقة في الشريحة يمكن أن ينخفض إلى "بضعة واطات فقط" في الحد الأدنى، بينما يصل إلى 80 واطًا في الحد الأقصى. وهذا يعني نظريًا أن الأجهزة قد تستنزف بطاريات الحواسيب المحمولة الكبيرة خلال نحو ساعة واحدة عند العمل بأقصى طاقتها.
أما فيما يخص الأداء، فلم تعرض إنفيديا أي أرقام أو رسوم بيانية تدعم ادعاءاتها، كما رفض إيفرمان الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بكيفية مقارنة عائلة RTX Spark بشرائح إنتل وإيه إم دي وأبل وكوالكوم، مشيرًا إلى أن الشركة ستكشف مزيدًا من التفاصيل مع اقتراب موعد الإطلاق.
ومع ذلك، أوضح أن الشريحة توفر، بحسب نوع التطبيق المستخدم، قوة رسومية تقارب تلك التي تقدمها بطاقة RTX 5070 المخصصة للحواسيب المحمولة، وأنه ينبغي توقع أداء من وحدة المعالجة المركزية "قادر على المنافسة مع أي شيء آخر موجود في سوق ويندوز".
كما رفضت إنفيديا الإفصاح عما إذا كانت هذه الشرائح، المصنعة بتقنية TSMC N3 وبالتعاون مع "ميدياتك"، تُنتج داخل الولايات المتحدة أم خارجها، واكتفت بعدم التعليق على الأمر.
كذلك لم تكشف الشركة عما إذا كانت تخطط لتوفير تعريفات ودعم رسمي لنظام لينكس لشريحة RTX Spark، موضحة أن تركيزها الحالي ينصب على نظام ويندوز.
كما امتنعت عن التعليق على إمكانية استخدام الشريحة في أجهزة الألعاب المحمولة، كما فعلت "إيه إم دي" مع شريحة Strix Halo القوية.
لكنها أجابت عن سؤال آخر، مؤكدة أن "RTX Spark" لن تُستخدم إلى جانب بطاقات رسومية منفصلة، وهو ما قد يحد من إمكاناتها في الحواسيب المكتبية الكبيرة، تمامًا كما حدث مع جهاز ماك برو من "أبل" عندما فقدت شرائحه المعتمدة على Arm التوافق مع البطاقات الرسومية المنفصلة.
وربما لا يكون غياب الأدلة الداعمة لادعاءات "إنفيديا" أمرًا مهمًا في النهاية. ففي عام 2020، لم تقدم "أبل" أيضًا أي أدلة أو أرقام عندما كشفت عن مشروع شرائحها Apple Silicon. لكن عندما وصلت شريحة M1 إلى الأسواق، غيّرت بين ليلة وضحاها المفهوم السائد لأداء الحواسيب المحمولة.