ميسي والأرجنتين… كيف تبدأ الحياة بعد رحيل الأعظم؟

  • 21 July 2026
  • 4 hrs ago
    • Sports
  • source: الشرق الأوسط
    • article image
    ماذا يحدث عندما يرحل أعظم لاعب في التاريخ؟... هذا هو السؤال الذي قد يفرض نفسه قريباً على المنتخب الأرجنتيني، بعد خسارته أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم 2026، وفي ظل الغموض الذي يحيط بمستقبل ليونيل ميسي الدولي.

    لم يمنح ميسي، البالغ 39 عاماً، أي إشارة واضحة بشأن قراره المقبل. ورغم المستويات الاستثنائية التي قدمها خلال معظم مباريات البطولة، فإن الاستمرار على أعلى مستوى دولي لسنوات إضافية يبدو تحدياً كبيراً، حتى بالنسبة إلى لاعب تحدى العمر والمنطق طوال مسيرته.

    وبحسب «The Athletic»، لا يمكن استبعاد استمرار ميسي، خصوصاً في ظل الإغراء العاطفي المرتبط بإقامة مباراة واحدة على الأقل من كأس العالم المقبلة في الأرجنتين، وربما مجموعة كاملة في حال جرى توسيع البطولة إلى 64 منتخباً. لكن الاتحاد الأرجنتيني والجهاز الفني مطالبان منذ الآن بالتعامل مع احتمال أن يكون نهائي الأحد هو المباراة الدولية الأخيرة لقائد المنتخب.

    وسبق لميسي أن أعلن اعتزاله الدولي عقب خسارة نهائي كوبا أميركا في يونيو (حزيران) 2016، قبل أن يتراجع عن قراره بعد شهرين، ويعود للمشاركة في تصفيات كأس العالم. لكن القرار المقبل، إن اتُخذ، سيكون على الأرجح نهائياً، ما يضع الأرجنتين أمام سؤال بالغ الصعوبة: كيف يمكن بناء منتخب قادر على المنافسة من دون اللاعب الذي تمحورت حوله المنظومة لأكثر من عقد ونصف؟

    ولا تمنح المباراة النهائية مؤشرات مطمئنة، إذ ظهر المنتخب الأرجنتيني محدوداً هجومياً أمام إسبانيا، واعتمد بدرجة كبيرة على انتظار لحظة فردية من ميسي، من دون أن يمتلك حلولاً جماعية كافية عندما نجح المنافس في إغلاق المساحات أمامه.

    ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة الأرجنتين بعد دييغو مارادونا. ففي مونديالي 1986 و1990 قاد اللاعب الأسطوري منتخباً ارتبطت هويته بموهبته وشخصيته، قبل أن تصبح المجموعة أكثر خشونة، وأقل توازناً في البطولة التالية، وتبلغ النهائي، ثم تخسره بهدف وحيد.

    ورغم أن تأثير مارادونا عام 1990 لم يكن بحجم تأثير ميسي في 2026، فإن المنتخب ظل يعتمد عليه نفسياً، وفنياً. ووصل الأمر إلى حد مطالبة الجماهير بعودته بعد الخسارة التاريخية أمام كولومبيا بخماسية نظيفة في تصفيات مونديال 1994، رغم أنه كان قد تجاوز أفضل فتراته.

    والمفارقة أن الأرجنتين نجحت في التتويج بكوبا أميركا عامي 1991 و1993 من دون مارادونا، ما أثبت قدرتها على الفوز من دون نجمها الأول. لكن الجانب السلبي أن المنتخب لم يحقق بعد ذلك لقباً كبيراً حتى كوبا أميركا 2021، وخسر 5 نهائيات خلال تلك الفترة.

    وتقدم البرازيل مثالاً مشابهاً بعد اعتزال بيليه. فقد توج المنتخب بكأس العالم ثلاث مرات في عصره، لكنه احتاج إلى 19 عاماً للفوز مجدداً بكوبا أميركا، و24 عاماً لاستعادة كأس العالم عام 1994. وبعد تجاوز تلك المرحلة دخلت البرازيل حقبة نجاح جديدة، ففازت بين عامي 1989 و2007 بكوبا أميركا خمس مرات، وكأس العالم مرتين.

    وفي كرة القدم النسائية تعامل منتخب الولايات المتحدة بصورة أفضل مع اعتزال آبي وامباك، التي تُعد من أبرز اللاعبات في تاريخه. ويرجع ذلك إلى وجود جيل كامل من النجمات إلى جانبها، وخلفها، ما خفف تأثير غيابها. فقد كان دورها محدوداً في مونديال 2015 الذي توجت به الولايات المتحدة، ثم احتفظ المنتخب باللقب عام 2019 من دونها.

    لكن تجارب رياضية أخرى تؤكد أن تجاوز الأسطورة قد يستغرق عقوداً. فبعد رحيل مايكل جوردان عن شيكاغو بولز عام 1999، احتاج الفريق إلى ست سنوات ليحقق موسماً إيجابياً، ولم يعد منذ ذلك الحين إلى نهائي دوري كرة السلة الأميركي، كما عانى طويلاً في الأدوار الإقصائية.

    ويمكن تفسير تراجع شيكاغو بأسباب عديدة، من سوء الإدارة إلى الإصابات، لكن ظِلَّ جوردان بقي حاضراً فوق النادي، بعدما ارتبطت أعظم فتراته بلاعب يصعب تعويضه، أو تكرار تأثيره.

    أما نيوإنغلاند باتريوتس، فحقق جميع ألقابه الستة في «السوبر بول» بوجود توم برادي، والمدرب بيل بيليتشيك. ومنذ نهاية تلك الحقبة، لم يستعد الفريق المجد نفسه، بينما توج برادي بلقبه السابع في موسمه الأول بعيداً عن نيوإنغلاند مع تامبا باي باكانيرز.

    وفي هوكي الجليد، نجح إدمونتون أويلرز في الفوز بكأس ستانلي عام 1990، بعد عامين من انتقال واين غريتزكي إلى لوس أنجليس كينغز، لكنه احتاج بعدها إلى 16 عاماً لبلوغ نهائي المؤتمر مجدداً، ولم يرفع الكأس منذ ذلك الوقت.

    وفي سباقات فورمولا-1، حاول فيراري بناء مرحلة جديدة بعد رحيل مايكل شوماخر عام 2006، ونجح كيمي رايكونن في إحراز بطولة العالم للسائقين عام 2007، كما فاز الفريق بلقب الصانعين في 2008، لكنه لم يحقق أياً من اللقبين منذ ذلك الحين.

    ولا تنتهي جميع قصص ما بعد الأساطير بصورة سلبية. ففي الكريكيت، اعتزل دون برادمان عام 1948، ورغم اعتباره أفضل ضارب في تاريخ اللعبة، فازت أستراليا بالسلاسل الثلاث التالية، ولم تخسر سوى أربع من 22 سلسلة لاحقة.

    وفي كرة القدم، باع ريال مدريد كريستيانو رونالدو إلى يوفنتوس عام 2018، لكنه نجح في إعادة بناء الفريق، وأطلق أفضل نسخة من كريم بنزيمة، ثم توج بثلاثة ألقاب للدوري الإسباني، ولقبين في دوري أبطال أوروبا خلال السنوات التالية.

    كما حقق فريق سان فرانسيسكو جاينتس ثلاثة ألقاب في بطولة العالم للبيسبول بعد رحيل نجمه باري بوندز، رغم أنه لم يفز بأي لقب خلال 14 عاماً قضاها اللاعب مع الفريق. كذلك لم يتأثر نيويورك يانكيز كثيراً برحيل بيب روث عام 1934، إذ واصل حصد البطولات خلال العقد التالي.

    وتؤكد هذه الأمثلة أن رحيل لاعب تاريخي لا يؤدي بالضرورة إلى الانهيار، لكنه يفرض على الفريق إعادة تعريف نفسه. والخطر الأكبر ليس في خسارة موهبة اللاعب فقط، بل في استمرار المجموعة في محاولة تقليده، أو البحث عن بديل يؤدي الدور نفسه.

    بالنسبة إلى الأرجنتين، لا يوجد لاعب قادر على أن يصبح «ميسي الجديد»، ولا ينبغي أن يكون هذا هو الهدف. المطلوب هو بناء منتخب أقل اعتماداً على فرد واحد، وأكثر قدرة على توزيع المسؤوليات بين لاعبيه، مع تطوير هوية هجومية لا تنتظر دائماً لحظة عبقرية من القائد.

    ويملك المنتخب الأرجنتيني قاعدة جيدة من اللاعبين، لكن الانتقال إلى مرحلة ما بعد ميسي سيتطلب شجاعة فنية، وقرارات صعبة، إضافة إلى تقبُّل أن النجاح قد لا يأتي فوراً.

    لن ترغب الأرجنتين في خسارة ميسي، وسيظل مجرد وجوده يمنحها الثقة، والهيبة، والخطورة. لكن التاريخ الرياضي يقدم ما يكفي من الأمثلة للتأكيد أن رحيل الأعظم لا يعني بالضرورة نهاية العالم، بل قد يكون بداية هوية جديدة، شرط ألا يبقى الفريق أسيراً لظل أسطورته.