مطلع شهر أكتوبر 2026، • نُقل عمر البشير (82 عاماً) قبل نحو أسبوعين من مستشفى مروي بشمال السودان إلى مستشفى علياء العسكري في أم درمان (الخرطوم) إثر تعرضه لانتكاسة صحية وتدهور حالته.
وطالب محاميه (محمد الحسن الأمين) وأسرته السلطات السودانية بالسماح له بالسفر إلى خارج البلاد لتلقي رعاية طبية متخصصة لا تتوفر داخلياً، نافين في الوقت نفسه تلقي أي موافقة رسمية بهذا الشأن حتى الآن.
وحكم عمر البشير السودان، سنة 1989، حتى أطيح به في ثورة ديسمبر سنة 2019، ضمن تحرك شعبي، ضد نظام الإخوان المسلمين الذي حكم السودان عدة عقود، وأدخلها في عدة أزمات، كما يقول الشعب.
تحرّك شعبي
وضمن ردود الفعل، أعلنت لجان مقاومة القضارف رفضها القاطع لأيّ مطالبات تسمح للبشير بمغادرة البلاد، مؤكدة أنّ وضعه الصحي لا يعفيه من المساءلة القانونية، وأنّ مكانه الطبيعي هو السجن.
وشددت اللجان، في بيان، على أنّ البشير لا يمثل حالة إنسانية معزولة يمكن فصلها عن سجل حكمه المليء بالانتهاكات، مؤكدة أنّ الحصول على الرعاية الطبية حق مكفول له داخل المستشفيات السودانية، وليس امتيازاً يُتيح له الخروج من البلاد وتجاوز العدالة.
واستنكر البيان التباكي الإخواني على صحة البشير والمطالبة بعلاجه في الخارج، في وقت تعرّض فيه القطاع الصحي والمستشفيات السودانية للإهمال التام طوال عقود حكمه، حيث وُجّهت موارد الدولة للأجهزة الأمنية وإدارة الحروب، مستحضرةً جرائم نظامه في دارفور والنيل الأزرق وإعدامات رمضان وبيوت الأشباح وصولاً إلى قمع "ثورة ديسمبر"، ومشددة على ضرورة خضوعه للمحاكمة داخل السودان عن كافة جرائمه.
الخبير القانوني والمحلل السياسي خالد علي، قال “إن ما يرتديه هذا الطلب من لبوس إنساني هو في جوهره محاولة مكشوفة للهرب من العدالة واستغلال الفراغ الميداني والأمني. حق العناية الطبية مكفول لأي متهم داخل المؤسسات العلاجية الوطنية، لكن تحويل الرعاية الطبية إلى تذكرة خروج بلا عودة يعصف بأبسط مبادئ العدالة الانتقالية والمحاسبة. إن القضايا المرفوعة ضد البشير، وفي مقدمتها ملف المحكمة الجنائية الدولية، لا تسقط بالتقادم ولا بتدهور الوضع الصحي.”
ومن جهة أخرى، أكد محلل في الشأن السياسي لـ عين الحقيقة: “تحاول قيادات النظام السابق توظيف التقاطعات السياسية الحالية والمساومة بورقة البشير ضمن ترتيبات المشهد القادم. إن القبول بسفر البشير يعني عملياً طمس ملف الانتهاكات الجسيمة وتوفير الحصانة الفعلية للقيادات التي أدارت حروب الإبادة والفساد، وهو ما سيواجه برفض حاسم من القوى الحية في الشارع.”
في غضون ذلك، شهدت الساحة السودانية تحركات متسارعة ودعوات مكثفة تُقودها الحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين تهدف إلى تهريب الرئيس المعزول عمر البشير إلى خارج البلاد وتوفير مخرج آمن له، تحت ذريعة تدهور حالته الصحية وحاجته الماسة للعلاج في الخارج.
وتستند هذه التحركات إلى مطالبات رسمية وبيانات متتالية أطلقتها أسرة البشير وهيئة دفاعه لطلب إذن رسمي بالسفر؛ حيث أعلن محاميه محمد الحسن الأمين أنّ حالة البشير (82 عاماً) -الذي نُقل أخيراً من مستشفى بمروي إلى مستشفى علياء العسكري بأم درمان- تتطلب فحوصات وصور أشعة دقيقة للقلب غير متوفرة بالمستشفيات المحلية، مدعياً عدم وجود قضايا جارية ضده، وأنّ القرار بيد "سلطات أخرى".
تحرّكات لعزل البرهان
في غضون ذلك، تتحدث تقارير عن تحركات يقودها معسكر البشير، للإطاحة بقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، عبر تسريب الأدلة التي تثبت استخدامه الأسلحة الكيميائية، من أجل الإضرار بصورته أمام الرأي العام المحلي والدولي.
وفي شهر سبتمبر 2026، كشفت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز الأمريكيتان عن معلومات استقصائية، استندت إلى وثائق سرية، تشير إلى إنشاء الجيش السوداني مخزونًا من الأسلحة الكيميائية، تشمل إنتاج وتطوير ذخائر وقنابل تحتوي على غاز الكلور، وأنه استخدمها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب الدائرة، في حين ينفي الجيش هذه الاتهامات.
وأبلغ مصدر مطلع "صحيح السودان" أن الملفات المرتبطة باستخدام الجيش للسلاح الكيميائي، والصور والفيديوهات المرتبطة بتصنيع قنابل الكلور، التي تم نشرها في صحف عالمية، تم تسريبها من قبل مدير جهاز الأمن والمخابرات، الفريق أحمد مفضّل.
بحسب صحيح السودان، فإن "الدور الذي يلعبه مفضّل الآن هدفه تطويق الفريق البرهان دولياً عبر تثبيت جرائم استخدام غاز الكلور بغرض إزاحته هو والمجموعة العسكرية التي تسيطر على حكومة الأمر الواقع في بورتسودان".
وأوضحت أن مفضّل "يقوم بذلك عبر تنسيق مع مجموعة من القيادات الإسلامية التي لديها علاقات مع العديد من دول المنطقة والإقليم، بالإضافة إلى فتحهم لنقاشات مع قوى دولية بغرض تغيير واجهة السلطة العسكرية الحالية".
وأشارت " إلى دور صلاح قوش الذي لعبه مع المخلوع البشير عبر صناعة الأزمات ومضاعفتها للإطاحة بالبشير من السلطة عبر تحرك داخلي، قبل أن تقطع ثورة ديسمبر عليه ذلك المسار."
وأكد المصدر "أن مدير جهاز الأمن والمخابرات على تواصل حاليًا مع عدد من المنظمات الدولية والإقليمية المعنية باستخدام الأسلحة المحرّمة دوليًا، إلى جانب عدد من الفاعلين الدوليين، بهدف الإطاحة بقائد الانقلاب واستبداله بمجموعة جديدة من الضباط الإسلاميين غير المتورطين أو الذين لم تظهر أسماؤهم في الملفات المرتبطة باستخدام السلاح الكيميائي".
وعقب انتشار ملف استخدام الجيش للسلاح الكيميائي، كتب أحد الصحفيين المقربين من دوائر الاستخبارات العسكرية في بورتسودان أن شخصية كبيرة من السلطة هي من سرّبت تلك الملفات إلى دول خارجية، دون أن يشير إلى تلك الشخصية، حسب الصحيفة.
تسريب البرنامج الكيمياوي
وقال المصدر الأمني للصحيفة، إن "تلك الملفات والمراسلات الصوتية المرتبطة بقائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، والمراسلات مع الضابط الإسلامي العميد طارق حسين محمد مدني، المتهم بتصنيع قنابل الكلور، إضافة إلى فيديوهات تصنيع القنابل والمواقع التي تمت فيها تلك العمليات، تم تسريبها إلى أجهزة مخابرات إقليمية ودولية من قبل الفريق مفضّل".
الفريق مفضّل بدأ في لعب دور شبيه بالدور الذي لعبه نظيره الأسبق صلاح قوش مع المخلوع عمر البشير حسب الصحيفة، إذ "يعمل مفضّل حاليًا على إغراق قائد الجيش في العديد من الملفات المرتبطة بالانتهاكات وارتكاب جرائم الحرب واستخدام الأسلحة المحرّمة دوليًا" وتابعت: ووفقًا للمواد التي أشار المصدر إلى أن مفضّل سرّبها لأجهزة مخابرات إقليمية ودولية، تتضمن "مراسلات بين البرهان وضابط في الجيش في ديسمبر 2024، أي بعد ثلاثة أشهر من هجمات قالت الولايات المتحدة إن السودان نفّذها بغاز الكلور على مواقع لقوات الدعم السريع في مصفاة الجيلي للنفط وقاعدة قري العسكرية شمال الخرطوم".
وتضمنت تلك المحادثة حسب الصحيفة "، إلى جانب العديد من الملفات، معلومات تفيد بأن مئات قنابل الكلور جرى تجميعها وتخزينها في قاعدة مروي الجوية، وهي منشأة رئيسية للقوات الجوية السودانية، وأن 106 قنابل منها استُخدمت." كما تضمنت "رسالة منفصلة، يُعتقد أنها أُرسلت إلى ضابط في القوات المسلحة مشارك في الغارات الجوية، تتضمن مقطع فيديو لشخص يبدو أنه أحد ضحايا الحرب وقد تفحمت بشرته. وجاء في الرسالة: 'هذا من صنيعك'، أو حرفيًا: "طبخك".