أنطوان قسطنطين -
ثمة شيء يتغيّر في المنطقة. ليس انقلاباً كاملاً في موازين القوى، ولا انتصاراً مطلقاً لطرف على طرف، لكنّه أبعد من مجرّد تطوُّرات عسكرية متفرّقة. قبل أشهر، كان السؤال: «ماذا بقي من إيران ومحورها بعد الضربات والخسائر التي أصابته؟». اليوم بدأ السؤال يتغيّر: «ماذا لو كانت إيران، وهي تتلقّى الضربات، تُعيد إنتاج قوتها بطريقة مختلفة؟». إيران لم تنتصر. لكنها نجحت، حتى الآن، في منع تحويل خسائرها إلى هزيمة. ومن هرمز إلى باب المندب، مروراً بالعراق وخطوط النفط السعودية، تتجمّع وقائع يَصعب النظر إلى كل منها منفردة.
هرمز تحوّل من مجرّد ممر بحري إلى ورقة سياسية. الحوثيّون تقدّموا على الساحل اليمني ووصلوا إلى ميون، فيما وسعت التطوُّرات في جزر حنيش دائرة الضغط على جنوب البحر الأحمر. وفي الوسط، أصيب خط «شرق-غرب» السعودي، أحد البدائل الأساسية عن هرمز لنقل النفط إلى البحر الأحمر، بمسيَّرات قالت الرياض إنّها انطلقت من الأراضي العراقية.
والمفارقة تكاد تختصر المشهد كلّه: حين أصبح هرمز خطراً، لجأت السعودية إلى البحر الأحمر. وحين أصبح البحر الأحمر بديلاً، دخل باب المندب دائرة الخطر. وحين أصبح خط الأنابيب البري وسيلة لتجاوز البحر، وصلت إليه المسيّرات.
إيران لا تسيطر على هذه الممرات، والحوثيّون لم يقفلوا باب المندب. لكنّ الممرات الأساسية للنفط الخليجي باتت معرَّضة للضغط، والبدائل نفسها لم تعُد محصّنة. هنا مكمن التحوُّل. إيران لا تحتاج إلى إقفال البحار لتثبت حضورها. يكفي أن تجعل إمكان تعطيلها عاملاً يدخل في حسابات الآخرين. فقوّة الدول لا تُقاس فقط بما تستطيع احتلاله، بل أيضاً بما تستطيع تعطيله وبالكلفة التي تستطيع فرضها على خصومها. وهذا ما بدأت أسواق النفط تسعّره.
ومن هنا يمكن قراءة ما حصل بين الرياض وواشنطن. فقد طلبت السعودية دعماً أميركياً أكبر في مواجهة الحوثيّين، لكنّ واشنطن لم تذهب إلى انخراط عسكري مباشر.
هل أراد ترامب تجنّب حرب جديدة عشية انتخابات الكونغرس؟ هل يريد إبقاء الباب مفتوحاً لتفاهم لاحق مع إيران؟ أم أنّ واشنطن تريد تذكير حلفائها بأنّ ضماناتها ليست مفتوحة بلا شروط؟ ربما تجتمع الاعتبارات الثلاثة. لكنّ الخليج يكتشف مجدّداً أنّ الحماية الخارجية، مهما بلغت قوّتها، ليست بديلاً دائماً عن التفاهمات الإقليمية.
وكان يفترض أن يشكّل اجتماع عُمان حول هرمز أول اختبار لذلك، لكنّه تأجّل قبل انعقاده. والتأجيل لا يلغي أهمية الاجتماع، بل يكشف صعوبة السؤال الذي كان يفترض أن يناقشه: مَن يشارك في وضع قواعد أمن الخليج؟
إيران تريد أن تكون جزءاً معترفاً به من هذه المعادلة. ودول الخليج لا تستطيع تجاهل الجار الإيراني، لكنّها لا تريد أيضاً أن يتحوَّل الاعتراف بدوره إلى قبول بشروطه.
وهنا يمكن فهم الاتصال الإماراتي - الإيراني الأخير. فلقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لا يعني انقلاباً في موقع الإمارات، بل يعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأنّ أمن المنطقة لا يُبنى فقط بالعلاقة مع القوّة البعيدة، بل أيضاً بإدارة العلاقة مع القوّة القريبة.
إيران نجحت في جعل موقعها في أمن الخليج والممرات موضوعاً لا يمكن تجاوزه، لكنّها لم تنجح بعد في فرض شروطه. أمّا العراق، فالمسيّرات التي استهدفت خط النفط السعودي أعادت إلى الواجهة سؤالاً آخر: مَن يملك قرار السلاح؟
الحشد الشعبي جزء من المنظومة الرسمية العراقية، لكنّ المشكلة تبقى في الفصائل التي تحتفظ بسلاحها وقرارها العملياتي خارج السيطرة الفعلية للدولة. فبغداد تحاول ضبطها، لكن إذا كانت مسيّرات تستطيع الانطلاق من الأراضي العراقية وضرب شريان نفطي سعودي، فالسؤال يصبح إقليمياً: مَن يقرّر الحرب والسلم؟
وهنا المفارقة. السلاح الذي كان تحت ضغط الحصر بيَد الدولة عاد، بفعل المواجهة، ليؤدّي وظيفة إقليمية. والفصائل التي كان يُطرح مستقبل سلاحها عادت إلى قلب معادلة الردع والطاقة. وهذا، بحدّ ذاته، ورقة قوّة إيرانية.
لكنّ الصورة الأوسع أهم. المحور الإيراني الذي عرفناه طوال العقدَين الماضيَين كان، في الأساس، محوراً برّياً: طهران، بغداد، دمشق، بيروت. كان «حزب الله» رأس حربته، وكانت سوريا عقدة الوصل، وكان لبنان أحد أهم ساحات الردع الإيراني. هذا المحور أصيب بقوّة. و»حزب الله» تلقّى الخسارة الأثقل في بنية النفوذ الإيراني، من دون أن يعني ذلك أنّه انتهى أو فَقَد كل قدراته. لكنّ إسرائيل، فيما أضعفت رأس الحربة اللبنانية، لم تُنهِ الوظيفة الإقليمية لإيران. وهنا قد يكون التحوُّل الحقيقي. تاريخ
إيران التي خسرت جزءاً من محورها البري، تبدو وكأنّها تُعيد اكتشاف الممرات: هرمز في الشرق، باب المندب في الغرب، والعراق بينهما. وخطوط الطاقة والملاحة الدولية هي الجبهة الجديدة. قد نكون أمام تحوّل من محور الأرض إلى محور الممرات. فالسيطرة على الأرض تحتاج إلى جيوش واحتلال وكلفة هائلة. أمّا التأثير في الممرات، فيحتاج إلى قدرة تكفي لجعل الملاحة والطاقة والتجارة أكثر خطراً وكلفة.
وهنا يصبح الحوثي مهمّاً، ليس فقط بمقدار الأرض التي يسيطر عليها، بل بقدرته على التأثير في باب المندب. وتصبح الفصائل العراقية مؤثرة بقدر قدرتها على تهديد خطوط الطاقة. ويصبح هرمز أهم من عشرات المواقع العسكرية، لأنّه يستطيع التأثير في سعر النفط في العالم.
إيران لم تستعد قوّتها القديمة. ربما تحاول تغيير تعريف القوّة نفسها: من السيطرة على الأرض إلى القدرة على التحكّم بكلفة المرور فيها وحولها. لذلك قد يكون السؤال الخطأ: هل انتصرت إيران؟
لم تنتصر. دفعت أثماناً باهظة، وخسر حلفاؤها مواقع وقدرات، وأصيبت بُنيتها العسكرية والاقتصادية. لكنّها جعلت هزيمتها صعبة ومكلفة. وهذه ليست نتيجة صغيرة. فالدول لا تحتاج دائماً إلى الانتصار لتفاوض من موقع قوّة. يكفي أحياناً أن تثبت أنّ كلفة إقصائها أعلى من كلفة التفاهم معها.
تأجيل اجتماع عُمان يؤكّد أنّ الطريق إلى الاتفاق لا يزال طويلاً. لكنّه لا يلغي أنّ شروط التفاوض بدأت تتكوَّن. وربما لا يبدأ التفاهم المقبل من النووي. ربما يبدأ من برميل النفط، ومن سفينة تريد عبور هرمز، ومن ناقلة تريد المرور في باب المندب، ومن دول خليجية تريد ضمان أمنها من دون أن تتحوَّل أراضيها إلى ساحات حرب.
وللبنان في هذه الخريطة سؤال أهم. إذا كانت أوراق القوّة الإيرانية تتحرَّك من المتوسط نحو الخليج والبحر الأحمر، فهل تتراجع مركزية الورقة اللبنانية؟ وهل يمكن أن يشكّل ذلك فرصة لإعادة لبنان من وظيفة الساحة إلى وظيفة الدولة؟
ربما يكون هذا السؤال أهم لنا من معرفة مَن ربح هذه الجولة ومَن خسرها. إيران لم تربح الحرب. لكنّها فرضت سؤالاً على خصومها: «هل كلفة التفاهم معها أقل من كلفة محاولة إخراجها من المعادلة؟». اجتماع عُمان تأجّل، لكنّ السؤال لم يتأجّل.