قيود الأمن الفلسطيني تكشف معركة أوسع على مصير السلطة

  • 11 August 2026
    • POLITICS
  • source: Skynews
    • article image
    تتجاوز المخاوف من فرض قيود جديدة على تحرك عناصر الأمن الفلسطيني في جنين وطولكرم مسألة الزي العسكري أو حمل السلاح، لتفتح نقاشاً أوسع بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية وقدرتها على العمل في الضفة الغربية.


    وفي حوار على"سكاي نيوز عربية"، نفى رئيس مركز صفدي للدبلوماسية الدولية والأبحاث مندي الصفدي وجود قرار إسرائيلي رسمي يمنع عناصر الأمن الفلسطيني من ارتداء الزي العسكري، بينما اعتبر الباحث السياسي منير الجاغوب أن الوقائع الميدانية تشير إلى تقويض متدرج لصلاحيات السلطة في مختلف محافظات الضفة.

    نفي إسرائيلي

    قال الصفدي، من تل أبيب، إنه تحقّق من الأنباء مع الجيش الإسرائيلي، وتلقى تأكيداً بأن قرار منع الزي العسكري "غير صحيح"، ولم يصدر عن المستوى السياسي أو المؤسسة العسكرية.

    وأوضح أن القيود القائمة تتعلق أساساً بتحركات الأمن الفلسطيني في المنطقتين "ب" و"ج"، بينما لا تشمل المنطقة "أ" وفق التقسيمات المنصوص عليها في اتفاق أوسلو.

    وأضاف أن الجيش الإسرائيلي قد يطلب من عناصر الأمن الفلسطيني أحياناً الابتعاد عن مواقع تشهد عمليات عسكرية أو ملاحقة خلايا مسلحة، لكنه شدد على أن هذه الإجراءات ميدانية ومؤقتة، ولا تمثل قراراً شاملاً بتجريد الأجهزة الفلسطينية من مظاهرها العسكرية.

    وربط الصفدي الاقتحامات الأخيرة في نابلس بملاحقة خلية مسلحة، معتبراً أن تراجع قدرة السلطة على ضبط الوضع الأمني سمح بتمدد جماعات فلسطينية مسلحة.

    كما اتهم عناصر في الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتورط في هجمات استهدفت إسرائيليين وجنوداً إسرائيليين.

    ودافع الصفدي عن الرؤية الإسرائيلية لاتفاق أوسلو، قائلاً إن إسرائيل أتاحت لقيادة حركة فتح العودة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وإدارة شؤون الفلسطينيين ضمن مسار كان يفترض أن يقود إلى السلام والتعايش.

    كما نفى أن تكون اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين سياسة ممنهجة، واعتبر أن الحديث عنها يجري تضخيمه، مرجعاً بعضها إلى تصرفات فردية انتقامية، ومؤكداً أن السلطات الإسرائيلية تحاسب مرتكبيها.

    صلاحيات تتآكل

    في المقابل، قال الجاغوب، من رام الله، إن الواقع بات "أخطر من مسألة خروج عناصر السلطة بالسلاح والزي العسكري"، مشيراً إلى أن الاقتحامات الإسرائيلية امتدت إلى قلب مناطق مصنفة ضمن المنطقة "أ"، والخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية.

    واستشهد باقتحام منزل وهدمه على بعد نحو 400 متر من مكتبه في رام الله، رغم قرب الموقع من مقرات الأمن الفلسطيني، إلى جانب دخول قوة عسكرية إسرائيلية كبيرة إلى البلدة القديمة في نابلس.

    واعتبر أن هذه التحركات تعكس تغيراً عملياً في خريطة السيطرة، إذ باتت إسرائيل، وفق تقديره، تتعامل مع مناطق "أ" بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع المنطقتين "ب" و"ج".

    وضرب مثالاً ببلدة بيتا جنوب نابلس، قائلا إن عناصر الشرطة الفلسطينية لا يستطيعون الانتقال من المخفر إلى البلدات المحيطة من دون تنسيق مسبق، ما يعني أن القيود لم تعد مرتبطة بالسلاح، بل طالت قدرة السلطة على ممارسة وظائفها الأمنية والمدنية.

    كما تحدث الجاغوب عن تسارع النشاط الاستيطاني في محافظة جنين، قائلا إن المنطقة شهدت إقامة 14 بؤرة أو تجمعاً استيطانياً جديداً خلال نحو 6 أشهر، في مؤشر على أن التحولات الميدانية لا تقتصر على الاقتحامات العسكرية.

    حصار أمني واقتصادي

    يرى الجاغوب أن الضغوط على السلطة تمتد من جنين إلى الخليل، وتتزامن مع أزمة اقتصادية حادة ناجمة عن احتجاز إسرائيل جانباً من أموال المقاصة، وعدم قدرة الحكومة الفلسطينية على دفع رواتب موظفيها كاملة، إلى جانب تراجع فرص العمل وتصاعد أزمات المحروقات والتنقل.

    واعتبر أن هذه الإجراءات، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين، تدفع نحو إضعاف السلطة وحرمانها من القدرة على إدارة حياة الفلسطينيين.

    واتهم الوزيرين الإسرائيليين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير برعاية ما وصفه بـ"إرهاب منظم" يستهدف المدنيين، مستشهداً بحوادث إخلاء منازل وسرقة محتوياتها وإحراق محاصيل زراعية في محيط جنين ومناطق أخرى.

    واستحضر الجاغوب اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1995، متسائلاً عما إذا كان اغتياله مثّل عملياً بداية اغتيال اتفاق أوسلو.

    كما اتهم بنيامين نتنياهو، منذ توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996، بالعمل على منع قيام دولة فلسطينية وإضعاف السلطة.

    وحذر من أن استمرار الاقتحامات وعنف المستوطنين قد يدفع الضفة الغربية إلى مواجهة مفتوحة، مؤكداً أن غياب رد فعل فلسطيني واسع حتى الآن لا يعني أن الأوضاع ستظل تحت السيطرة.

    وبين النفي الإسرائيلي والاتهامات الفلسطينية، تبدو قضية الزي العسكري مجرد عنوان محدود لأزمة أكبر، عنوانها تآكل صلاحيات السلطة الفلسطينية واتساع السيطرة الإسرائيلية الميدانية، وسط مخاوف من انهيار ما تبقى من ترتيبات أوسلو الأمنية والسياسية.