-
في بيوت فلسطينية متواضعة، لا تقاس الأيام فيها بالساعات، بل بصوت غائب يتكرر في الذاكرة، ورسائل لم تصل، وصور أبناء ما زالوا حاضرين رغم غيابهم خلف القضبان منذ سنوات طويلة. هناك، حيث يتحول الانتظار إلى نمط حياة يومي…
فيها، تعيش عائلات الأسرى الفلسطينيين حالة متواصلة من القلق، تتجدد مع كل خبر سياسي أو قانوني يمس مصير أبنائهم.
لكن إعلان مصادقة إسرائيل على قانون إعدام الأسرى نقل هذا القلق إلى مستوى جديد أكثر قسوة وارتباكاً، إذ لم يعد الخوف مرتبطاً بطول الأحكام أو ظروف الاعتقال فقط، بل باحتمال فقدان الحياة نفسها تحت غطاء قانوني مثير للجدل.
في قلب هذا المشهد، تقف إيمان الباسطي، والدة الأسير المقدسي خالد الباسطي المحكوم بالسجن 21 عاماً، لتروي حكاية تختصر وجع مئات العائلات التي تعيش اليوم على حافة الخوف والأمل.
تتحدث إيمان لـ»القدس العربي» عن ابنها من دون تردد، وكأنها تستعيده من الذاكرة أكثر مما تصفه للآخرين. تقول إن خالد نشأ في بيئة وطنية مشبعة بالوعي المبكر، وكان قريباً من تفاصيل الحياة اليومية، يحب العمل، ويهتم بالأخبار، ويعيش بروح شبابية تميل إلى السفر والرحلات والبساطة.
لكنها، رغم ذلك، تصر على تقديم صورة أخرى له، صورة الابن الذي كان «فاكهة البيت»، كما تصفه.
تقول: «كان خلوقاً جداً… يحترمنا ويقدّر العائلة. فاكهة البيت فعلاً». وتضيف أن خالد، الذي يبلغ اليوم نحو سبعة وعشرين عاماً، كان بالنسبة لها ابناً عادياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شاباً يحب الحياة ويخطط للمستقبل مثل أي شاب آخر في عمره.
نشأ خالد في بيئة وطنية تأثر فيها بالتحولات السياسية التي رافقت جيله، ومع اندلاع الانتفاضات وما تبعها من أحداث، بدأ وعيه يتشكل مبكراً، شأنه شأن كثير من الشباب في القدس ومحيطها. لكنها تعود لتؤكد: «ما كنت أتوقع أبداً أنه يوصل إلى هنا… كان شاباً عادياً، لكن الظروف هي التي أخذته».
وفي عام 2015، اعتقل خالد الباسطي على خلفية اتهامات تتعلق بالمشاركة في عملية فدائية، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 21 عاماً. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العائلة في مرحلة جديدة من الحياة، عنوانها الانتظار الطويل وإعادة ترتيب تفاصيل اليوم حول غياب مفاجئ لا يمكن تعويضه.
وفي السنوات الأولى من الاعتقال، كما تروي والدته، بقيت هناك مساحة صغيرة للتواصل: زيارات متقطعة، ورسائل قصيرة، وصوت ابنها يصل أحياناً عبر الهاتف أو خلف الزجاج.
لكن هذا الخيط الرفيع بدأ يتآكل مع مرور الوقت، إلى أن وصل إلى شبه انقطاع كامل، خصوصاً بعد أحداث السابع من تشرين الأول / أكتوبر، حيث لم تعد العائلة تعرف عنه شيئاً واضحاً. تقول: «ما بعرف إذا خالد بياكل، إذا بينام، إذا تعبان… كل اللي بعرفه إنه عايش لأنه ما أعلنوا استشهاده».
هذا الانقطاع حوّل العلاقة إلى ما يشبه العيش داخل الذاكرة، حيث يصبح الخيال بديلاً عن الخبر، والصور القديمة مصدراً وحيداً للحضور. وتضيف الأم بصوت يختلط فيه الألم بالاعتياد: «الفراغ صعب… بتحسي إنك عايشة مع ابنك، لكنك لا تعرفين عنه أي شيء».
ولم يكن الخوف غريباً على عائلات الأسرى، لكنه أخذ شكلاً أكثر حدة في السنوات الأخيرة مع تصاعد الحديث عن تشريعات تمس مصيرهم داخل السجون. بالنسبة إلى إيمان، لم يعد الانتظار مرتبطاً بقوائم الإفراج كما في السابق، بل صار محملاً بقلق من قوائم أخرى.
تقول: «قبل كنا نستنى قوائم المفرج عنهم ونفرح… اليوم صرنا نخاف من القوائم». وتضيف: «صار أهم دعاء عندي ألا أشوف اسم ابني في أي قائمة إعدام».
وفي منزل العائلة، تبقى غرفة خالد شاهداً صامتاً على هذا الغياب الممتد. الملابس لا تزال في مكانها، وبعض الأغراض لم تمس منذ يوم اعتقاله، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. تدخل الأم الغرفة يومياً، وتعيد ترتيب تفاصيلها الصغيرة، وتقول إنها تتخيله حاضراً في كل زاوية. «بتخيله نايم… بصحيه… بعمله قهوة»، ثم تضيف بعد صمت قصير: «وبشوفه مع أولاده كمان».
والأطفال الذين كبروا خلال سنوات الغياب أصبحوا جزءاً من هذا المشهد الذهني، حيث تحاول العائلة تخيل اللقاء المؤجل بكل ما يحمله من أسئلة وتغيرات. «بفكر كيف رح يشوف أولاده لما يرجع… كيف كبروا وكيف تغيروا»، تقول الأم.
وكانت زيارات السجن في وقت سابق النافذة الوحيدة التي تبقي خيط الحياة قائماً بين خالد وعائلته. ثلاث ساعات فقط كانت كفيلة بإعادة البيت إلى حالة مؤقتة من الحياة، قبل أن يعود كل شيء إلى الفقد. لكن حتى تلك اللحظات، كما تصفها، كانت تحمل ثقلاً مضاعفاً: «أصعب لحظة لما ييجي وقت المغادرة… بتحس روحك عم تنسحب».
ومع توقف الزيارات في فترات لاحقة، أصبح الماضي هو وسيلة التواصل الوحيدة، وتحولت الذاكرة إلى مساحة عيش بديلة، حيث يصبح الغياب شكلاً آخر من أشكال الحضور.
وقصة خالد، كما تراها والدته، ليست حالة فردية، بل جزء من مشهد أوسع تعيشه مئات العائلات الفلسطينية. وفي هذا السياق، تتقاطع شهادات أمهات أخريات تعكس أبعاداً مختلفة للوجع نفسه.
فوالدة الأسير مرشد شوامرة تعيش حالة قلق دائم بسبب تكرار اعتقال ابنها وإضراباته عن الطعام، إضافة إلى الانقطاع شبه الكامل للمعلومات عنه.
وتقول إن أصعب ما في التجربة ليس الاعتقال فقط، بل «الانقطاع الكامل عن معرفة أي شيء عنه»، في ظل غياب أي تفاصيل واضحة عن وضعه الصحي أو ظروف احتجازه. وتضيف أنها، مع المصادقة على قرار إعدام الأسرى، لا تجد كلمات لوصف ما يعيشه أهالي الأسرى من قهر وألم، ولا أحد ينظر إلى أبنائهم. ومنذ ذلك الحين، لا تستطيع النوم وهي تفكر في حال ابنها: هل عرف بإقرار القانون؟ هو ورفاقه الأسرى، وكيف هو حالهم؟
أما والدة الأسير فادي أبو غربية، فتقدم رواية مختلفة تمتزج فيها المشاعر الإنسانية بالغضب الحقوقي، فهي لا تتحدث عن ابنها فقط بوصفه حالة فردية، بل بوصفه جزءاً من منظومة اعتقال أوسع.
تقول لـ»القدس العربي» إن الاحتلال وإدارة السجن يستهدفان الأسرى من خلال الإهمال الطبي وسوء الظروف داخل السجون، إضافة إلى الإذلال خلال المحاكم والزيارات التي تتحول إلى وسيلة ضغط نفسي متواصل.
ورأى مدير مركز فلسطين للدفاع عن الحريات حلمي الأعرج لـ «القدس العربي» أن المصادقة على القراءتين الثانية والثالثة لما يعرف بـ «قانون إعدام الأسرى» تمثل تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في التعامل مع ملف الأسرى الفلسطينيين، مشيراً إلى أن هذا القانون قوبل بردود فعل دولية واسعة تدينه بوصفه انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان.
وأوضح الأعرج أن خطورة هذا التشريع لا تقتصر على تهديد حياة الأسرى والأسيرات بشكل مباشر، بل تمتد لتستهدف وجود الحركة الأسيرة ومكانتها الوطنية، في محاولة واضحة لنزع بعدها السياسي والنضالي ووصمها بالإرهاب أمام الرأي العام الدولي.
وأضاف أن «ما يجري يأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض مكانة الأسرى وتشويه صورتهم، ضمن مسار تصعيدي متواصل من الانتهاكات التي بلغت ذروتها في المرحلة الراهنة، خاصة منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر».
وشدد الأعرج على أن «الحركة الأسيرة كانت ولا تزال تمثل طليعة متقدمة للنضال الوطني الفلسطيني وجزءاً أصيلاً من وجدان الشعب الفلسطيني»، مؤكداً أن استهدافها بهذا الشكل «يشكل خطراً وجودياً يستدعي تحركاً عاجلاً على المستويين القانوني والحقوقي».
-