يحدثونكم من إدلب.. السيول تجرف الحياة الهشة في المخيمات

  • 02 April 2026
    • POLITICS
  • source: الجزيرة
    • article image
    لم تتوقع نهيدة الحسين أن تتحول ليلة عادية في مخيمها إلى كابوس حقيقي، فالمياه اجتاحت المكان فجأة وأجبرتها على الخروج على عجل مع أطفالها بحثا عن مكان أكثر أمانا.

    وروت للجزيرة نت "اضطررنا لنقل الأطفال بصعوبة، بينما بقيت العائلات الأخرى تعاني وسط الفيضانات والأوساخ. كل شيء تقريبا تضرر: الخيام، والملابس، والأغطية".

    وتعكس قصتها مأساة آلاف النازحين في محافظة إدلب شمال غربي سوريا الذين يعيشون في مخيمات هشة أمام تغيرات مناخية متسارعة وسيول مفاجئة تهدد حياتهم يوميا.

    في مخيم "عباد الرحمن" في منطقة سرمدا، يصف رائد أبو تامر، المسؤول عن المخيم، حجم الدمار في حديث للجزيرة نت، قائلا "جرفت المياه معظم الخيام وأخرجتها عن الخدمة، واضطر الأهالي للجوء إلى مساجد وسيارات قديمة، وفقدوا معظم ممتلكاتهم الأساسية".

    أزمة متفاقمة
    أما حسين أبو الجواد، أحد السكان، فأضاف "ما شهدناه يفوق ما عايشناه خلال 10 سنوات من النزوح. المياه تدفقت فجأة وغمرت المخيم بالكامل، وبقي الأطفال والنساء لعدة أيام وسط السيول. أطلقنا نداءات استغاثة كثيرة، ولم يتمكن البعض من المساعدة، والناس يتطلعون فقط للعودة إلى منازلهم والعيش بكرامة".

    ما يحدث في إدلب ليس حادثا عرضيا، بل جزءا من أزمة متفاقمة. فالمخيمات تعاني من ضعف البنية التحتية وغياب أنظمة تصريف فعالة، ما يجعلها عرضة للكوارث الطبيعية. وأظهرت السيول الأخيرة هشاشة الحياة فيها، حيث تؤدي كل موجة مطرية إلى تدمير الخيام وتشريد السكان وانقطاع سبل العيش، بالإضافة إلى تفاقم الأمراض والضغوط النفسية.

    ويحذر خبراء من أن استمرار الوضع بهذه الطريقة يجعل المخيمات فريسة دائمة للفيضانات. وتقول منظمات إنسانية إن الاستجابة الدولية محدودة، مطالبة بتدخل عاجل لتأمين مساكن أكثر استدامة، وتحسين قدرة المخيمات على مواجهة الظروف المناخية القاسية.

    وفي محاولة للحد من آثار السيول، قامت فرق الدفاع المدني السوري بعمليات واسعة خلال الفترة من 19 حتى 27 مارس/آذار 2026.

    إعلان
    من جانبه، أوضح يوسف عزو، رئيس قسم العمليات الميدانية في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، للجزيرة نت أن العديد من المحافظات شهدت منخفضا جويا قويا ترافق مع هطولات مطرية غزيرة، أدى إلى تشكل سيول واسعة وارتفاع منسوب المياه في الطرق والمنازل والمخيمات، مع تسجيل انهيارات جزئية وحوادث انزلاق مروري.

    تدخلات رسمية
    وأشار عزو إلى أن فرق الدفاع المدني نفذت أكثر من 500 عملية ميدانية، شملت فتح أكثر من 250 ممرا مائيا، وتنفيذ 200 عملية سحب لمياه الأمطار من المنازل والأقبية والمحلات التجارية، بالإضافة إلى إنشاء ورفع سواتر ترابية بطول يزيد على 8.5 كيلومترات، وتعزيز سواتر أخرى بمئات الأمتار، لحماية المناطق السكنية من الغمر.

    كما قامت الفرق بفتح 120 طريقا أُغلقت بسبب الصخور، وتأمين 10 جسور متضررة، وسحب 50 سيارة علقت أو انحرفت عن الطريق نتيجة ضعف الرؤية، إلى جانب الاستجابة لأكثر من 20 مخيما في شمال سوريا.

    وفي محافظة الحسكة، تم إخلاء ما لا يقل عن 120 عائلة، والتعامل مع أكثر من 1800 منزل متضرر جزئيا أو كليا. وأكد عزو أن أكثر من 150 آلية شاركت في هذه العمليات، وأن الفرق لا تزال تواصل جهودها مع استمرار هطول الأمطار في بعض المناطق.

    بدورها، دعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السكان قرب نهر العاصي في دركوش وقرى غرب سلقين في محافظة إدلب للابتعاد عن مجرى النهر جراء الهطولات المطرية الغزيرة وتشكل السيول، كما طلبت محافظة اللاذقية من سكان القرى المجاورة للنهر الكبير الشمالي توخي الحيطة والحذر والابتعاد عن مجراه جراء الهطولات المطرية الغزيرة.

    أوضاع صعبة
    وشهدت المنطقة الشمالية الغربية من سوريا مؤخرا تهاطلات مطرية شكّلت سيولا أدت إلى وفاة طفلين في ريف اللاذقية الشمالي وتضرر 300 عائلة في مخيمات إدلب، وأضرار مادية كبيرة.

    ويقول مراقبون إن المخيمات أصبحت بيئة شديدة التأثر بالكوارث الطبيعية بسبب ضعف التخطيط ونقص الدعم اللوجستي. وأغلب الخيام لا تتحمل غزارة الأمطار، ونقص شبكات الصرف يجعل السكان عرضة للفيضانات خصوصا الأطفال والنساء وكبار السن.

    كما أن أزمة المأوى البديل تجعل بعض العائلات تضطر للجوء للمساجد أو السيارات، أو حتى البقاء تحت الأشجار عند الفيضانات المفاجئة.

    هذه الظروف تزيد من الأزمات الصحية والنفسية، مع مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الراكدة والرطوبة، وتضاعف معاناة النازحين الذين فقدوا منازلهم منذ سنوات.

    خيام النازحين
    النازحون يطالبون بتدخلات عاجلة وبحلول مستدامة لمعاناتهم (الجزيرة)
    وتدعو المنظمات الإنسانية إلى تدخل عاجل من المجتمع الدولي لتوفير حلول مستدامة تشمل تأمين مساكن مقاومة للفيضانات، وتحسين شبكات الصرف، وتقديم دعم عاجل للمتضررين. كما تؤكد الحاجة إلى تعزيز الجاهزية المحلية لمواجهة أي موجة سيول مستقبلية، تفاديا لتكرار المأساة التي يعيشها سكان المخيمات.

    وبينما تواصل فرق الدفاع المدني جهودها في إدلب، تبقى قصص النازحين شاهدة على هشاشة الحياة في المخيمات، وعلى المعاناة اليومية التي يواجهونها أمام قوة الطبيعة. ومع كل موجة مطرية جديدة، تتجدد معاناتهم ويصبح الأمل في مأوى آمن وحياة كريمة أكثر إلحاحا.