-
صوتت الغالبية الساحقة من أعضاء البرلمان الجزائري بغرفتيه، لصالح اعتماد مشروع التعديل التقني للدستور، اليوم الأربعاء، بما في ذلك المعارضة الموصوفة بالمعتدلة. يأتي ذلك، في وقت أبدى حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية غير الممثل في البرلمان، تحفظه على التعديلات وطريقة تمريرها.
في نادي الصنوبر بالضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية، جمعت قاعة فسيحة أعضاء البرلمان بغرفتيه للتصويت على مشروع التعديل التقني للدستور، وسط إجماع كامل على إقرار النص لدى الكتل الكبرى من كل الاتجاهات. ومن أصل 583 عضوا، يكفي الحصول على موافقة 437 عضوا، أي ما يعادل ثلاثة أرباع البرلمان وهو رقم تم تجاوزه بسهولة قياسا إلى تركيبة البرلمان.
وذكر مصدر مسؤول من حركة مجتمع السلم ذات التوجه المعارض في البرلمان، في تصريح لـ”القدس العربي” أن نواب الحزب قرروا التصويت بنعم على التعديلات الدستورية، على اعتبار أنها تقنية ولا تمس جوهر الدستور. أما باقي الأحزاب المحسوبة على الموالاة، خاصة جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل وحرمة البناء فضلا عن نواب الأحرار، فصوتت دون أدنى تردد لصالح المشروع.
ويأتي هذا التعديل في إطار الصلاحيات المخولة لرئيس الجمهورية في الدستور الجزائري، والذي يمكنه عرض التعديلات الدستورية إما على الاستفتاء الشعبي أو على البرلمان، بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية، طبقا لأحكام المادة 221. وفي حال المصادقة، يصدر التعديل مباشرة في شكل قانون في الجريدة الرسمية.
وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد صرّح عشية التصويت بأن المحكمة الدستورية أعطت موافقتها على عرض المشروع على البرلمان، مؤكدا أن النص لا يمس بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، ولا بحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، كما لا يؤثر في التوازنات الأساسية بين السلطات والمؤسسات الدستورية، ما يتيح لرئيس الجمهورية إصداره متى حاز على ثلاثة أرباع أصوات أعضاء البرلمان.
وأوضح وزير العدل، خلال جلسة استماع نظمتها اللجنة البرلمانية المشتركة بمجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني، أن التعديل المقترح يندرج في إطار “تحسين بعض الجوانب التقنية البحتة” لأحكام دستور 2020، بعد أكثر من خمس سنوات على صدوره واستكمال البناء المؤسساتي المنبثق عنه، حيث أظهرت الممارسة الميدانية، بحسبه، الحاجة إلى إدخال هذه التعديلات.
“تراجع عن المكاسب”
وفي رأي مخالف، قال عثمان معزوز رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وهو حزب معارض غير ممثل في البرلمان، في بيان له، إن مشروع التعديل الدستوري الذي سيُعرض على البرلمان بغرفتيه في 25 مارس، يُقدَّم على أنه مجرد تعديل تقني، غير أن قراءة متأنية لمضمونه تكشف، بحسبه، عن “إعادة توجيه سياسية كبرى”، معتبرا أن “خلف المصطلحات الإدارية تتجلى في الواقع عملية استرجاع للسلطات التي كان دستور 2020 قد منحها جزئيا لبعض المؤسسات تحت ضغط الحراك”.
وأضاف معزوز أن “السلطة تبدو، بعد ست سنوات من هذا الحراك المواطن، مصممة على غلق هذه الصفحة”، مشيرا إلى أن “أول تراجع يخص السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، إذ إن سحب مهمة التحضير المادي واللوجستي منها يعيد الإدارة، وبالتالي وزارة الداخلية، إلى صلب الجهاز الانتخابي”.
وأوضح أن هذه الهيئة “ستحتفظ بدور الإشراف، لكنها ستفقد الأساس، أي التحكم الفعلي في تنظيم الانتخابات”، معتبرا أن “الهيئة التي يفترض أن تضمن شفافية الاقتراع تُجرَّد، ظاهريا، من الوسائل الحقيقية لأداء هذه المهمة”.
وفي ما يتعلق بقطاع العدالة، قال معزوز إن “تحويل ‘الرأي المطابق’ للمجلس الأعلى للقضاء إلى مجرد استشارة يقلص بشكل كبير الضمانات ضد التعسف في التعيينات القضائية”، مضيفا أن “إعادة تشكيل هذه الهيئة تُضعف التمثيل المستقل للقضاة وتعزز في المقابل نفوذ السلطة التنفيذية”، ليخلص إلى أن “ما كان يفترض أن يكون آلية ضبط، يتحول إلى أداة تحكم”.
كما أشار إلى أن المشروع “يوسّع صلاحيات رئيس الجمهورية من خلال تمكينه من الدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة عبر إنهاء عهدة المجالس المنتخبة”، معتبرا أن “هذا التوسيع لسلطة الحل يعزز أكثر مركزية النظام السياسي”.
وتابع أن “وضعية رئيس مجلس الأمة يتم تعزيزها من خلال تمديد عهدته وحمايته من آليات التجديد الجزئي”، لافتا إلى أن هذا الإجراء، “المقدم كضمان للاستقرار المؤسساتي، يهدف أساسا إلى تأمين الخلافة الدستورية في حال شغور السلطة”.
وخلص رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إلى أن “مجمل هذه التعديلات ترسم توجها واضحا نحو استعادة نظام رئاسوي مفرط، حيث تستعيد السلطة التنفيذية تدريجيا التحكم في أهم مفاصل المؤسسات”.
وأضاف أن “هذا التطور يندرج ضمن ديناميكية أوسع، على غرار مشروع قانون الأحزاب السياسية الذي يميل إلى غلق الانفتاح الديمقراطي الذي نتج عن إصلاحات 1989”، معتبرا أن هذه التعديلات “تعكس إرادة التراجع عن التوازنات التي فرضها الضغط الشعبي”.
وأبدى معزوز قلقه من “صمت الأحزاب والمؤسسات المفترض أنها تمثل السيادة الشعبية”، مشيرا إلى أن “غرفتي البرلمان تتجهان نحو المصادقة على هذه التغييرات دون نقاش عمومي حقيقي”، وهو ما “يحوّل السلطة التشريعية إلى مجرد غرفة تسجيل”.
وأكد في السياق ذاته أن “الدستور لا يمكن التعامل معه كنص إداري بسيط، بل هو الذي ينظم توازن السلطات ويشكل الضمانة الأساسية للحريات العامة”، محذرا من أن “تعديله بما يزيد من تركيز السلطة بيد الجهاز التنفيذي يعني إضفاء طابع مؤسساتي على نظام تصبح فيه السلطات المضادة شكلية فقط”.
فحوى التعديلات
وفي النص المعروض للتصويت، تم إدراج شرط إثبات مستوى تعليمي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية. كما جرى ضبط مراسم أداء اليمين الدستورية عبر تحديد الهيئة التي يتم الأداء أمامها والجهة التي تتولى تلاوة اليمين.
وتضمّن النص اقتراح تمكين رئيس الجمهورية من تقرير الدعوة إلى تنظيم انتخابات محلية مسبقة عند الاقتضاء. وحاليا يمكن للرئيس فقط الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية مسبقة فقط.
كما تم اقتراح حذف شرط استصدار الرأي المطابق للمجلس الأعلى للقضاء في ما يخص التعيين في المناصب النوعية أو الحركة السنوية لرؤساء المجالس القضائية ورؤساء محافظي الدولة، على اعتبار أن رئيس الجمهورية يترأس المجلس الأعلى للقضاء.
وفيما يخص مجلس الأمة، اقترح التعديل تحديد مدة عهدة رئيس المجلس بست سنوات بدل ثلاث، مع الإبقاء على مبدأ التجديد النصفي، بهدف ضمان استمرارية الخبرة وتفادي القطيعة الناتجة عن التغيير المتكرر.
كما تضمّن مشروع التعديل التقني اقتراح إدراج حكم انتقالي يُعتمد عليه عند الحاجة، بهدف سد الفراغ الدستوري وتوفير أساس قانوني للتجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة المنتخبين خلال العهدة الأولى بعد مرور ثلاث سنوات، تكريسًا لمبدأ استمرارية مؤسسات الدولة.
وشملت المقترحات تحسين الإطار التنظيمي لانعقاد الدورة البرلمانية العادية، مع ضمان مرونة افتتاحها في شهر سبتمبر واختتامها بعد عشرة أشهر. وحاليا، تفتح الدورة الدستورية في الثاني من شهر سبتمبر.
وعلى صعيد المجلس الأعلى للقضاء، اقترح التعديل إعادة تنظيم تشكيلته من خلال الاستغناء عن عضوية التمثيل النقابي، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مقابل إدراج عضوية النائب العام لدى المحكمة العليا.
وبخصوص السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي أسند لها دستور 2020 مهام التحضير والتنظيم وتسيير العملية الانتخابية والإشراف عليها، دون تحديد دورها الرقابي، تم اقتراح توسيع مهامها الرقابية، مع إسناد مهام التحضير المادي واللوجيستي للإدارة أي وزارة الداخلية.
وينتظر أن يلِيَ مشروع قانون الانتخابات التعديل التقني للدستور، باعتبار أن هذا الأخير يحدد الإطار العام لصلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، فيما يتكفل قانون الانتخابات بتفصيل أحكامها، انسجاما مع مبدأ سمو الدستور على باقي القوانين. وتفسح هذه التعديلات المجال لاستدعاء الهيئة الناخبة (الدخول رسميا في الأجواء الانتخابية) التي سيكون آخر أجل يوم 8 نيسان/ أفريل المقبل، على أن تجرى الانتخابات التشريعية كما هو منتظر شهر حزيران/جوان المقبل.
-