ألقى العميد مصطفى حمدان أمين الهيئة القيادية في حركة الناصريين المستقلين-المرابطون، كلمة خلال ندوة اعلامية حوارية أقامتها الحركة، جاء فيها ما يلي:
أولاً: لبنان والتحولات العربية والإقليمية ودور القوى الوطنية والعروبية
إن لبنان لا يعيش خارج محيطه العربي، ولا يستطيع أن يعزل نفسه عن التحولات السياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة. فكلما تبدلت موازين القوى العربية والإقليمية، انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة على الواقع اللبناني، لأن لبنان كان وسيبقى نقطة تقاطع للمشاريع والمصالح العربية والإقليمية والدولية.
لكن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط كيف نواجه التدخلات الخارجية، بل لماذا نسمح للداخل اللبناني بأن يكون ساحة مفتوحة أمام هذه التدخلات؟
عندما ينقسم البيت اللبناني، ويغيب المشروع الوطني الجامع، تصبح الساحة اللبنانية مستباحة أمام الآخرين، ويجد التدخل الخارجي منافذه من خلال الانقسامات الداخلية والحسابات الفئوية والطائفية.
إن القوى الوطنية والعروبية مدعوة اليوم إلى استعادة دورها وحضورها الفاعل في الحياة السياسية اللبنانية، والخروج من حالة الانتظار والتفرج. فالعروبة ليست شعاراً نرفعه عند الحديث عن فلسطين والقضايا القومية فحسب، بل هي أيضاً مسؤولية وطنية تبدأ بحماية لبنان، وصون مؤسساته، والحفاظ على وحدته واستقلال قراره الوطني.
نحن نريد لبنان العربي، لبنان المنتمي إلى أمته ومحيطه الطبيعي، لبنان الذي ينفتح على أشقائه العرب من موقع الندية والاحترام المتبادل، لا من موقع التبعية لأي طرف. فالعلاقات العربية يجب أن تكون مصدر قوة للبنان، لا مدخلاً لتحويله إلى ساحة صراع وتصفية حسابات بين الآخرين.
إن أمام القوى الوطنية والعروبية فرصة حقيقية لاستعادة دورها، لكن هذه الفرصة لا تُستثمر بالشعارات أو بالحنين إلى الماضي، وإنما بإعادة بناء قوة سياسية وطنية، وصياغة خطاب عروبي حديث يواكب التحولات، والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها، والعمل على أن يكون القرار اللبناني نابعاً من المصلحة الوطنية اللبنانية، ضمن انتمائه العربي الطبيعي.
قد لا يستطيع لبنان منع الآخرين من محاولة التأثير فيه، لكنه يستطيع منع تحويل هذا التأثير إلى وصاية دائمة، متى امتلك اللبنانيون مشروعاً وطنياً واضحاً وإرادة سياسية مستقلة تحمي قرارهم وتصون سيادتهم.
ثانياً: اتفاق الطائف وبناء الدولة ومؤسساتها
إننا لا نحمّل اتفاق الطائف وحده مسؤولية ما وصل إليه لبنان من أزمات وانهيارات، فالمشكلة ليست في نص الاتفاق بقدر ما هي في عدم تطبيقه بصورة كاملة وصحيحة.
لقد جرى التعامل مع اتفاق الطائف، في مراحل كثيرة، باعتباره مجموعة من التوازنات السياسية التي يأخذ كل طرف منها ما يناسب مصالحه وحساباته، فيما تُركت البنود الإصلاحية الأساسية معلّقة.
لقد وضع الطائف مساراً للخروج من الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ونصّ بوضوح على إصلاح النظام السياسي، والعمل على إلغاء الطائفية السياسية، وبناء دولة تقوم على المواطنة والمؤسسات، وتكون قادرة على إدارة شؤون اللبنانيين بعيداً عن الانتماءات الطائفية والمذهبية.
لكن ما الذي حصل؟
بقيت الطائفية السياسية قائمة، وترسخت المحاصصة، وتعطلت عملية بناء المؤسسات، وأصبحت الدولة في كثير من الأحيان رهينة الحسابات الفئوية ومصالح القوى السياسية.
ومن هنا، لا بد من طرح الأسئلة الحقيقية: من عطّل تطبيق اتفاق الطائف؟ ومن استفاد من استمرار النظام على حاله؟ ومن حوّل الدولة اللبنانية إلى مجموعة حصص ومواقع ومكاسب سياسية، بدلاً من أن تكون دولة لجميع اللبنانيين؟
إن المشكلة البنيوية في لبنان تكمن في وجود قوى سياسية اعتادت التعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة تتقاسمها، لا مؤسسة وطنية تحمي مصالح الشعب اللبناني بأكمله.
نحن لا نحتاج إلى فتح معركة جديدة حول اتفاق الطائف، ولا إلى العودة إلى نقطة الصفر، بل نحتاج إلى تطبيقه واستكمال الإصلاحات التي بقيت معلّقة، وبناء دولة فعلية، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وإدارة عامة بعيدة عن المحاصصة، ومجلس نيابي يعبّر عن إرادة اللبنانيين على أساس المواطنة.
إن اتفاق الطائف يجب أن يكون مدخلاً لبناء الدولة، وليس عنواناً دائماً لتقاسم السلطة والنفوذ.
ثالثاً: النظام السياسي اللبناني والمؤتمر التأسيسي
إن اختصار أزمات لبنان باتفاق الطائف وحده أمر غير دقيق، كما أن اعتبار الطائف وحده المسؤول عن وصول البلاد إلى هذا النفق هو هروب من تشخيص الأسباب الحقيقية للأزمة.
هناك خلل واضح في تطبيق الاتفاق، لكن هناك أيضاً مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الطائفي نفسه، الذي أبقى اللبنانيين أسرى الهواجس والانقسامات الطائفية، ولم ينقلهم بصورة كاملة إلى مفهوم المواطنة والدولة.
لقد أنهى اتفاق الطائف الحرب ووضع إطاراً لإعادة بناء الدولة، لكن مسار الإصلاح لم يُستكمل، وبقيت البنود الأساسية المتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية والإصلاح المؤسسي معلّقة، فيما تحولت المحاصصة إلى ممارسة سياسية دائمة.
وفي المقابل، لا نرى أن الحل يكمن بالضرورة في هدم كل شيء والذهاب مباشرة إلى مؤتمر تأسيسي جديد، من دون توافق وطني واضح وصريح بين اللبنانيين. فلبنان بلد دقيق في تركيبته الوطنية، وأي تغيير في قواعد النظام السياسي من دون تفاهم وطني شامل قد يفتح أبواباً جديدة للصراع بدلاً من معالجة الأزمات القائمة.
إن الأولوية اليوم هي استكمال تنفيذ اتفاق الطائف، وإجراء الإصلاحات التي نص عليها، وبناء دولة المؤسسات، وصولاً إلى معالجة أصل المشكلة المتمثلة بالطائفية السياسية.
نريد لبنان الذي يكون فيه المواطن مواطناً قبل أن يكون ابن هذه الطائفة أو تلك، ونريد دولة تحمي جميع أبنائها على أساس المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.
أما إذا وصلنا إلى مرحلة يثبت فيها عجز النظام القائم عن إنتاج الحلول، وتعذّر التوافق الوطني ضمن آلياته ومؤسساته، فعندها يصبح البحث في صيغة تأسيسية جديدة أمراً يمكن أن يُطرح على اللبنانيين، ولكن ضمن حوار وطني شامل ومسؤول.
إن أي مؤتمر تأسيسي لا يجوز أن يكون مشروع غلبة فريق على آخر، ولا وسيلة لإعادة توزيع النفوذ والمكاسب، بل يجب أن يكون مشروعاً وطنياً جامعاً هدفه بناء الدولة وحماية وحدة لبنان وصيانة استقلاله وسيادته.
ختاماً،
إن لبنان لا يحتاج إلى تغيير لمجرد التغيير، كما لا يحتاج إلى التمسك بنظام أثبت عجزه عن معالجة أزماته. لبنان يحتاج إلى دولة حقيقية، وإلى إرادة سياسية وطنية تتجاوز المصالح الضيقة والحسابات الطائفية.
إذا كان تطبيق اتفاق الطائف واستكمال إصلاحاته قادراً على إيصالنا إلى دولة المواطنة والمؤسسات، فعلينا أن نذهب في هذا الاتجاه بكل جدية ومسؤولية. وإذا ثبت أن البنية السياسية القائمة تمنع قيام هذه الدولة، فعلى اللبنانيين أن يمتلكوا الشجاعة لفتح نقاش وطني حقيقي حول مستقبل نظامهم السياسي.
إن معركتنا الأساسية هي معركة بناء الدولة، وحماية وحدة لبنان، واستعادة قراره الوطني المستقل، وترسيخ انتمائه العربي، بعيداً عن الوصاية والتبعية والمحاصصة.