الراعي من بكركي: لبنان لا يتحمل حرباً جديدة وتحييده عن الصراعات يحمي استقراره

  • 08 November 2026
  • 12 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    شدّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب، مؤكدًا أن البلاد تحتاج إلى سلام ثابت ودولة تمسك بقرارها، ومرجعية وطنية واحدة في الأمن والسلم، بدل البقاء أمام احتمال اندلاع حرب جديدة كلما اشتعلت المنطقة. وفي موازاة ذلك، انتقد الخلل في إدارة الملفات العامة، من الكهرباء والنفايات إلى سلامة الغذاء، داعيًا إلى استعادة هيبة القانون وانتظام المؤسسات، ومطالبًا بترك التحقيقات القضائية في ملف ضهر البيدر تأخذ مجراها بعيدًا عن التجاذبات والتوظيف السياسي.

    وجاءت مواقف الراعي خلال ترؤسه قداس الأحد في كنيسة السيدة بالصرح البطريركي في بكركي، بمشاركة النائب البطريركي المطران أنطوان عوكر، وأمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، وأمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، وفي حضور رئيس المجلس التنسيقي المسيحي الدكتور فؤاد أبو ناضر، ورئيس مجلس القضاء الأعلى السابق جان فهد، وإيلي أبي طايع، ورابطة "كروس رود – درب الصليب" برئاسة روكز بو مسلم، إلى جانب حشد من الفعاليات والمؤمنين.

    وفي الشأن الوطني، أكد الراعي أن "لبنان يحتاج سلامًا ثابتًا، لا أن يبقى أسير احتمال حرب جديدة كلما اشتعلت المنطقة"، مشدّدًا على أن تحقيق ذلك "يقتضي دولة تمسك بقرارها، ومرجعية وطنية واحدة في الأمن والسلم، ومؤسسات قادرة على حماية الاستقرار".

    وأضاف: "من هنا تبرز أهمية تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب"، موضحًا أن "الحياد ليس انكفاءً عن الحق، ولا ابتعادًا عن محيط لبنان، بل حماية الوطن من أن يتحول إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، وتأكيدًا لدوره مساحة لقاء وحوار ورسالة للسلام".

    وانطلاقًا من هذا الموقف، دعا الراعي إلى إصلاح وطني يعيد الانتظام إلى مؤسسات الدولة، معتبرًا أن "لبنان أحوج ما يكون إلى إصلاح يعيد إلى المؤسسات انتظامها، وإلى القانون هيبته، وإلى الخدمة العامة معناها، وإلى المواطن ثقته بأن ما يتغيّر في وطنه يمكن أن يتغيّر فعلًا نحو الأفضل".

    وفي معرض تناوله الأزمات التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع، توقّف عند ملف الكهرباء والمرافق العامة، معتبرًا أن ما حصل يكشف جانبًا واضحًا من الخلل في إدارة المؤسسات.

    وقال: "ما شهدناه هذا الأسبوع عن الكهرباء والمرافق العامة يكشف جانبًا واضحًا من الخلل. أن يصل قطع التيار إلى إدارات ومؤسسات عامة، وخدمات واتصالات بسبب مستحقات متراكمة، هذا يعني أن المواطن يبقى في النهاية الحلقة التي تدفع ثمن سوء الانتظام".

    وانتقل الراعي إلى ملف النفايات والبيئة، رافضًا استمرار نقل النفايات بين المطامر والمناطق من دون معالجة جذرية للمشكلة.

    وشدّد على أنه "لم يعد مقبولًا أن تُنقل النفايات من مطمر إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى وكأن المشكلة حُلّت"، مؤكدًا أن الحل الجدّي يقوم على "الفرز والمعالجة والتدوير والمسؤولية المشتركة".

    ولفت إلى أن حماية البيئة تضمن صحة الإنسان وحقّه في أرض ومياه وهواء نظيف.

    وفي ملف سلامة الغذاء والصحة العامة، أكد الراعي أن حماية المواطن تبدأ من أبسط تفاصيل حياته اليومية، مشدّدًا على أن "الرقابة والمحاسبة ضرورة حين تصبح صحة الناس عرضة للإهمال أو الغش".

    أما في الشأن القضائي، فتوقّف عند ملف ضهر البيدر، معتبرًا أن استعادة الثقة بالدولة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقضاء والمحاسبة.

    وقال: "إن ملف ضهر البيدر دخل مرحلة قضائية جديدة، ما يقتضي أن يأخذ التحقيق مجراه كاملًا بعيدًا عن الاستباق والتجاذب والتوظيف السياسي".

    وفي سياق متصل، أعلن الراعي أن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان سيعقد دورته السنوية اعتبارًا من يوم الاثنين، على مدى أسبوع، كاشفًا عن تسلّمه رسالة بعنوان "صرخة من القرى المسيحية الحدودية الخمس في الجنوب: رميش ودبل وعين إبل وعلما الشعب والقوزح"، تتضمّن 10 مطالب وصفها بالملحّة والمحقّة.

    وأكد لأهالي هذه القرى أن "صرختهم وقعت في ضمائرنا وقلوبنا كرعاة للكنيسة، وأنها ستحتل حيّزًا كبيرًا من مداولاتنا"، داعيًا أبناء الكنائس إلى مرافقة أعمال المجلس بصلواتهم.

    وكان الراعي قد استهلّ عظته بالحديث عن احتفال الكنيسة المارونية بذكرى تجديد الهيكل وتكريسه، موضحًا أن التجديد الحقيقي لا يقتصر على الحجارة والمظاهر والطقوس، بل يصل إلى أعماق الإنسان ويمنح حياته معنى جديدًا.

    واستحضر الحوار الذي دار بين يسوع واليهود الذين طالبوه بإعلان هويته المسيحانية صراحة، فأجابهم بأن أعماله التي يصنعها باسم أبيه تشهد له، لكنهم لم يؤمنوا بكلامه، قبل أن يعلن حقيقة علاقته بالآب بقوله: "أنا والآب واحد".

    وأوضح أن المسيح جاء ليمنح العالم حياة جديدة، ويقيم الكنيسة جماعة مؤمنة تحمل رسالته وتواصل عمله الخلاصي، مشيرًا إلى أنه لم يأتِ ليجدّد ما يحيط بالإنسان فحسب، بل ليجدّد الإنسان نفسه ويجعل من حياته طريقًا إلى الله.

    وفي هذا الإطار، رحّب الراعي بالمشاركين في القداس، وخصّ بالتحية رابطة "كروس رود – درب الصليب"، التي تضم أشخاصًا من خلفيات حزبية وسياسية مختلفة، كانوا من بين الذين خاضوا الحرب دفاعًا عن الوجود المسيحي في لبنان.

    وأشار إلى أن ما جمع أعضاء الرابطة بعد الحرب لم يكن الانتماء الحزبي، بل الجرح الواحد والمعاناة المشتركة والإيمان بأن الإنسان لا يُترك وحيدًا في مواجهة آلامه.

    وأشاد بقدرتهم، رغم إعاقاتهم وجراحهم، على مدّ يد المساعدة إلى رفاقهم وتأسيس شبكة من التضامن والوفاء، في وقت عجزت فيه الأحزاب، على اختلافها، عن جمع هؤلاء الرفاق حول احتياجاتهم الإنسانية والمعيشية والصحية.

    ولفت إلى أن الرابطة، التي تأسّست عام 1995، واصلت رسالتها رغم الصعوبات المادية والمعنوية، مستمدّة قوتها من الإيمان والأمل وقناعتها بأن التضامن ليس شعارًا، بل فعل محبة ومسؤولية يُمارس يوميًا.

    وأوضح أنها لا تزال تعمل على تأمين الاحتياجات الطبية والأدوية لرفاقها، ومتابعة أوضاعهم الصحية، وتنظيم الفحوص الطبية الدورية، والوقوف إلى جانب كل من يحتاج إلى مساعدة أو رعاية.

    وفي الجانب الروحي من عظته، استشهد الراعي بما ورد في سفر الرؤيا: "ها أنا أصنع كل شيء جديدًا" (رؤيا 21: 5)، موضحًا أن التجديد الذي يحققه الله يبدأ من القلب ويمتد إلى الحياة والعلاقات والجماعة المؤمنة.

    وأكد أن المسيح جاء ليكشف محبة الآب ويصالح الإنسان مع الله ويحرّره من الخطيئة ويفتح أمامه طريق الحياة الأبدية، مشيرًا إلى أن ما حمله لم يكن مجرد تعليم أخلاقي، بل حياة جديدة تقوم على الإيمان به والاتحاد معه.

    وتناول الراعي الأبعاد الثلاثة المترابطة للكنيسة، وهي "الكنيسة السرّ، والكنيسة الشركة، والكنيسة الرسالة"، موضحًا أن الكنيسة السرّ هي جسد المسيح السرّي الذي يصبح المؤمنون أعضاء فيه بالمعمودية، فيولدون للحياة الجديدة ويشتركون في موت المسيح وقيامته ويدخلون في علاقة بنوية مع الله.

    أما الكنيسة الشركة، فتجمع المؤمنين في الاتحاد بالله والوحدة فيما بينهم، فيما تُؤتمن الكنيسة الرسالة على البشارة التي تسلّمتها من المسيح، من خلال إعلان الإنجيل والشهادة لموته وقيامته والدعوة إلى التوبة والخلاص.

    وشدّد على أن الكنيسة مدعوّة إلى الشهادة للمسيح بأعمالها، وجعل المحبة والرحمة والحق حضورًا حيًا للإنجيل في العالم، معتبرًا أن تجديد الكنيسة لا يعني تغيير إيمانها أو التخلّي عن تقليدها الرسولي، بل العودة المتواصلة إلى المسيح وإحياء الأمانة لكلمته وتعميق الوحدة والمحبة بين أبنائها.

    وأضاف أن الحياة المسيحية مسيرة تجديد متواصلة، إذ يتجدّد القلب بالتوبة، والعلاقات بالمغفرة، والشركة بالمصالحة، والحياة بالمحبة، مؤكدًا أن مفهوم التجديد لا يقتصر على الشأن الروحي، بل يمتد إلى الحياة الوطنية ومؤسسات الدولة.

    وختم الراعي عظته بالدعاء إلى الله أن يجدّد الإنسان بنعمة الخلاص، وأن يجدّد لبنان بجميع مقوّماته.

  • Just in

Just in