إبراهيم الرز -
أعادت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات الإسرائيلية طرح الأسئلة حول مستقبل اتفاق الإطار والمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في ظل التحولات السياسية التي شهدتها واشنطن وتل أبيب. وإذا كانت الخسارة الكبيرة للجمهوريين قد أحدثت زلزالاً سياسياً داخل الولايات المتحدة، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية فتحت مرحلة من الغموض بشأن هوية الحكومة المقبلة وتوجهاتها. وبين هذين التطورين، يبرز السؤال حول مدى انعكاس موازين القوى الجديدة على اتفاق الإطار، وما إذا كانت ستؤدي إلى إعادة تفعيل المفاوضات أو إطالة أمد الجمود الحالي.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر مقربة من المفاوضات لـ"المدن" أنه لم يُحدَّد حتى الآن أي موعد لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، مشيرة إلى أن المسار دخل مرحلة جمود فعلي. وتوضح المصادر أن الإدارة الأميركية لم تتخلَّ عن اتفاق الإطار، وأن الملف لا يزال مطروحاً على طاولتها، إلا أن العمل عليه مجمد حالياً، في انتظار اتضاح الظروف السياسية التي تسمح باستئنافه.
واشنطن بعد الزلزال الانتخابي
على المستوى الأميركي، لا يمكن التقليل من حجم تداعيات الانتخابات النصفية، بعدما خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، في نتيجة عكست حجم الاعتراض الداخلي على سياسات الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية. فالنتائج لم تضعف موقع الرئيس سياسياً فحسب، بل منحَت الديمقراطيين أدوات مؤثرة لمساءلة الإدارة ومراجعة سياساتها الخارجية، بما فيها الحرب على إيران والعلاقة مع إسرائيل.
لكن تأثير هذه النتائج على اتفاق الإطار ليس مباشراً بالضرورة. فإدارة السياسة الخارجية تبقى بيد الرئيس، فيما يستطيع الكونغرس التأثير من خلال الرقابة والتمويل والتشريعات. وبالتالي، لا تعني الخسارة الانتخابية تغييراً تلقائياً في الموقف الأميركي من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، لكنها قد تؤثر على مستوى الاهتمام الذي توليه الإدارة لهذا المسار، وعلى استعدادها لاستثمار المزيد من الجهد الدبلوماسي في سبيل إنجاحه.
وتبرز هنا فرضيتان متعارضتان. الأولى أن تدفع تداعيات الهزيمة إدارة ترامب إلى الانكفاء نسبياً عن بعض الملفات الإقليمية، والتركيز على مواجهة الضغوط الداخلية والتعامل مع تداعيات الحرب على إيران. أما الثانية، فتتمثل في سعي الرئيس الأميركي إلى تحقيق إنجازات خارجية تعوّض خسارته السياسية، خصوصاً أن التوصل إلى تفاهمات إقليمية قد يشكل فرصة لتقديم نتائج ملموسة في النصف الثاني من ولايته.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي أداه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في إطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والتوصل إلى اتفاق الإطار في 26 حزيران الماضي. فالمسار التفاوضي يُعدّ أحد إنجازاته الدبلوماسية، وارتبط بالجهود التي قادها لإرساء ترتيبات أمنية جديدة.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية عن مصادر أميركية وبريطانية توقعات بإمكان استقالة روبيو من إدارة ترامب، تمهيداً لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2028، في ظل دعوات للابتعاد عن تداعيات الحرب على إيران. ورغم نفي الإدارة الأميركية والخارجية هذه المعلومات، فإن احتمال خروجه، إذا تحقق، يطرح تساؤلات بشأن مستقبل الجهود الدبلوماسية التي قادها، ومدى احتفاظ الملف اللبناني بالأولوية نفسها لدى من قد يتولى إدارته.
الحكومة الإسرائيلية ومصير الاتفاق
غير أن المصادر المقربة من المفاوضات تعتبر أن العامل الإسرائيلي يبقى الأكثر تأثيراً على مستقبل اتفاق الإطار. فالانتخابات الإسرائيلية انتهت من دون أن تحسم هوية الحكومة المقبلة، بعدما فقد معسكر بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، في مقابل عدم امتلاك خصومه مساراً مضموناً لتشكيل حكومة بديلة.
وتشير المصادر إلى أن المرحلة الحالية تفرض انتظار نتائج المشاورات الحكومية، لمعرفة ما الذي ستطرحه الحكومة الجديدة، إذا تشكلت، بشأن اتفاق الإطار والترتيبات الأمنية المرتبطة به. فاستئناف المفاوضات يحتاج إلى طرف إسرائيلي قادر على اتخاذ قرارات تتعلق بالانسحاب وآليات تنفيذ الاتفاق، وهي مسائل لا يمكن فصلها عن طبيعة الائتلاف الحاكم وتوجهاته السياسية والأمنية.
ولا يعني تشكيل حكومة بديلة لنتنياهو بالضرورة تحولاً جذرياً في الموقف الإسرائيلي تجاه لبنان، خصوصاً أن المطالب الأمنية المتعلقة بحزب الله لا تقتصر على معسكر سياسي واحد. لكن الاختلاف قد يظهر في مقاربة تنفيذ الاتفاق، ومدى الاستعداد للانتقال من الشروط المسبقة إلى ترتيبات متبادلة تتيح تحقيق تقدم فعلي.
ومن هنا، فإن تأثير الانتخابات الإسرائيلية على المفاوضات يبدو أكثر مباشرة من تأثير الانتخابات الأميركية. ففي واشنطن، يتعلق الأمر بتبدل التوازنات السياسية وأولويات الإدارة، بينما يرتبط الأمر في إسرائيل بطبيعة السلطة التي ستتخذ القرارات التنفيذية، وبما إذا كانت ستتمسك بالتفاهمات القائمة أو تسعى إلى تعديلها.
لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات
وفي موازاة هذه التطورات، تحدد المصادر ثلاثة سيناريوهات محتملة أمام لبنان. يتمثل الأول، وهو الأسوأ، في اتساع الحرب الإقليمية، بما قد يؤدي إلى انهيار المسارات التفاوضية وعودة لبنان إلى مواجهة عسكرية واسعة. وتلفت المصادر إلى أن أحد أبرز عناصر القلق يتعلق بعدم معرفة ما قد يقدم عليه حزب الله في حال توسع الحرب. وفي هذا السياق، يصعب فصل خيارات الحزب عن حسابات طهران، خصوصاً أن ارتباطه الاستراتيجي بإيران يجعل قراراته العسكرية متأثرة بمسار المواجهة الإقليمية.
أما السيناريو الثاني، فهو استمرار الوضع القائم، أي بقاء المفاوضات مجمدة واتفاق الإطار من دون تنفيذ. وتعتبر المصادر أن هذا السيناريو ليس إيجابياً للبنان، لأن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب وقف فعلي لإطلاق النار يعنيان بقاء الجنوب تحت الضغط، من دون تحقيق الانسحاب الإسرائيلي أو تقدم في الترتيبات الأمنية. فالمراوحة، وإن كانت أقل خطورة من الحرب الشاملة، تكرس استمرارها ولا تقدم معالجات.
ويبقى السيناريو الثالث، والأفضل وفق المصادر، التوصل إلى اتفاق إقليمي أوسع ينهي الحرب مع إيران ويفتح المجال أمام إعادة تفعيل المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية. فمن شأن تفاهم كهذا أن يخفف العقبات الإقليمية التي تعترض تنفيذ اتفاق الإطار، وإن كان لا يلغي الحاجة إلى معالجة الخلافات المباشرة بشأن الانسحاب وحصرية السلاح والضمانات الأمنية.
وفي المحصلة، لم تُسقط نتائج الانتخابات الأميركية اتفاق الإطار من حسابات واشنطن، لكنها طرحت تساؤلات حول مستوى انخراط الإدارة في المرحلة المقبلة. أما نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فقد جعلت استئناف المفاوضات مرتبطاً إلى حد كبير بهوية الحكومة التي ستتشكل وتوجهاتها. ولذلك، يبقى الاتفاق قائماً سياسياً ومجمداً عملياً، فيما يتوقف الانتقال إلى مرحلة جديدة على الموقف الإسرائيلي أولاً، وعلى استعداد واشنطن لاستعادة دورها التفاوضي.