مرلين وهبة -
ترحّب بريطانيا بقرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتصفه بالتاريخي، وتبدي استعدادها لدعم تنفيذه. وفي مقابلة مع «الجمهورية»، تؤكّد جوسلين وولار، الناطقة الرسمية باسم الحكومة البريطانية باللغة العربية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنّ الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يتيح فرصة للتقدّم نحو سلام دائم، وأنّ لندن تستطيع دعم هذا المسار ديبلوماسياً. وفي الجنوب، تقول إنّ مشاركة قوات بريطانية في الترتيبات الأمنية المستقبلية قيد الدرس، فيما يستمرّ الدعم البريطاني للجيش اللبناني.
أخبارلبنان المحلية
وتدعو الناطقة باسم الحكومة البريطانية، إلى التعامل مع الملف اللبناني على نحو مستقلّ، احتراماً لسيادة لبنان، وتشدّد على أنّ الديبلوماسية هي السبيل الوحيد إلى تسوية مستدامة تعالج المخاوف المرتبطة ببرنامج إيران النووي وأنشطتها المزعزعة للاستقرار.
زارت السيدة وولار مكاتب جريدة «الجمهورية» أمس، وتناولت المقابلة معها أبرز أحداث الساعة ومواقف بريطانيا في شأنها، بالإضافة إلى شروط عودة النازحين السوريّين، والمساعدات الإنسانية، والإصلاحات اللازمة لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي.
دعم لبنان على المديَين القصير والطويل
• تأتون إلى بيروت في مرحلة دقيقة للبنان والمنطقة. ما الرسالة الأساسية التي تحملونها للبنانيّين؟ وما الذي تستطيع بريطانيا تحديداً تقديمه عملياً لحماية استقرار بلدهم؟
- شكراً جزيلاً على الاستضافة اليوم. يسعدني أن أكون معكم هنا في «الجمهورية». هذه بالتأكيد مرحلة حسّاسة للمنطقة كلّها. ورسالتي بسيطة. المملكة المتحدة تقف إلى جانب الشعب اللبناني، الذي دفع ثمناً باهظاً في الفترة الأخيرة وعلى مدى السنوات الماضية، مع توالي الصراعات وغيرها من الأزمات. ونحن نقرن هذا الموقف بأفعال وبدعم ملموس للحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في مجالات عدّة.
ندعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية لبناء قدراتها على حماية سيادة لبنان وسلامة أراضيه. ونعمل مع الحكومة اللبنانية على المدى القصير لتلبية الاحتياجات الإنسانية الناجمة عن الحرب وتداعياتها هذا العام. وعلى المدى الطويل، ندعم خطط الحكومة لبناء قدرات المؤسسات الوطنية على تقديم الخدمات للشعب اللبناني ودفع البلاد نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً. ونحن نعتزّ بهذه الصداقة، ونظلّ ملتزمين بدعم لبنان اليوم وفي المستقبل، ونفخر بالمساعدات التي نقدّمها. أخبارلبنان المحلية
سيادة لبنان وأدوات الضغط الديبلوماسي
• تؤكّد لندن دعم سيادة لبنان وسلامة أراضيه. ما أدوات الضغط التي أنتم مستعدون لاستخدامها لحمل إسرائيل على احترام هذه السيادة؟ وكيف يمكن تحويل الموقف البريطاني من إعلان سياسي إلى نتائج يلمسها اللبنانيون؟
- دعم سيادة لبنان في صميم جهودنا في البلاد. وكما قلت، نحن نعمل بصورة مكثّفة وعملية لدعم هذا الموقف، وأولاً عبر الأدوات الديبلوماسية. فنحن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ونستخدم كل الأدوات الديبلوماسية لدعم هذا الموقف.
الضغط على إسرائيل
• إذاً، تعوّلون على الأدوات الديبلوماسية للضغط على إسرائيل؟
- تماماً، لتأكيد المواقف المنسّقة في المجتمع الدولي بشأن أهمية احترام سيادة لبنان. وهذا ما نعمل عليه ديبلوماسياً إلى جانب شركائنا، ومنهم فرنسا والولايات المتحدة. أمّا على الأرض، فقد قدّمنا منذ عام 2017 أكثر من 190 مليون جنيه إسترليني لدعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية، وبناء قدراتها على حماية سيادة لبنان. ونحن ملتزمون بدعم هذه السيادة ديبلوماسياً وعملياً، بما يصبّ في مصلحة الشعب اللبناني. أخبارلبنان المحلية
حصر السلاح وتنفيذ القرار
• كيف تقيّمون خطوات الرئاسة والحكومة في حصر السلاح بيد الدولة؟ وما الدعم الذي يمكن أن تقدّمه بريطانيا لإنجاح هذا المسار مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنّب المواجهة بين اللبنانيّين؟
- هذا مبدأ أساسي لمستقبل لبنان، لأنّ الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تكون مسؤولة عن شؤون أمن الدولة وسلامة أراضيها. وهذا يعني حصر السلاح بيد الدولة. نرحّب بهذا القرار التاريخي، ونريد الآن أن نرى تنفيذه. ونحن على استعداد لدعم الحكومة اللبنانية والمؤسسات اللبنانية. تحدّثتُ عن الدعم الذي نقدّمه للجيش اللبناني في دوره المحوري بوصفه المدافع الشرعي الوحيد عن لبنان. وسنواصل أيضاً جهودنا الديبلوماسية إلى جانب الحكومة اللبنانية انطلاقاً من هذا الموقف.
دعم الجيش بعد المناورات المشتركة
• بعد التدريبات المشتركة الأخيرة، ما الخطوة التالية في دعم الجيش اللبناني؟ هل أنتم مستعدون مثلاً لتوسيع المساعدات لتشمل تجهيزات وقدرات تمكّنه من ضبط الحدود وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها؟
- دعمنا للجيش اللبناني يتجاوز التدريب. فالمناورة الأخيرة كانت مناورة مشتركة تدلّ إلى الشراكة الوثيقة بين الجيش اللبناني والجيش البريطاني، ونحن نعتزّ بهذه الشراكة. ويشمل دعمنا المناورات والتدريب والمعدّات والمساعدة في بناء البنية التحتية. والهدف من ذلك كلّه هو بناء قدرات الجيش اللبناني على أداء هذا الدور المحوري. ونظلّ ملتزمين بمواصلة هذا الدعم على المدى الطويل، بما يصبّ في مصلحة لبنان.
المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية وفرص السلام الدائم
• ما الدور الذي تستطيع بريطانيا القيام به لدفع المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية نحو نتائج ملموسة؟ وما الضمانات التي ترونها ضرورية ليتحوّل أي تفاهم إلى أمن دائم عوضاً عن هدن قابلة للانهيار؟
- أعتقد أنّ عبارة «هدن موقتة» في صلب السؤال. الشعب اللبناني يستحقّ أكثر من هدن موقتة، ويستحقّ أن يعيش في سلام وازدهار على المدى الطويل. نحن بالطبع لسنا طرفاً في هذه المفاوضات، ونرحّب بدور الولايات المتحدة في رعاية هذه المحادثات التاريخية، التي تشكّل حواراً مباشراً بين الحكومتَين اللبنانية والإسرائيلية. وهي فرصة حقيقية للتقدّم نحو مستقبل أكثر أمناً. المسار الديبلوماسي لا يسير أبداً في خط مستقيم. سنواجه عقبات وصعوبات وتحدّيات، وستتطلّب هذه المحادثات الشجاعة والاستعداد للتسوية والصبر. لكنّ المحادثات والمسار الديبلوماسي أفضل بكثير من الحرب وما تجلبه من مزيد من الصراعات والقتل والأضرار. أمّا دور المملكة المتحدة، فنحن نعتزّ بصداقتنا الوثيقة مع لبنان. ولدينا أيضاً علاقات وثيقة مع دول في المنطقة، ومع إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا. لذا يمكننا دعم هذه المحادثات ديبلوماسياً، عبر العمل المشترك وتنسيق المواقف، وسنواصل هذه الجهود. أخبارلبنان المحلية
إيران واستقلال الملف اللبناني
• هل يمكن، في تقديركم، تثبيت استقرار لبنان بمعزل عن مسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؟ وكيف يمكن ضمان ألّا يتحوّل لبنان إلى ورقة تفاوض أو ساحة ضغط في أي مواجهة إقليمية؟
- أتفهّم المخاوف التي تقف وراء هذا السؤال. ومن المهمّ الإقرار بأنّ الشعب اللبناني دفع ثمناً باهظاً هذا العام وفي السنوات السابقة، بسبب حروب وصراعات لم يخترها، في ظلّ الوضع الإقليمي وعوامل أخرى. لذلك أعتقد أنّ الشعب اللبناني يستحقّ أن نتعامل مع ملفّه باعتباره ملفاً مستقلاً، لأنّ ذلك يتماشى مع سيادة لبنان.
وبالطبع، تطال التطوّرات الإقليمية كلّ دول المنطقة، وتمتدّ آثارها إلى خارجها أيضاً. فللحرب بين الولايات المتحدة وإيران تداعيات خطيرة على لبنان ودول المنطقة ودول خارجها، ولا سيّما على الاقتصاد العالمي. وأولويتنا في هذه المرحلة هي تكثيف العمل لتجنّب تصعيد جديد. ثمّة مخاوف من العودة إلى العمليات القتالية ومن تجدّد التصعيد. وهذا لا يصبّ في مصلحة شعوب المنطقة أو العالم.
لذلك نعمل جميعاً في الحكومة البريطانية، وفي مقدّمنا وزير الخارجية، بلا كلل لدعم الجهود الديبلوماسية، حتى نتوصّل إلى تسوية مستدامة تعالج المخاوف المتعلّقة ببرنامج إيران النووي أو أنشطتها المزعزعة لاستقرار المنطقة. والديبلوماسية هي السبيل الوحيد لتحقيق ذلك وتجنّب المزيد من الحروب.
الحدود مع سوريا وعودة النازحين
• كيف تنظرون إلى تأثير التطوّرات في سوريا على أمن لبنان؟ وما الذي تستطيع بريطانيا تقديمه لضبط الحدود وتهيئة شروط عودة آمنة وطوعية وكريمة للنازحين؟
- تمثّل التطوّرات في سوريا بالتأكيد تحوّلاً محورياً في المنطقة، وقد تتيح فرصة حقيقية لإحلال الاستقرار فيها. ولها بالطبع تداعيات مهمّة على أمن لبنان، ولا سيّما على الحدود اللبنانية السورية. ومن خلال دعمنا للجيش اللبناني، نساعد لبنان في تعزيز قدراته على حماية هذه الحدود.
وفي ما يخصّ اللاجئين السوريين في لبنان، أودّ الإقرار بأنّ لبنان استضاف على مدى سنوات ملايين اللاجئين السوريين. وأعتقد أنّه يستضيف أعلى نسبة من اللاجئين قياساً إلى عدد سكانه في العالم. وهذا يعكس كرم الشعب اللبناني، ويترتّب عليه في الوقت نفسه آثار كبيرة على الاقتصاد اللبناني والشعب اللبناني. ومنذ عام 2011، قدّمنا أكثر من مليار جنيه إسترليني لدعم اللاجئين السوريين في لبنان والمجتمعات المضيفة لهم. نريد أن نرى تطوّرات تتيح للاجئين السوريين العودة إلى ديارهم في بلدهم. وقد عاد بعضهم، لكنّ نسبة العائدين لا تزال محدودة. والأهمّ، كما قلتم، أن تكون أي عودة طوعية وآمنة وكريمة، بما يتماشى مع القانون الدولي.
التعافي والإصلاح والاستثمار
• كيف توازنون بين ربط الدعم بالإصلاحات وحاجة اللبنانيين الملحّة إلى التعافي وإعادة الإعمار؟ وهل لدى بريطانيا مبادرات محدّدة لتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل؟
- أعتقد أنّ التوازن مهمّ في هذا الأمر. فبعد ما حدث في لبنان هذا العام، مع نزوح أكثر من مليون شخص، يحتاج الشعب اللبناني إلى مساعدات عاجلة. وقد قدّمنا هذا العام 43 مليون جنيه إسترليني من المساعدات الإنسانية، وندعم الجهود التي تقودها الحكومة اللبنانية لتلبية هذه الحاجة. أمّا على المدى البعيد، فما يحتاج إليه الشعب اللبناني هو اقتصاد قوي يخلق فرص العمل ويمنح الناس أملاً بالمستقبل. لذلك نعمل مع الحكومة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات الأساسية لبناء اقتصاد أكثر استقراراً. وهذا يتطلّب استعادة الثقة بالنظام المصرفي. وأطلقنا في وقت سابق من هذا العام غرفة تجارة بريطانية- لبنانية لتعزيز الصلات بين الشركات اللبنانية والبريطانية، وجذب الاستثمارات الدولية، وبناء اقتصاد أكثر استقراراً.
مستقبل الجنوب بعد «اليونيفيل»
• ما التصوّر البريطاني للترتيبات الأمنية المستدامة في جنوب لبنان ولدور الأمم المتحدة فيها؟ وكيف يمكن ضمان عدم نشوء فراغ أمني؟ وقبل المقابلة، سمعتُ تقريراً يفيد بأنّ بريطانيا لا ترغب في المشاركة في قوات «اليونيفيل» أو في قوة بديلة منها. هل من تعليق؟
- الحفاظ على الاستقرار في الجنوب أولوية أساسية لدينا. ونقدّر الدور الذي أدّته قوات «اليونيفيل» على مدى عقود. وتحدّثنا عن دعمنا للجيش اللبناني بوصفه المدافع الشرعي الوحيد عن لبنان. وثمّة حوار جارٍ حالياً حول المستقبل والترتيبات الأمنية. وأولويتنا أن تكون هناك ترتيبات تضمن انتقالاً منظّماً من المرحلة الحالية إلى المرحلة المقبلة، وتحافظ على استقرار الجنوب وتدعم استقرار البلد بما يصبّ في مصلحة الشعب اللبناني.
وفي ما يخصّ دور بريطانيا، نحن على استعداد لدعم هذه الترتيبات عندما نطّلع على تفاصيلها كاملة. أمّا مشاركة قوات بريطانية فما زالت معلّقة، إذ إنّ هذه المسائل كلّها قيد الدرس والنقاش. ونحن ندعم الجيش اللبناني، وسيستمرّ هذا الدعم في المستقبل.