غادة حلاوي -
لم يعد السؤال المطروح حول العلاقة بين حركة أمل وحزب الله ما إذا كانت هناك تباينات بينهما، بل ما إذا كانت قواعد الشراكة التي حكمت تحالفهما طوال عقود لا تزال صالحة لإدارة مرحلة تبدّلت فيها الظروف وموازين القوى. فقد تجاوزت الاختلافات حدود التقديرات السياسية إلى مواقف متباينة من الحكومة وقرار الحرب والسلم والعلاقة بمؤسسات الدولة. وجاء كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أن العلاقة كانت أقرب في عهد السيد حسن نصرالله، ورفضه معادلة الأخ الأكبر والأخ الأصغر، ليطرح سؤالاً يتجاوز العلاقة الشخصية بين القيادتين إلى طبيعة المشاركة في القرار وتحمّل تبعاته.
وتفتح التطورات الممتدة من حرب إسناد غزة، مروراً بانتخاب الرئيس جوزاف عون، وصولاً إلى الحرب الأخيرة وما أعقبها من قرارات سياسية وأمنية، باباً لإعادة قراءة هذه العلاقة. ويمكن فهم كلام بري بوصفه تعبيراً عن رغبة في شراكة أوضح في القرارات الكبرى، ولا سيما تلك التي تترتب عليها نتائج يتحملها الطرفان معاً.
وظهرت التباينات بصورة ملموسة في جلسة مجلس النواب في 16 أيلول الماضي، عندما منحت كتلة التنمية والتحرير حكومة نواف سلام الثقة، فيما غادر نواب حزب الله القاعة من دون المشاركة في التصويت. وهكذا تجاوز الاختلاف حدود النبرة إلى سلوكين سياسيين مختلفين تجاه الحكومة نفسها.
أما المفارقة الأكثر دلالة فتعود إلى قرار مجلس الوزراء في الثاني من آذار، الذي حظر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية، وأبقى عمله السياسي ضمن الأطر القانونية. فقد أعلن وزير العدل عادل نصار أن وزراء أمل أيدوا القرار، فيما اعترض وزراء الحزب من دون الانسحاب من الجلسة. وبحسب تقارير صحافية، ربط حزب الله استئناف الحوار مع رئاسة الجمهورية بالتراجع عن القرار، من دون أن يظهر طلب مماثل إلى حليفه لإعادة النظر في موقف وزرائه. وهو تباين يطرح سؤالاً عن حدود التضامن بين طرفَي التحالف عندما يتعلق الأمر بقرارات تمسّ أحدهما بصورة مباشرة.
وفي الميدان، تداولت وسائل إعلام روايات عن احتكاكات في البيسارية وعربصاليم، وربط بعضها هذه الحوادث باعتراضات على نقل وسائل قتالية إلى مناطق سكنية. غير أن مختار البيسارية نفى ارتباط الإشكال بمنصات الصواريخ أو بأي خلاف حزبي، فيما أكدت بلدية عربصاليم أن الحادث الذي شهدته البلدة كان فردياً ومحدوداً. لذلك لا يمكن اعتماد هاتين الحادثتين دليلاً مثبتاً على خلاف تنظيمي، وإن كان تداول مثل هذه الروايات يعكس حساسية العلاقة بين القواعد الشعبية في ظل الظروف الراهنة.
تحالف عمره أكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد
شهد لبنان، منذ عهد الانتداب وحتى اليوم، سلسلة طويلة من التحالفات السياسية، من الكتلتين الوطنية والدستورية إلى الحلف الثلاثي، ومن الحركة الوطنية اللبنانية والجبهة اللبنانية إلى تفاهم مار مخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر. تحالفات تبدلت أو انتهت، فيما حافظ التفاهم بين أمل وحزب الله على استمراريته، رغم ما شهده من خلافات ومواجهات وتباينات.
وتعود جذور هذا التحالف إلى تفاهم عام 1990 الذي أنهى مرحلة دامية من المواجهات بين الطرفين، قبل أن يتبلور انتخابياً عام 1992، ويتطور إلى تنسيق سياسي وانتخابي مستمر.
لكن العلاقة لم تكن خالية من المنافسة. فقد خاض الطرفان معارك انتخابية متقابلة، ولا سيما في الانتخابات البلدية عامَي 1998 و2004، في عدد من البلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية، قبل أن يستقر التنسيق الانتخابي بصورة أكثر انتظاماً في المراحل اللاحقة.
وتبرز أهمية هذه المحطات التاريخية في أنها تؤكد أن التحالف لم يكن يوماً قائماً على التطابق الكامل، وأن الطرفين امتلكا القدرة على تجاوز خلافات عميقة. غير أن التباينات الراهنة تختلف في طبيعتها، لأنها تتناول مسائل تتصل بقرار الحرب والسلم، والعلاقة مع الدولة، وحدود القرار المنفرد.
حركة أمل: تحالف مرن لا يلغي استقلالية القرار
في توصيف مصادر بارزة في حركة أمل، جاء التحالف بعد مرحلة عصيبة ومريرة، جرى تجاوزها بإرادة التفاهم بين رئيس الحركة نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي. وبعد اغتيال الموسوي عام 1992، نشأت علاقة وثيقة بين بري وخليفته السيد حسن نصرالله، غلبت عليها الكيمياء الشخصية والتفاهم السياسي.
وتشير المصادر إلى أن نصرالله كان يعتبر التفاهم مع بري أولوية، حتى عندما يترتب على ذلك تقديمه على العلاقة مع أطراف أخرى. ومع مرور السنوات، وخصوصاً منذ عام 2005، أصبح التواصل بين الرجلين مباشراً وميسّراً، قبل أن تفرض الظروف الأمنية المحيطة بقيادة حزب الله قيوداً متزايدة على طبيعة الاتصال.
ومن هذا المنطلق، تفسّر المصادر كلام بري عن أن العلاقة كانت أقرب في عهد نصرالله بأنه إشارة إلى سهولة التواصل المباشر ومستوى الثقة الشخصية، لا إعلاناً عن تراجع جوهري في التحالف.
وتؤكد المصادر أن العلاقة لم تكن قائمة في أي مرحلة على التطابق في جميع الملفات، فالأمر يتعلق بتنظيمين مستقلين، لكل منهما أطره وحساباته، لكنهما يلتقيان عند مجموعة من المصالح والقضايا الأساسية، وفي مقدمها الجنوب، والتحديات التي تواجه الطائفة الشيعية، والاستحقاقات السياسية والوطنية.
وتستشهد المصادر بمستوى الثقة الذي بلغه التنسيق الانتخابي، إذ لم يستغرق الاتفاق على توزيع المقاعد والأسماء في الانتخابات النيابية الأخيرة، بحسب روايتها، أكثر من خمس دقائق. كما أصبح التنسيق في تشكيل الحكومات والتعيينات والقضايا الاجتماعية جزءاً من آلية العمل المشترك.
وترى أن وجود اختلافات سياسية أو تباينات بين القواعد الشعبية لا يعني بالضرورة نشوء أزمة تهدد جوهر التحالف. فهناك حرص لدى بري على متابعة العلاقة وتثبيتها، كما أن الطرفين أظهرا، خلال مراحل مختلفة، قدرة على احتواء الخلافات ومنع انتقالها إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا الإطار، تنسب المصادر إلى بري دوراً أساسياً في احتواء التوترات الأخيرة ومنع انتقال الخلاف السياسي إلى الشارع أو تفجير الحكومة، مع تجاوب حزب الله مع جهوده.
أما التباين في العلاقة مع رئيس الجمهورية، حيث يستمر التواصل بين بري وجوزاف عون فيما تتعثر العلاقة بين الرئاسة وحزب الله، فترده المصادر إلى اختلاف طبيعة الدور الذي يؤديه كل طرف. وتذكّر بأن بري، انطلاقاً من موقعه السياسي والدستوري، لا يعتمد القطيعة نهجاً في إدارة العلاقات.
وتشير إلى استمرار قنوات التنسيق التنظيمي، ولا سيما بين رئيس المجلس السياسي في حزب الله الشيخ علي دعموش ورئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل مصطفى فوعاني، فضلاً عن الاجتماعات السياسية الدورية بين معاوني القيادتين.
ولا ترى المصادر أن الخلاف بشأن الانخراط في الحرب، على الرغم من أهميته، سيؤدي إلى تغيير جذري في العلاقة داخل الساحة الشيعية. فالعوامل التي أسست للتحالف، وفي مقدمها قضية الجنوب واستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، لا تزال قائمة.
وتضيف أن المرجعيات الدينية، من العراق إلى إيران، تولي العلاقة اهتماماً، انطلاقاً من الحرص على منع انتقال الخلافات إلى داخل البيئة الشيعية. وفي المقابل، تقرّ المصادر بوجود تنوع سياسي وفكري داخل هذه البيئة، يضم علماء دين ونخباً وشخصيات متعددة الاتجاهات، معتبرة أن مشروع الإمام موسى الصدر ورؤيته الوطنية يشكلان مرجعية واسعة تتجاوز الانتماءات التنظيمية.
حزب الله: علاقة جيدة وتباينات مفهومة
في المقابل، يصف حزب الله علاقته بنبيه بري بأنها جيدة، ويعتبر المطلعون على موقفه أن التباينات القائمة لا تنفي وحدة التوجه في القضايا الأساسية.
ويشير هؤلاء إلى أن بري يتمتع، بحكم موقعه رئيساً لمجلس النواب، بهامش حركة سياسي ودبلوماسي يتيح له إدارة علاقات مع أطراف خارجية، من واشنطن إلى الرياض، تختلف عن طبيعة العلاقات والقيود التي تحكم حركة الحزب.
ولا ينكر المطلعون بروز اختلافات في بعض المحطات، ومنها قضية شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، التي أعلن حزب الله ملكيتها. لم يكن الحزب مضطراً إلى ذلك في وقت كانت تجري فيه محاولات لمعالجة الملف، لكنه اتخذ هذا الموقف بعدما اعتبر أن مسار المعالجة يتجه نحو التصعيد، ولا سيما مع طرح إحالة القضية إلى المجلس العدلي.
ويقول هؤلاء إن الحزب كان قد أبلغ الجهات المعنية بملكيته للشحنة، وإن إعلانه العلني جاء تعبيراً عن رفضه التعاطي مع القضية من موقع الضعف، أو الظهور بمظهر المتنكر لنشاطه العسكري.
وفي المقابل، برز دور بري في الاتصالات السياسية التي سبقت جلسة مجلس الوزراء المخصصة لمناقشة الملف، وأسهمت في إبقاء مسألة الإحالة إلى المجلس العدلي قيد البحث بانتظار تقدم التحقيقات.
وهنا يظهر اختلاف في مقاربة الطرفين: فالحزب ينطلق من ضرورة الدفاع عن خياراته ومواقفه، فيما يعطي بري أولوية لإيجاد مخارج سياسية تمنع تفاقم المواجهة مع مؤسسات الدولة.
وتشير الأوساط المطلعة على موقف الحزب إلى أن بري لم يكن متفقاً معه على قرار الانخراط في الحرب الأخيرة، بينما أراد حزب الله استثمار اللحظة السياسية المناسبة لإعادة وضع الملف اللبناني على طاولة المفاوضات، بعدما استمرت الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق المعلن في تشرين الثاني 2024. يرى حزب الله، بحسب هذه الأوساط، أن أي تفاهم أميركي–إيراني قد يشكل مدخلاً أساسياً إلى معالجة الأزمات الإقليمية، بما فيها الوضع اللبناني.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده إلى بيروت أهمية خاصة. فقد سادت أجواء إيجابية اللقاء الذي جمعه بنواب من كتلتي أمل وحزب الله، وتناول التطورات الإقليمية، وأوضاع الطائفة الشيعية، وقرارات الحزب وتبريراته، إضافة إلى تحفظات الحركة على بعض الخيارات.
وبحسب رواية مصادر مطلعة، تلقّى بري تطمينات إيرانية مفادها أن طهران قادرة على الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم أميركي، ولا تحتاج إلى تدخل عسكري من حلفائها. وترى هذه المصادر أن مثل هذا الموقف يخفف مخاوف الحركة من احتمال جرّ لبنان إلى مواجهة إقليمية جديدة.
غير أن هذه التطمينات، وإن صحت، لا تلغي الخلاف حول قرارات سابقة، ولا تشكل بذاتها ضمانة بشأن الخيارات التي قد تُتخذ مستقبلاً.
وعلى الصعيد الحكومي، يقرّ المطلعون على موقف حزب الله بأن بري أكثر تمسكاً بحماية الحكومة ومنع سقوطها، لكنهم يؤكدون أن الحزب ليس في عجلة من أمره لإسقاطها في الشارع، وأن اختلاف الموقف من بعض قراراتها لا يعني بالضرورة السعي إلى إنهاء وجودها.
ويضيفون أن التواصل بين قيادتَي أمل وحزب الله مستمر، وأن لقاءات المعاونين السياسيين، المعروفة باجتماعات «الخليلين»، تشكل إحدى قنوات إدارة التباينات والتفاهم على الملفات المشتركة.
ويقول حزب الله إن التباينات طبيعية، وإن لبري رؤية مختلفة عن رؤيته في مفاصل معينة. وقد عبّر بري عن حزنه لما آل إليه وضع الجنوب والجنوبيين، لكن الهمّ الاستراتيجي، بحسب الحزب، يبدو واحداً، والتوجه واحداً، إذ يلتقي الطرفان على مسار إسلام آباد، وعلى العلاقة مع إيران ودورها. أما في ما يتعلق بالحكومة، فالحزب ليس مستعجلاً على إسقاطها في الشارع.
ويعتبر هؤلاء أن الحزب يتفهم الاعتبارات التي تحكم مواقف بري، كما يتفهم الأخير ظروف الحزب وحساباته، وأن الاختلاف في بعض الملفات الإدارية أو الحكومية لا يعني وجود خلاف على مجمل التوجهات الاستراتيجية.
ويشيرون خصوصاً إلى التلاقي حول العلاقة مع إيران، وأهمية المسارات الدبلوماسية الإقليمية، ومنها مسار إسلام آباد، مع الإقرار بأن لكل طرف مقاربته الخاصة للتوقيت والوسائل.
وحدة المصير لا تعني بالضرورة وحدة القرار
لا يبدو أن التحالف بين أمل وحزب الله يقف أمام افتراق وشيك، لكنه يمر بمرحلة اختبار تختلف عن سابقاتها. فالتفاهم على القضايا الاستراتيجية لا يلغي الخلاف حول الوسائل والقرارات وحدود المسؤولية، كما أن استمرار التنسيق بين القيادات لا يضمن بالضرورة تطابق مواقف القواعد الشعبية.
وإذا كانت الخلافات السابقة قد دارت، في جانب منها، حول الحضور والتمثيل والنفوذ، فإن الخلافات الراهنة تتصل بمسائل أكثر تأثيراً في مستقبل الدولة وقرار الحرب والسلم.
وفي هذه المرحلة، تبرز حاجة حزب الله إلى دور بري السياسي والمؤسساتي في إدارة علاقته بالدولة وتأمين المخارج، مقابل حاجة أمل إلى شراكة أوضح في القرارات التي تتحمل نتائجها السياسية والاجتماعية. ولا يعني ذلك بالضرورة انقلاباً في موازين القوة داخل التحالف، بقدر ما يعكس تبدّل الظروف المحيطة به وتزايد أهمية الأدوار التي يستطيع كل طرف أن يؤديها.
فالتنسيق الانتخابي والإداري والخدماتي، مهما بلغ من التماسك، لا يحسم وحده الخلاف حول السلاح والحكومة والشارع وحدود القرار المنفرد. كما أن المصالح المشتركة، على أهميتها، لا تعفي الطرفين من مراجعة آليات اتخاذ القرارات الكبرى.
وقد تكون العلاقة اليوم أمام إعادة تفاوض غير معلنة على قواعد الشراكة، لا أمام مشروع افتراق. فكل طرف يدرك أهمية الآخر، لكن كلاً منهما يريد أيضاً المحافظة على موقعه وهامش قراره.
وعليه، قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كان تحالف أمل وحزب الله سيستمر، بل بأي قواعد سيستمر، ومن سيشارك في اتخاذ قراراته، ومن سيتحمل نتائجها؟