من تمجيد الأسد إلى حذف الموناليزا: أي مدرسة تنتظر السوريين؟

  • 26 October 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image


    أستيقظ في السادسة صباحاً، وأرتدي بدلة عسكرية بلون "الكاكي" لا يفارق ذاكرتي، أفكر طوال الطريق إلى المدرسة: لماذا يُفرض عليّ لون ثيابي وشكلها؟ لكن الأسئلة تتبدد في باحة المدرسة، حيث نصطف الواحد تلو الآخر في طقوس صباحية تتكرر كل يوم، ونردد أناشيد تمجّد الرئيس حافظ الأسد.

    أدخل الصف، فأجد صورته معلّقة إلى جانب العلم الوطني، وفي أحد الأيام، توضع أمامي استمارة انتساب إلى حزب البعث، ويُطلب مني توقيعها عنوةً، أرفض، فيُتخذ قرار بفصلي من المدرسة إلى أن أتراجع عن موقفي، دون أن أفهم ماهية هذا الحزب، ولماذا أنا مُجبرة على الانضمام إليه، وأنا المنحدرة من عائلة شيوعية.

    أقلّب صفحات كتاب التربية القومية، وأحاول حفظ ما ورد فيه، لكن ذاكرتي تعجز عن استيعاب عبارات لا أفهمها ولا أؤمن بها، ومع ذلك، كان عليّ أن أحفظها، فالمادة إلزامية والرسوب فيها يعني الرسوب في العام الدراسي، أردد الكلمات كالببغاء، بينما أحلم بالتحرر من كل ما يحيط بي.



    المدرسة في خدمة السلطة

    بدا التحرر من ذلك الواقع مستحيلاً آنذاك، في ظل عقود من توظيف التعليم لترسيخ أيديولوجيا حزب البعث، الذي وصل إلى السلطة عام 1963، قبل أن يرسّخ حافظ الأسد حكمه عام 1970.

    لم تكن المدرسة خلال تلك العقود مؤسسة منفصلة عن المشروع السياسي للدولة؛ فقد نصت المادة الحادية والعشرون من دستور عام 1973 صراحةً على أن النظام التعليمي يهدف إلى إعداد جيل عربي قومي اشتراكي يؤمن بأهداف الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي الشعارات التي كنا نرددها كل صباح حتى تؤلمنا حناجرنا.

    وبذلك، تحولت أيديولوجيا الحزب الحاكم إلى مرجعية رسمية للتربية والتعليم، بدلاً من أن تكون مجرد اتجاه فكري يمكن للتلاميذ التعرف إليه ومناقشته.

    انعكس هذا التوجه في كتب التربية القومية والتاريخ واللغة العربية، وفي الاحتفاء بالحركة التصحيحية وإنجازات القيادة، وفي الحضور المتكرر لصورة الرئيس وأقواله داخل المؤسسات التعليمية، حتى إن الرحلات المدرسية لم تخلُ من الأناشيد التي تمجّد "القائد الخالد".

    وعززت منظمتا طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة ارتباط الأنشطة المدرسية بالتنشئة السياسية، فأصبحت مفاهيم الانتماء الوطني والولاء للقيادة والحزب متداخلة في الخطاب التعليمي الرسمي.

    ولم يقتصر الأمر على عهد حافظ الأسد، إذ استمرت السردية الرسمية ذاتها في عهد ابنه بشار الأسد، رغم إدخال تحديثات تربوية شملت الكتب وطرائق التدريس والمعايير التعليمية، بقيت المؤسسة التعليمية خاضعة لتوجهات السلطة السياسية.

    كانت المشكلة، إذاً، أبعد من وجود صورة الرئيس في كتاب أو على جدار الصف؛ إنها تتعلق بمن يمتلك سلطة تفسير التاريخ، وتحديد معنى الوطنية، ورسم الحدود المقبولة للنقاش داخل المدرسة.

    ومع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، اكتسبت هذه المسألة أهمية إضافية، بعدما انقسمت البلاد سياسياً وجغرافياً، وظهرت مناهج مختلفة في مناطق السيطرة المتعددة، بينما استمرت الكتب الرسمية في تقديم الأحداث من منظور السلطة السابقة.



    إزالة الأيديولوجيا أم استبدالها؟

    بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، واجهت الإدارة الجديدة إرثاً تعليمياً شديد الارتباط بالنظام السابق.

    كان حذف صور الأسد وشعارات حزب البعث والمحتويات التي تمجّد السلطة السابقة خطوة يمكن فهمها في سياق التحول السياسي، فاستمرار تدريس نصوص تمجّد نظاماً سقط، أو تقدّم روايته السياسية بوصفها حقيقة لا تقبل النقاش، يتعارض مع الحاجة إلى مراجعة المناهج وإعادة النظر في مضامينها.

    لكن القرارات الأولى التي أعلنتها وزارة التربية مطلع كانون الثاني 2025 لم تقتصر على هذه المهمة.

    فقد شملت إلغاء مادة التربية الوطنية، وتعديل توصيف الفترة العثمانية من "الاحتلال" إلى "الحكم"، وإجراء تغييرات في نصوص دينية وتاريخية وعلمية وفلسفية، ما أثار اعتراضات وتساؤلات بشأن طبيعة المراجعة والجهة المخوّلة بإجرائها.

    وبدا أن نطاق التعديلات المعلنة يتجاوز إزالة الرموز السياسية للنظام السابق، ليمتد إلى مضامين تتصل بالتاريخ والدين والعلوم وصورة المجتمع.

    وهنا يظهر فارق جوهري بين عمليتين: مراجعة المناهج لتنقيتها من الدعاية السياسية، وإعادة صياغتها وفق المرجعية الفكرية للسلطة الجديدة.

    الأولى قد تكون ضرورة تعليمية بعد التحولات الكبرى، أما الثانية فتستدعي نقاشاً مجتمعياً واسعاً، لأنها تتصل بحق الأجيال المقبلة في تلقي معرفة متنوعة لا تختزل البلاد في رؤية فئة سياسية أو دينية واحدة.

    ولا يمكن، في النهاية، التعامل مع جميع التعديلات بالمعيار نفسه؛ فحذف صورة مرتبطة بتمجيد الأسد يختلف عن إزالة لوحة فنية عالمية أو صورة منحوتة أثرية، كما أن إعادة تقييم رواية تاريخية تختلف عن استبعاد موضوع يتناول المشاركة الديمقراطية.



    الحجاب والموناليزا

    التعديلات التي أدخلتها السلطات السورية الجديدة على الكتب المدرسية أثارت أسئلة تتجاوز حذف الصور وتغيير النصوص، لتصل إلى دور المدرسة في بناء الهوية الوطنية، وحدود تدخل السلطة السياسية في تشكيل وعي الأجيال، وإمكانية أن يصبح إصلاح التعليم مدخلاً لبناء الثقة والشرعية في سورية ما بعد الأسد.



    لم يكن اختفاء صورة الموناليزا من كتاب التاريخ السوري للصف السابع حدثاً تعليمياً كبيراً في ظاهره، فصورة في كتاب مدرسي قد تُحذف لأسباب تتعلق بالمحتوى أو التصميم أو إعادة تنظيم الدروس، لكن اكتشاف حذفها بالتزامن مع إزالة صور منحوتات أثرية، وتعديل ملابس شخصيات نسائية، واستبعاد دروس تتناول المواطنة والمشاركة الديمقراطية، نقل النقاش من تفاصيل الكتب إلى سؤال أوسع: أي صورة عن سورية والعالم تسعى المناهج الجديدة إلى تقديمها للتلاميذ؟



    وشملت التعديلات التي كشفت عنها مقارنات بين الطبعات القديمة والحديثة استبدال صور فتيات بصبيان، وإضافة الحجاب إلى شخصيات نسائية، فضلاً عن حذف صورة الموناليزا دون وضع صورة بديلة.

    ولعل الأكثر دلالة أن التعديلات طالت كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، حيث حُذفت موضوعات متصلة بالحياة السياسية والإدارة المحلية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية.

    وأثار تعديل صور النساء وإضافة الحجاب إليها جدلاً في الأوساط التعليمية والإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت المقارنات أن بعض التغييرات أُجريت على الرسوم الأصلية باستخدام برامج تعديل الصور، بدلاً من إعداد رسوم جديدة.

    ومن الأمثلة التي أثارت الانتقادات ظهور شخصية طبيبة محجبة في إحدى صفحات الكتاب، بينما تظهر الشخصية نفسها دون حجاب في صفحة أخرى، في تناقض بصري يطرح تساؤلات عن المعايير الفنية والتربوية التي استندت إليها عملية التنقيح.

    ربما هذه التعديلات قد تعكس محاولة لتفضيل نموذج اجتماعي بعينه على حساب التنوع الثقافي والاجتماعي السوري، ومن الأجدى، لو كان الهدف تمثيل النساء المحجبات، إعداد رسوم جديدة تراعي هذا التنوع، بدلاً من تعديل الصور الموجودة بطريقة تفتقر إلى الاتساق.

    في المقابل، رأى مدافعون عن إدراج صور المحجبات أن حضور الحجاب في الكتب المدرسية يعكس جانباً من الواقع الاجتماعي والثقافي والديني في سورية، وأن تمثيل النساء المحجبات في المناهج أمر طبيعي في مجتمع يشكلن جزءاً مهماً منه.

    غير أن الخلاف لا يتعلق بالحجاب بحد ذاته، فهو جزء أصيل من الواقع الاجتماعي السوري، بل بطريقة تمثيل المرأة، وما إذا كانت الكتب المدرسية تفسح المجال لصور متعددة تعكس الاختلافات القائمة بالفعل بين النساء السوريات.

    فالسؤال ليس ما إذا كان ينبغي أن تظهر المرأة المحجبة في الكتب، وإنما ما إذا كانت المناهج تعكس تنوع النساء السوريات، أو تمنح نموذجاً اجتماعياً واحداً حضوراً على حساب النماذج الأخرى.

    وينطبق الأمر نفسه على الفنون والتراث، فحذف صورة أورنينا، المرتبطة بحضارة ماري السورية، يثير تساؤلاً عن مكانة التراث السوري القديم في التعليم، دون أن يشكل، بمفرده، دليلاً كافياً على وجود سياسة شاملة لإزالته.

    أما حذف موضوعات المواطنة والمشاركة الديمقراطية، فيستحق مراجعة أكثر عمقاً، لما لهذه الموضوعات من صلة مباشرة بتشكيل وعي الأجيال بمفهوم الدولة ومؤسساتها وحقوق المواطنين.

    صحيح أن مادة التربية الوطنية في عهد البعث كانت محمّلة بمضامين دعائية، لكن إلغاءها لا يعالج تلقائياً الحاجة إلى تعليم الأطفال مبادئ الدستور والمؤسسات والحقوق والحريات والمسؤولية العامة.

    فإذا كانت المناهج القديمة قد ربطت الوطنية بالولاء للسلطة، فإن التحدي اليوم يتمثل في تقديم مفهوم مختلف للمواطنة، يقوم على الانتماء إلى الدولة والمساواة أمام القانون، بصرف النظر عن هوية الحاكم.

    وهذه الوقائع، على اختلافها، لا تكشف وحدها عن الدوافع التي حكمت القرارات، لكنها تفتح باباً مشروعاً لمساءلتها تربوياً؛ فاختيار ما يراه الطفل وما يقرأه وما يغيب عن معرفته ليس تفصيلاً محايداً بالضرورة، خصوصاً حين يتعلق بتاريخ بلاده وتنوع مجتمعها وحقوق مواطنيها.

    فما المعايير التي تحدد حذف صورة فنية أو إبقاءها؟ ومن يقرر كيفية تمثيل النساء في المناهج؟ وكيف تُراجع الكتب علمياً وتاريخياً؟ وهل تُنشر أسماء أعضاء لجان التأليف ومحاضر اجتماعاتها وأسباب قراراتها؟ وما الآليات المتاحة للمعلمين والأهالي والباحثين للاعتراض على محتوى يرونه غير دقيق أو غير مناسب؟



    أي مدرسة لسورية المقبلة؟

    منذ وصول البعث إلى السلطة عام 1963، عرفت المدرسة السورية علاقة وثيقة بالسياسة، بلغت حد تحويل بعض المناهج إلى وسيلة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية للدولة.

    واليوم، مع تبدل السلطة، تتاح فرصة لإعادة النظر في هذه العلاقة من أساسها.

    فالمدرسة التي يحتاجها السوريون ليست تلك التي تستبدل صورة حاكم بصورة أخرى، أو تقدم رؤية سياسية أو اجتماعية واحدة بوصفها الحقيقة الوحيدة، وإنما المدرسة التي تمنح الطفل أدوات المعرفة والتفكير النقدي، وتساعده على فهم تاريخ بلاده بتعقيداته، واحترام اختلاف مواطنيها، والتمييز بين الانتماء إلى الوطن والولاء للسلطة.

    قد تختفي الموناليزا من صفحة، وقد تتغير صور وشعارات كثيرة مع تعاقب الطبعات، لكن ما يستحق المتابعة يتجاوز هذه التفاصيل إلى السؤال عن طبيعة المعرفة التي ستبقى.

    فهل تستطيع سورية الانتقال من تعليم يصوغ المواطن وفق أيديولوجيا الحكم إلى تعليم يمنحه القدرة على التفكير والمساءلة والاختيار؟

    ربما يكون الجواب عن هذا السؤال أحد الاختبارات المهمة لنجاح الإصلاح التربوي، وللقدرة على بناء مؤسسات وطنية تتجاوز الأشخاص والسلطات المتعاقبة.