من اللعنة إلى البركة: حين يفضح الخطاب صاحبه وتنتصر الكلمة (جان بو شعيا)
-
24 October 2026
-
53 mins ago
-
-
source: tayyar.org
-
حين تضيق الحجّة، ترتفع الشتيمة، وحين تعجز السياسة عن إقناع الناس، يستنجد بعض السياسيين باللعنة، وكأنّ الكلمات النابية قادرة على صناعة زعامة أو تعبيد الطريق إلى قصر بعبدا! وهنا تحديدًا، يصبح المشهد أكثر من مجرّد سجال سياسي؛ إنّه امتحان للأخلاق، وللنضج، وللفارق بين من يحلم بقيادة مجتمع ومن لا يزال أسير لغة الخصومة.
«الله يلعن ساعتن»! هكذا اختار سمير جعجع أن يخاطب جبران باسيل والتيار الوطني الحر. يا لها من مفارقة! رجل يطمح إلى رئاسة الجمهورية وقيادة المجتمع المسيحي، لكنه يستحضر اللعنة بدل الحجّة، والشتيمة بدل المشروع، وكأنّ الطريق إلى بعبدا تمرّ عبر إهانة الخصوم! فهل تُقاس الزعامة بعدد الشتائم، أم بالقدرة على جمع الناس وإقناعهم؟
والأكثر إثارة للسخرية أنّ من يطمح إلى تمثيل المسيحيين وقيادتهم يتصرّف وكأنّ الاختلاف معه خطيئة لا تُغتفر، وكأنّ المنافسة السياسية لا تكتمل إلا بمحاولة إلغاء الآخر. فهل يريد جعجع قيادة مجتمع متنوّع في آرائه وخياراته، أم مجتمعًا لا يُسمح فيه لأحد بأن ينافسه على القرار والتمثيل؟
وإذا كان الماضي لا يُمحى بالشعارات، فإنّ الذاكرة اللبنانية لا تُمحى أيضًا بالخطابات المنمّقة. إنّ تاريخ جعجع السياسي، بما يحمله من صفحات دامية وانقسامات وصراعات داخل البيئة المسيحية خلال الحرب، يفرض أسئلة لا يستطيع أيّ طموح رئاسي أن يتجاوزها. فقد شهدت تلك المرحلة اغتيالات وصدامات وانقلابات سياسية وعسكرية تركت جراحًا عميقة في الوجدان اللبناني، ولا تزال تداعياتها حاضرة في الذاكرة الوطنية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: بأيّ منطق يقدّم جعجع نفسه مرجعًا للقرار المسيحي، فيما لا يزال تاريخه موضع نقاش ومساءلة؟ وكيف يتحوّل من طرف في صراعات الماضي إلى واعظ في الحاضر، ثم يمنح نفسه حقّ مهاجمة الآخرين وكأنّه يقف خارج التاريخ؟
ولعلّ المفارقة الأشدّ إيلامًا تظهر عندما يتناول الخطاب السياسي موقع المؤسسة العسكرية وقيادتها. فالمؤسسة التي دفعت أثمانًا باهظة من دماء ضبّاطها وجنودها تستحقّ أن تُناقَش مواقفها بمسؤولية، لا أن تتحوّل إلى مادة للمزايدات السياسية. ومن يوجّه الانتقادات إلى قائد الجيش مطالب بأن يدرك أنّ دماء العسكريين ليست تفصيلًا في سجال، وأنّ تاريخ الحرب وما شهده من مواجهات دامية، بما فيها المواجهات التي طالت الجيش اللبناني، يفرض على الجميع تواضعًا في الكلام وحساسية في إطلاق الأحكام.
لكنّ المفارقة الأجمل جاءت من جبران باسيل، الذي لم ينجرّ إلى حفلة التراشق، ولم يستنسخ قاموس خصمه، بل ردّ بآية من إنجيل لوقا: «باركوا لاعنيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم».
آية واحدة كانت كافية لتضع اللعنة في مواجهة البركة، والشتيمة في مواجهة الحكمة. لم يحتج باسيل إلى رفع الصوت أو توزيع الإهانات؛ اختار ألّا يسمح لخصمه بأن يفرض عليه لغته. وهنا يكمن الفارق بين من يستثمر في الخصومة ومن يحاول الارتقاء فوقها.
سياسيًا، يدافع باسيل عن رؤية للبنان تقوم على السيادة والشراكة والتنوّع، وعن دور مسيحي فاعل لا يقوم على إلغاء الآخرين، بل على تثبيت التوازن الوطني الذي يحمي الجميع. فالمسيحيون ليسوا ضيوفًا في وطنهم، كما أنّ المسلمين ليسوا خصومًا في شراكتهم. لبنان لا يقوم إلا بتعدّديته، ولا تحميه إلا دولة عادلة لا يحتكر فيها فريق القرار ولا يُقصى فيها مكوّن عن دوره.
إنّ الدفاع عن الحضور المسيحي ليس امتيازًا طائفيًا، بل دفاع عن صيغة لبنان وعن حقّ كلّ مكوّن في المشاركة في صناعة مستقبله. ومن هنا، فإنّ التحدّي أمام أيّ مرشّح للرئاسة ليس أن يثبت أنّه الأقوى في إطلاق الشتائم، بل أنّه الأقدر على حماية الشراكة وبناء الدولة.
في النهاية، لا تصنع اللعنة رئيسًا، ولا تمنح الشتيمة شرعية، ولا يحوّل الطموح صاحبه تلقائيًا إلى رجل دولة.
بين من يختار اللعنة ومن يستحضر الإنجيل، يبقى الامتحان الحقيقي في القدرة على تجاوز الأحقاد، واحترام المؤسّسات، وصون الشراكة الوطنية.
ولعلّ أبلغ ردّ على اللعنة ألّا تُقابَل بلعنة أخرى، بل أن يُترك صاحبها أمام كلماته، فيما تبقى الكلمة الأسمى هي تلك التي تدعو إلى البركة بدل الإساءة، وإلى بناء الوطن بدل إعادة إنتاج جراحه. -
Just in
-
11 :37
وفاة ممثل شهير! (صورة) تتمة

-
11 :33
مهبط للمروحيات الإسرائيليّة وطرق عسكرية جديدة.. ماذا يحصل في الجنوب؟ تتمة

-
11 :29
السيد: من لا يتّعِظ من الماضي يغرق في المستقبل… تتمة
-
11 :20
الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في محافظة الطائف
-
11 :18
بعد نزاع قضائي مع والدها... أمّ تقتل ابنتها البالغة ثلاث سنوات طعنًا! تتمة
-
10 :58
أثناء قطف الزيتون... هذا ما حصل جنوبًا! تتمة
-
-
Other stories
Just in
-
11 :37
وفاة ممثل شهير! (صورة) تتمة

-
11 :33
مهبط للمروحيات الإسرائيليّة وطرق عسكرية جديدة.. ماذا يحصل في الجنوب؟ تتمة

-
11 :29
السيد: من لا يتّعِظ من الماضي يغرق في المستقبل… تتمة
-
11 :20
الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في محافظة الطائف
-
11 :18
بعد نزاع قضائي مع والدها... أمّ تقتل ابنتها البالغة ثلاث سنوات طعنًا! تتمة
-
10 :58
أثناء قطف الزيتون... هذا ما حصل جنوبًا! تتمة
All news
- Filter
-
-
وفاة ممثل شهير! (صورة)
-
24 October 2026
-
مهبط للمروحيات الإسرائيليّة وطرق عسكرية جديدة.. ماذا يحصل في الجنوب؟
-
24 October 2026
-
السيد: من لا يتّعِظ من الماضي يغرق في المستقبل…
-
24 October 2026
-
بعد نزاع قضائي مع والدها... أمّ تقتل ابنتها البالغة ثلاث سنوات طعنًا!
-
24 October 2026
-
أثناء قطف الزيتون... هذا ما حصل جنوبًا!
-
24 October 2026
-
عشيرة الذنيبات في الأردن تؤكد رفض الجريمة: المسلمون والمسيحيون جسد واحد ودم واحد
-
24 October 2026
-
هكذا تستعدّ فرنسا لمنع "السبت الأسود"!
-
24 October 2026
-
الرئيس عون من طرابلس: آن الأوان لوضع حدّ لمعاناة المدينة
-
24 October 2026
-
المجلس الماروني يدين الاعتداء على كنيسة الكرك: حماية التنوع الديني مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع
-
24 October 2026
-
بالصور: عشاء هيئة قضاء المتن في التيّار الوطني الحرّ بحضور الرئيس عون والنائب باسيل وحشد من أبناء البلدات المتنية (بعدسة الزميل جورج الفغالي)
-
24 October 2026


جان بو شعيا