الكهرباء في لبنان: من دعم الخزينة إلى استنزاف جيب المواطن - وليد الأشقر

  • 21 October 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    منذ عام ١٩٩٤، تحملت الدولة اللبنانية مسؤولية دعم الكهرباء، حيث قامت بتغطية الفرق بين تكلفة إنتاج الكيلوواط ساعة والسعر الذي يدفعه المواطن. مع مرور السنوات، تراكمت الأعباء على الخزينة، ولم تستطع التغذية الكهربائية تلبية احتياجات اللبنانيين، وأصبحت أزمة الكهرباء من أهم مصادر استنزاف المال العام.

    لكن المفارقة الكبرى هي أن المواطن اللبناني لا يزال يواجه عبء فاتورة الكهرباء، على الرغم من أن الدولة تحملت أعباء مالية على مدى عقود. المواطن يدفع اليوم مبلغاً لمؤسسة كهرباء لبنان مقابل التغذية المحدودة التي يحصل عليها، ثم يدفع مبلغاً أكبر لأصحاب المولدات الخاصة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاته. هكذا، يدفع المواطن فاتورتين، بينما لا تزال الدولة عاجزة عن توفير الكهرباء بطريقة مستدامة.

    من هنا، يصبح زيادة الإنتاج أكثر من هدف تقني؛ إنه وسيلة أساسية لتخفيف الأعباء عن جيب المواطن. كل ساعة تغذية إضافية من مؤسسة كهرباء لبنان تقلل الحاجة إلى المولدات الخاصة، وتخفض فاتورة الاشتراك واستهلاك المازوت، وتقلل الأرباح التي يجنيها أصحاب المولدات من الفراغ الذي تركته الدولة في هذا القطاع.

    من هذا المنطلق، يجب أن يتجاوز النقاش حول مستقبل الكهرباء حدود تأمين الأموال لشراء الوقود، أو زيادة التعرفة، أو مطالبة الخزينة بمزيد من الإنفاق. المطلوب هو حل أصل المشكلة: كيف نزيد الإنتاج، نحسن الجباية، نحدّ من الهدر، ونؤمن الكهرباء بأقل تكلفة ممكنة على المواطن والدولة؟

    فيما يتعلق بأداء وزير الطاقة الحالي، جو الصدي، السؤال الأساسي هو: ما الذي يمنع الانتقال من طرح الحلول إلى تنفيذها؟

    وضعت وزارات الطاقة التي تولّتها وزراء التيار الوطني الحر في الفترات السابقة خططاً للنهوض بقطاع الكهرباء، تضمنت مشاريع للإنتاج وتطوير البنية التحتية وإصلاح القطاع. هذه الخطط، مهما كانت الملاحظات التي يمكن تسجيلها عليها، تشكّل مادة عملية يمكن البناء عليها وتقييمها وتطويرها. المطلوب من الوزير الحالي هو تحديد بوضوح ما يمكن تنفيذه منها، ما يحتاج إلى تعديل، وما لا يمكن تنفيذه، مع تسمية الجهات التي تعرقل المشاريع وتحديد مسؤولية كل جهة.

    إذا كانت هناك عوائق سياسية أو مالية أو إدارية تمنع التنفيذ، فحق اللبنانيين هو أن يعرفوا حقيقتها، ومن المسؤول عنها، وما البدائل لتجاوزها. أما الاكتفاء بتعليق المشاركة في جلسات مجلس الوزراء، فذلك لا ينتج ميغاواطاً إضافياً، ولا يضمن ساعة تغذية جديدة، ولا يخفّض فاتورة المولدات.

    قد يكون للوزير اعتراض حقّ على قرارات الحكومة، وقد يكون هناك مستحقات مالية يجب على الدولة تسديدها لمؤسسة كهرباء لبنان. لكن هذه المطالب، مهما بلغت أهميتها، لا تعفيه من مسؤولية الوزارة التي يتولاها، ولا تغني عن تقديم خطة تنفيذية واضحة بمراحل زمنية محددة ونتائج قابلة للقياس.

    إذا كان الوزير يعتقد أن الحكومة تعرقل خطته، فليعرض أمام الرأي العام الوقائع والأرقام، ويسمي المعرقلين، ويشرح للبلاد ما يحتاج إليه تحديداً لتنفيذ مشاريعه. أما تحويل الخلاف إلى اعتكاف سياسي، مع استمرار الأزمة كما هي، فذلك لا يقدّم حلاً للمواطن الذي يدفع من دخله المحدود فاتورتين للكهرباء.

    وفي المقابل، لا يمكن معالجة الأزمة عبر تحميل الخزينة أعباء إضافية بلا ضوابط، أو زيادة التعرفة دون ضمان تحسّن فعلي في الخدمة. المطلوب هو إصلاح مالي وإداري متكامل يضمن استدامة مؤسسة كهرباء لبنان، ويعيد توازن العلاقة بين كلفة الإنتاج والجباية وساعات التغذية.

    جوهر الإصلاح ليس في زيادة ما يدفعه المواطن، بل في زيادة ما يحصل عليه مقابل ما يدفعه.

    الدولة التي دعمت الكهرباء منذ عام ١٩٩٤، ثم عجزت عن تأمينها بصورة مستدامة، مطالبة بمراجعة تجربتها واستخلاص الدروس منها. الوزير الذي يتولى هذا القطاع اليوم مطالب بأن يحوّل الخطط إلى مشاريع منفّذة، ويواجه المعرقلين بالأدلة، لا أن يكتفي بتسجيل المواقف.

    في النهاية، لا يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من السجالات بين الوزراء، بل إلى كهرباء عامة تقلّل اعتمادهم على المولدات الخاصة، وتخفّف فاتورتهم الشهرية، وتحمي المال العام من الهدر.

    فالنجاح في وزارة الطاقة لا يُقاس بحدة الاعتراضات ولا بعدد جلسات الحكومة التي تُقاطَع، بل بزيادة ساعات التغذية، وانخفاض كلفة الكهرباء على المواطن، وتراجع حاجته إلى المولدات الخاصة.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology