الأخبار: أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وبمشاركة روبرت ساتلوف وحنين غدار وديفيد شينكر، قدّم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وصفته المضمونة لـ«استعادة الدولة وسيادتها»
حمزة الخنسا-
أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وبمشاركة روبرت ساتلوف وحنين غدار وديفيد شينكر، قدّم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وصفته المضمونة لـ«استعادة الدولة وسيادتها»، في ندوة أقامها المعهد في السادس من الشهر الجاري تحت عنوان «كيف ننهي دورة الحرب في لبنان ونبني دولة ذات سيادة؟».
وفي خطاب يحكمه المفهوم الانتقائي للسيادة والتناقض بين الأهداف الوطنية التي يعلنها والوسائل السياسية والخارجية التي يدعو إلى اعتمادها لتحقيقها، قدّم جعجع تفكيك حزب الله باعتباره ضرورة لبنانية خالصة ومدخلاً إلزامياً لاستعادة الدولة، ودعا الولايات المتحدة إلى ممارسة مزيد من الضغط على المؤسسات اللبنانية، وأيّد ربط المساعدات العسكرية الأميركية بشروط سياسية وأمنية، وحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية الأساسية عن تعطّل المسار مع العدو الإسرائيلي، من دون أن يقدّم تصوّراً متكاملاً للضمانات السيادية التي يُفترض أن يحصل عليها لبنان في المقابل.
وانطلق جعجع من اعتبار حزب الله المشكلة الأساسية التي تعيق قيام الدولة اللبنانية، ووضع تفكيك بنيته العسكرية والأمنية في مقدّمة الأولويات الوطنية.
غير أن هذا التشخيص ينطوي على اختزال للأزمة السيادية اللبنانية، وكأنّ استعادة الدولة تتحقق بمجرد إنهاء القوة العسكرية لحزب الله. فالسيادة ليست مجرّد احتكار الدولة للسلاح، وإنما هي منظومة متكاملة تشمل استقلال القرار السياسي، وحماية الحدود، ومنع الاعتداءات الخارجية، والتحرر من الوصايات، والقدرة على الدفاع عن الأراضي والمواطنين، وإخضاع السلطة نفسها للدستور والقانون.
وإذا كانت ازدواجية السلاح تمثّل خللاً في السيادة، فإن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، أو خضوع القرارات الوطنية لضغوط خارجية، أو افتقار الجيش إلى القدرات الدفاعية اللازمة، كلّ ذلك يمثّل اختلالاً في السيادة لا يمكن تجاهله. والمشكلة هنا أن جعجع لا يمنح الأبعاد الأخرى للسيادة الوزن نفسه، ولا يوضح كيف ستتحوّل الدولة اللبنانية، بعد تفكيك حزب الله، إلى دولة قادرة فعلاً على حماية أراضيها واستقلال قرارها. فإزالة «سلطة مسلحة موازية» لا تعني تلقائياً بناء دولة ذات سيادة، كما أن إنهاء نفوذ خارجي لا يضمن السيادة إذا فُتح الباب أمام نفوذ خارجي آخر، يدعو إليه جعجع ويشجّعه.
وعلى نفس المنوال، تعامل جعجع مع المسار التفاوضي مع العدو الإسرائيلي من زاوية تركّز على الالتزامات اللبنانية، وتحديداً تفكيك حزب الله، باعتبارها الخطوة الأولى التي يتوقف عليها تقدّم المسار. فهو يفسّر تعثّر الاتفاق الإطاري بعدم إقدام الحكومة اللبنانية على خطوات كافية، ويرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي لم يلمسوا جدّية لبنانية في هذا الاتجاه.
وتجاهلَ جعجع أسئلة «سيادية جوهرية» هنا: ماذا عن التزامات إسرائيل نفسها؟ أين موقع الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات، واحترام الحدود، وضمان أمن المدنيين، ومنع تكرار العمليات العسكرية؟ وهل يُفترض بالدولة اللبنانية أن تنفّذ التزامات أمنية واستراتيجية جوهرية من دون ضمانات متبادلة ومحددة، أو آلية واضحة تضمن تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته؟
ووفق «خلفيته التاريخية» التي ترى العدو الإسرائيلي صديقاً، قدّم جعجع أمام معهد واشنطن السيادة اللبنانية باعتبارها التزاماً أُحادي الجانب، وعندما سُئل عمّا ينبغي لإسرائيل القيام به لمساعدة لبنان، تجنّب تقديم مطالب محدّدة منها، مفضّلاً التركيز على ما يجب أن يفعله اللبنانيون بأنفسهم، معيداً تكرار لازمة «ضرورة تفكيك حزب الله».
دعا جعجع الأميركيين إلى جعل المساعدات العسكرية للجيش مشروطة بأدائه في تنفيذ الالتزامات الأمنية
وظهرَ «التناقض الوطني السيادي» في خطاب جعجع بوضوح في العلاقة بين حديثه عن استقلال القرار اللبناني عن إيران ودعوته الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على المسؤولين اللبنانيين. فهو أصرّ على أن تفكيك حزب الله ضرورة لبنانية قبل أن يكون مطلباً أميركياً أو إسرائيلياً، ودعا الإدارة الأميركية إلى «التخلي عن المجاملات الدبلوماسية واعتماد لغة أكثر حزماً مع الدولة اللبنانية»، كما أيّد «جعل المساعدات العسكرية للجيش مشروطة بأدائه في تنفيذ الالتزامات الأمنية».
برأي جعجع، فإن التأسيس لاستقلال قرار لبنان يكون عبر تعزيز قدرة الولايات المتحدة على التأثير في خيارات مؤسساته وممارسة الضغط عليه لدفعه إلى تبنّي قرارات وفق أولويات تحدّدها واشنطن تحت عنوان «محاربة النفوذ الإيراني».
من بوابة «إصلاح الدولة» دعا جعجع إلى «تطهير» الإدارة والمؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية من الأشخاص المرتبطين بحزب الله، معتبراً ذلك شرطاً ضرورياً لإنهاء نفوذ الحزب وتفكيك «الدولة العميقة». ورأى أن «الحكومة لا تستطيع أن تتخذ قراراً يعتبر حزب الله تنظيماً غير شرعي، ثم تُبقي في الأجهزة الأمنية أو الجيش أو القضاء، وخصوصاً المحكمة العسكرية، أو في الإدارات العامة، أشخاصاً مقرّبين من حزب الله». وخصّ بالتطهير المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية. ثم انتقل إلى «الأذرع المالية الأساسية لحزب الله وهي «القرض الحسن».
ولكي يعطي شاهداً مُقنِعاً على ضرورة تفكيك الأذرع المالية للحزب، قدّم جعجع إحصاءً لنسبة تأييد حزب الله في صفوف اللبنانيين مبنياً على «اعتقاده» بأن «ما لا يقل عن 75% من اللبنانيين يؤيّدون تفكيك الجناحين العسكري والأمني للحزب، بينما لا يحظى الحزب في أقصى تقدير إلّا بتأييد الـ25% الباقين. وحتى داخل هذه النسبة، فإن من يؤيّدون لأسباب أيديولوجية لا يشكّلون، في تقديري، أكثر من 10 إلى 15% من اللبنانيين. أمّا البقية، فيرتبط جزء من تأييدهم بالخدمات التي يقدّمها الحزب لهم، ومن أهمها القرض الحسن». متسائلاً «كيف يمكن أن نكون منطقيين مع أنفسنا إذا اتخذنا قراراً بتفكيك البنية العسكرية والأمنية لحزب الله، ثم تركنا بقية أدواته تعمل».
وحول نزع سلاح حزب الله، رفض جعجع دمج الحزب في الجيش اللبناني انطلاقاً من اختلاف العقيدة العسكرية والأيديولوجية، مؤكداً أن «المطلوب ليس مواجهة عسكرية مباشرة، بل خطوات تدريجية لتفكيك البنية العسكرية والأمنية للحزب».
غير أن هذا الموقف يترك سؤالاً سيادياً جوهرياً آخر من دون إجابة تفصيلية: ما البديل الدفاعي الذي يقترحه للبنان؟
فأيّ انتقال نحو حصرية السلاح ينبغي أن يترافق مع استراتيجية دفاعية تحدد قدرات الجيش المطلوبة، ومصادر تسليحه، وآليات حماية الحدود، وكيفية التعامل مع التهديدات الخارجية، ومصير الأفراد والخبرات العسكرية الموجودة خارج المؤسسة الشرعية، إذ لا يكفي القول إن الجيش يجب أن يحتكر السلاح إذا لم تُحدّد الوسائل التي تمكّنه من أداء هذه المهمة بفاعلية.
كما أن الاعتماد على المساعدات الخارجية، خصوصاً عندما تكون مشروطة سياسياً، يثير سؤالاً إضافياً عن استقلال القرار الدفاعي اللبناني. وإذا كان جعجع يرفض استمرار حزب الله كقوة مسلحة مستقلة، فإن هذا الموقف يحتاج إلى أن يكتمل بتصوّر عملي لبناء جيش يمتلك القدرة على الدفاع عن البلاد، لا مجرّد فرض الأمن الداخلي. فالسيادة لا تكتمل عندما تصبح الدولة صاحبة السلاح الوحيد فحسب، بل عندما تصبح أيضاً قادرة على استخدام سلطتها الشرعية لحماية الوطن من الأخطار الداخلية والخارجية.