تعويضات الحزب: ضغط البيئة ومأزق الدولة

  • 14 October 2026
  • 53 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    إبراهيم الرز -

    لا يقتصر إعلان حزب الله حزمة جديدة من التعويضات على معالجة الأعباء المالية التي يتحملها المتضررون من الحرب، بل يرتبط بحسابات سياسية واجتماعية تتصل بموقع الحزب داخل بيئته الحاضنة، وقدرته على المحافظة على شبكة التمويل التي شكلت إحدى ركائز قوته طوال العقود الماضية. فقد أعلن رئيس المجلس التنفيذي في الحزب علي دعموش إطلاق مشروع "وعد والتزام"، الذي يخصص 14 ألف دولار للوحدة السكنية في بيروت والضاحية الجنوبية، و12 ألف دولار في بقية المناطق، تُصرف على أربع دفعات خلال سنة. ويأتي الإعلان بعد أكثر من سبعة أشهر على اندلاع الحرب الأخيرة، وفي وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، فيما تشدد واشنطن القيود على تمويل الحزب وتربط مساهمتها في إعادة إعمار لبنان بحصرية السلاح بيد الدولة.

    ولا يمكن فصل توقيت الإعلان عن هذه العوامل، خصوصاً أن الحزب يسعى إلى استعادة انتظام التعويضات بعد تأخير طويل، بالتزامن مع محاولة إظهار استمرار قدرته المالية رغم العقوبات. ويحمل الإعلان أيضاً رسالة سياسية إلى الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، مفادها أن الحزب لا يزال قادراً على تأمين التمويل وتوزيع التعويضات رغم العقوبات الأميركية والضغوط المتزايدة عليه.



    التمويل واحتواء التململ الشعبي

    شكّلت القدرة المالية لحزب الله، إلى جانب مؤسساته الاجتماعية والصحية والتربوية، إحدى أبرز أوراق قوته في المحافظة على علاقته ببيئته الحاضنة. ولم تقتصر هذه المؤسسات على تقديم الخدمات، بل ساهمت في بناء شبكة واسعة من المصالح والارتباطات الاجتماعية، أتاحت للحزب المحافظة على قاعدة شعبية متماسكة رغم الأزمات والحروب المتعاقبة.

    وظهر ذلك بصورة خاصة بعد حرب تموز 2006، عندما سارع الحزب إلى دفع التعويضات وتأمين بدلات الإيواء، مستفيداً من التمويل الإيراني وقدرته على التحرك خارج الآليات الإدارية للدولة، في ظل ظروف إقليمية وسياسية ومالية كانت أكثر ملاءمة من الظروف الحالية. وأصبحت سرعة التعويضات جزءاً من صورته داخل بيئته، وعاملاً في تعزيز الثقة بقدرته على تحمّل النتائج الاجتماعية لخياراته العسكرية.

    لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بعد حرب 2024، مع تعثر دفعات الإيواء وتأخير المستحقات، قبل أن تؤدي حرب آذار 2026 إلى مضاعفة الأعباء. فقد تراكمت الخسائر، وتراجع انتظام المساعدات، فيما استمرت حالة النزوح وتعذرت العودة إلى مناطق واسعة نتيجة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتواصلة.

    وهذا التغيير يحمل تداعيات سياسية على الحزب. فالتمويل الذي كان إحدى أدوات تثبيت علاقته بقاعدته الشعبية، قد يتحول تراجعه إلى عامل يضعف هذه العلاقة. ومع استمرار النزوح والأزمة المعيشية، بدأ التململ داخل البيئة الحاضنة يفرض ضغوطاً إضافية، بعدما باتت العائلات المتضررة تواجه أعباء مالية لا تستطيع تحملها لفترات طويلة.

    ولا يعني هذا التململ بالضرورة تخلي البيئة عن خيارات الحزب السياسية، لكن استمرار تراجع الخدمات والتعويضات يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى تآكل الثقة، وربما خسارة الحزب شرائح إضافية من قاعدته الشعبية. ومن هنا، يمكن قراءة التمويل الجديد، كاستجابة لحاجة سياسية لاحتواء هذا التراجع، و كوفاء بالتزامات اجتماعية تأخرت أشهراً.



    إيران وكلفة المحافظة على النفوذ

    في السابع من تشرين الأول، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين أن حزب الله تلقى 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين، وأن الوسطاء تقاضوا عمولات بلغت 20 في المئة بسبب مخاطر نقل الأموال. لكن وزارة الخارجية الأميركية شككت في صحة هذه المعلومات ونفت وصول المبلغ، فيما امتنع دعموش عن تحديد مصدر التمويل وحجمه الإجمالي.

    وإذا صحت المعلومات عن وصول الأموال الإيرانية، فإن السؤال يتعلق بأسباب استمرار طهران في تخصيص مبالغ كبيرة للحزب، رغم الحصار وأزمتها الاقتصادية وشبكاتها المالية.

    يمكن تفسير هذه الأولوية انطلاقاً من موقع حزب الله في الاستراتيجية الإيرانية. فطهران، التي استثمرت لعقود في بناء قدرات الحزب العسكرية والسياسية والاجتماعية، تواجه احتمال تراجع ما تبقى من نفوذها في لبنان إذا فقد الحزب قدرته على المحافظة على بيئته الحاضنة. ولذلك، فإن التمويل لا يهدف بالضرورة إلى معالجة التداعيات الاجتماعية للحرب وحدها، بل إلى منع تحول الأزمة المالية إلى خسارة سياسية إضافية.

    وبهذا المعنى، قد تكون إيران قد وجدت نفسها أمام كلفتين، إما توفير الأموال رغم صعوباتها الاقتصادية، وإما المخاطرة بمزيد من التراجع في موقع الحزب داخل المجتمع الذي يستند إليه. ويبدو أن أولوية المحافظة على هذا الموقع تفسر الاستعداد لتحمل كلفة مالية إضافية.

    لكن الإعلان لا يعني انتهاء الأزمة. فالحزب لم يكشف عدد المستفيدين أو الكلفة الإجمالية للبرنامج، كما أن توزيع المساعدات على أربع دفعات خلال سنة يترك مسألة استمرارية التمويل مفتوحة. وبالتالي، فإن الاختبار الأساسي يكون في القدرة على استكمال الالتزامات، وخصوصاً أن المبالغ المعلنة لا تشمل إعادة بناء المنازل المدمرة.



    تحدي واشنطن ومأزق الدولة

    يحمل الإعلان أيضاً رسالة تحدٍّ يمكن قراءتها في اتجاهين. الأول إلى واشنطن، التي تعمل على تجفيف مصادر تمويل الحزب وتعطيل شبكاته المالية، والثاني إلى الدولة اللبنانية، التي تسعى إلى حشد التمويل الدولي لإعادة الإعمار ضمن مسار سياسي وأمني يقوم على حصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

    فإظهار القدرة على توزيع ملايين الدولارات، في ظل العقوبات والضغوط المتزايدة، يتيح للحزب التأكيد على استمرار امتلاكه موارد مالية وقنوات دعم، وإن كانت أقل فاعلية مما كانت عليه سابقاً. كما أن توليه التعويضات عبر مؤسساته الخاصة يعيد تثبيت دوره المباشر في إدارة الشؤون الاجتماعية لبيئته، بعيداً عن مؤسسات الدولة.

    وتبقى طريقة إيصال الأموال إلى المستفيدين مسألة أساسية، في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على المؤسسات المالية المرتبطة بحزب الله. فاعتماد "القرض الحسن" في توزيع التعويضات قد يثير إشكاليات إضافية، خصوصاً بعد القيود التي فرضها مصرف لبنان على تعامل المؤسسات المالية المرخصة معه. أما اللجوء إلى المؤسسات الاجتماعية التابعة للحزب، فلا يبدد التساؤلات حول مصادر التمويل وكيفية تحويل الأموال إلى لبنان. وفي الحالتين، يبقى تحديد المسارات المالية الفعلية مرتبطاً بالمعلومات التي لم يكشف عنها الحزب حتى الآن.

    لكن الإشكالية الأكبر تتعلق بموقع الحكومة اللبنانية أمام المجتمع الدولي. فقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الأميركية توماس بيغوت، أن واشنطن تجري محادثات لحشد مليارات الدولارات لإعادة إعمار الجنوب، موضحاً أن توفير التمويل يعتمد إلى حد كبير على نزع سلاح حزب الله وعدم عرقلة جهود الحكومة.

    ويتقاطع هذا الموقف مع اتفاق الإطار الموقع في 26 حزيران، الذي يربط بدء الإعمار المدعوم دولياً في المناطق المحددة بتنفيذ الترتيبات الأمنية والتحقق من نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة، كما يتضمن التزاماً لبنانياً بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى هذه الجماعات والكيانات المرتبطة بها.

    ومن هنا، قد يزيد إعلان التعويضات صعوبة موقع الدولة اللبنانية. فهي مطالبة أمام المانحين بإثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها الأمنية والمالية، فيما يواصل الحزب إدارة شبكة تمويل وتوزيع مستقلة عنها. وقد يدفع ذلك واشنطن إلى تكثيف مطالبتها الحكومة بضبط القنوات المالية المرتبطة بالحزب.

    وفي هذا السياق، فإن استمرار التمويل خارج مؤسسات الدولة قد يعزز الشكوك الأميركية بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ التزاماتها. وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات وعدم تنفيذ الانسحاب الكامل تضع عقبات إضافية أمام العودة والإعمار، ولا يمكن تحميل الدولة اللبنانية وحدها مسؤولية التعثر.

    وعليه، فإن التعويضات تمنح الحزب فرصة لاحتواء التململ داخل بيئته، وتسمح له بتوجيه رسالة مفادها أن العقوبات لم تنه قدرته على التمويل. لكنها في المقابل قد تعمّق التعقيدات التي تواجه الدولة في علاقتها بالمانحين الدوليين. أما بالنسبة إلى الحزب، فإن المسألة تتجاوز الإعلان عن المشروع، إلى قدرته على المحافظة على منظومة اجتماعية ومالية كانت تاريخياً أحد أهم مصادر قوته الشعبية. وإذا استمر تراجع هذه المنظومة، فإن خسائره لن تبقى محصورة في الجانب العسكري، بل قد تمتد تدريجياً إلى القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها.