١٣ تشرين الأول... ذاكرة وطن ومبادئ لا تموت - جان بو شعيا

  • 13 October 2026
  • 6 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • في الثالث عشر من تشرين الأوّل، لا يستعيد اللبنانيون مجرّد صفحة أليمة من تاريخ وطنهم، بل يعودون إلى لحظة مفصلية تختصر حكاية وطنٍ أراد أبناؤه أن يكون حرًّا، سيّدًا، مستقلًّا، وحكاية شعبٍ دفع أثمانًا باهظة دفاعًا عن كرامته وحقّه في تقرير مصيره. إنّها ذكرى تختلط فيها مشاعر الألم بالفخر، والمرارة بالأمل، ودموع الخسارة بإرادة لا تعرف الاستسلام. ففي ذلك اليوم من عام ١٩٩٠، سقطت مرحلة من المواجهة الوطنية، وتشتّتت أحلام، وسقط شهداء، ودخل لبنان في مرحلة جديدة من تاريخه. لكن ما لم يسقط هو الإيمان بأنّ الوطن يستحقّ التضحية، وأنّ الحرية لا تُوهب، بل تُنتزَع بالإرادة والصمود.

    وفي قلب هذه الذاكرة، يقف العماد ميشال عون، بما يمثّله من تجربة سياسية ووطنية ارتبطت بمفاهيم السيادة والاستقلال ورفض الخضوع، وبمسيرة حملت الكثير من المواجهات والتحدّيات. لم تكن مبادئه، في نظر مؤيّديه، مجرّد شعارات تُرفَع في المناسبات، بل عناوين لمعركة طويلة من أجل استعادة القرار الوطني، وبناء دولة لا تكون رهينة الخارج ولا أسيرة التسويات التي تُفرّغ السيادة من مضمونها.

    السيادة ليست شعارًا، والحرية ليست وجهة نظر، والاستقلال ليس مناسبة عابرة. تلك هي المعاني التي تستعيدها ذكرى ١٣ تشرين الأوّل، وهي المعاني التي تضع اللبنانيين أمام سؤال أساسي: ماذا بقي من المبادئ التي استشهد من أجلها شباب، وواجه من أجلها مناضلون، وتحمّل في سبيلها شعبٌ بأكمله سنوات من الألم والانتظار؟

    لقد علّمنا العماد ميشال عون، في محطات كثيرة من مسيرته، أنّ السياسة لا ينبغي أن تكون استسلامًا للأمر الواقع، وأنّ التمسّك بالموقف قد يكون مكلفًا، لكنّ التخلّي عن المبادئ أكثر كلفة على الوطن. ومن هنا، فإنّ الوفاء لهذه الذكرى لا يكون بإحياء الشعارات وحدها، ولا باستعادة مشاهد الماضي فحسب، بل بتحويل القيم التي تختزنها إلى ممارسة يومية في الحياة السياسية والوطنية.

    فالوفاء للشهداء يكون ببناء دولة تحمي أبناءها، وتحفظ كرامة جيشها، وتُخضِع الجميع للقانون، وتُقدّم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والحزبية. والوفاء للحرّية يكون برفض التبعية، والدفاع عن حقّ اللبنانيين في اختيار مستقبلهم، وصون التنوّع الذي يشكّل غنى لبنان، لا ذريعة لتقسيمه وإضعافه.أمّا الوفاء للاستقلال، فيبدأ من الإيمان بأنّ لبنان لا يستطيع أن يكون قويًّا إذا كان أبناؤه أسرى الانقسامات، ولا أن يكون سيّدًا إذا كان قراره الوطني خاضعًا لحسابات الآخرين.

    إنّ ١٣ تشرين الأول ليس ذكرى للماضي فقط، بل امتحان للحاضر ومسؤولية تجاه المستقبل. إنّه تذكير بأنّ الأوطان لا تُبنى بالنسيان، ولا تنهض بالتخلّي عن الذاكرة، بل بالمصالحة الصادقة مع التاريخ، واستخلاص العبر، والتمسّك بالحقّ، مهما تبدّلت الظروف وتغيّرت الموازين.

    وفي هذه الذكرى، يبقى السؤال موجّهًا إلى كلّ من آمن يومًا بلبنان الحرّ السيّد المستقلّ: هل نحمل المبادئ التي رفعناها، أم نكتفي بالاحتفال بها؟ فالشهداء لا يحتاجون إلى كلماتنا بقدر ما يحتاجون إلى وفائنا، والوطن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى رجال ونساء يترجمونها أفعالًا.

    ١٣ تشرين الأوّل... ذاكرة لا تُمحى، وجرح لا يُنسى، ومبادئ لا تسقط بالتقادم. قد تتغيّر الأزمنة، وقد تتبدّل المواقع والتحالفات، لكنّ قيمة المبادئ تبقى في قدرتها على الصمود أمام المصالح، وفي استعداد أصحابها للدفاع عنها حين يصبح التمسّك بها مكلفًا. فلبنان الذي حلم به أبناء ١٣ تشرين، لبنان الحرية والسيادة والكرامة، لا يزال يستحقّ أن نناضل من أجله.