١٣ تشرين: حين تصبح السيادة امتحانًا للقرار لا لموازين القوى - رندا شمعون

  • 12 October 2026
  • 56 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    ليست كلّ الهزائم نهايةً لقضية، كما أنّ كلّ انتصار عسكري لا يصنع بالضرورة شرعيةً وطنية. ففي تاريخ لبنان، ثمّة لحظات لا تُقاس دلالتها بما انتهت إليه المعركة وحده، بل بما كشفته من صراع على هوية الدولة، وحقّ شعبها في تقرير مصيره، وحدود ما تستطيع القوة أن تفرضه على إرادة وطن.
    في ١٣ تشرين الأول ١٩٩٠، سقط الموقع الذي كان يشغله العماد ميشال عون في قصر بعبدا تحت الهجوم السوري، وبدأت مرحلة من الوصاية التي امتدّت آثارها إلى السياسة والمؤسسات والحياة الوطنية. لكنّ اختزال ذلك اليوم في مشهد عسكري يعني إغفال السؤال الذي جعله محطةً مفصلية في الذاكرة اللبنانية: من يملك القرار في لبنان، اللبنانيون أم القوى التي تتقاطع مصالحها على أرضه؟
    لم تكن الظروف التي سبقت الهجوم خاليةً من المحاولات السياسية. ففي الأيام الأخيرة، طُرحت مبادرات للبحث عن مخرج، من بينها مبادرة العماد عون بصياغة وثيقة سلّمها النائب بيار دكاش إلى السفير الفرنسي رنيه آلا ، من 12 بنداً يوم 12 تشرين الأول ، لكنّ المسار انتهى إلى الهجوم العسكري في صباح ١٣ تشرين. وقد وثّقت الصحافة المعاصرة أحداث ذلك اليوم، بما فيها قصف بعبدا واليرزة، ولجوء العماد ميشال إلى السفارة الفرنسية وطلب وقف إطلاق النار.
    إنّ استعادة هذه الوقائع ليست دعوةً إلى إعادة محاكمة التاريخ في كلّ ذكرى، بل إلى فهم ما تكشفه: حين تُحسم الخيارات الوطنية تحت ضغط السلاح والتفاهمات الخارجية، لا يعود السؤال مقتصرًا على من ربح المعركة، بل يصبح متعلقًا بحقّ اللبنانيين في أن يكونوا أصحاب القرار في وطنهم.
    من هنا تكتسب العبارة التي ارتبطت بموقف عون، «يستطيع العالم أن يسحقني، ولكن لن يأخذ توقيعي»، دلالتها السياسية الأعمق. فالتوقيع ليس مجرّد فعلٍ شكلي؛ إنّه قبولٌ ومسؤولية، وقد يكون إضفاءً للشرعية على تسوية أو مسار. والرفض، في هذا السياق، لا يعني إنكار موازين القوى أو تجاهل كلفة المواجهة، بل التمييز بين ما يُفرض بالقوة وما يختاره الوطن بإرادته الحرّة.
    قد تستطيع القوة أن تغيّر الواقع، لكنّها لا تملك وحدها حقّ تحويله إلى إرادة وطنية. وهذه هي المسافة الفاصلة بين التعامل مع الأمر الواقع والتنازل عن حقّ الاعتراض عليه، وبين التسوية التي تحمي البلد والتسوية التي تجعل إرادته تفصيلًا في حسابات الآخرين.
    لم ينتهِ ١٣ تشرين عند حدود ذلك الصباح. فمن رحم تلك المرحلة، ومن تضحيات العسكريين والمدنيين الذين واجهوا الوصاية ودفعوا أثمان مواقفهم، تبلورت القضية التي حملها التيار الوطني الحر، قبل أن تتحوّل إلى تنظيم سياسي ومسيرة نضالية امتدّت من سنوات الملاحقة والمنفى إلى العودة والمشاركة في الحياة الدستورية. لم يولد التيار من موقعٍ في السلطة، بل من حالة رفضٍ لواقعٍ فُرض على لبنان، ومن تمسّك بحقّه في الحرية والسيادة والاستقلال. وقد شكّلت تلك الذاكرة جزءًا أساسيًا من هويته، فيما بقي التحدّي الأصعب هو ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية في كلّ مرحلة.
    تغيّرت الظروف منذ عام ١٩٩٠؛ انتهى الوجود العسكري السوري في لبنان عام ٢٠٠٥، وعاد العماد ميشال عون من المنفى، ثم وصل إلى رئاسة الجمهورية عام ٢٠١٦. لكنّ القضية التي نشأت في مواجهة الوصاية لا تُختبر اليوم باستحضار الماضي وحده، بل بمدى استمرارها معيارًا للخيارات السياسية الراهنة. فالسيادة لا تُصان لمجرّد أنّها جزء من تاريخ حزب، بل حين تبقى مبدأً يحكم قراراته وعلاقاته ومواقفه من كلّ أشكال التدخّل والضغط، بصرف النظر عن مصدرها.
    وهنا تكمن مسؤولية المرحلة الراهنة. فلبنان لا يعيش اليوم ظروف عام ١٩٩٠ نفسها، ولا يجوز التعامل مع الحاضر كأنّه نسخة حرفية عن الماضي. لكنّ تعدّد الضغوط الخارجية، وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، يفرضان السؤال السيادي من جديد: هل تُدار الخيارات المصيرية انطلاقًا من مصلحة لبنان ومؤسساته، أم يُطلب من اللبنانيين التكيّف مع قرارات تُصنع خارج دولتهم؟
    لا يكفي أن نرفض الوصاية حين تأتي من جهة، ثم نقبل منطقها حين يأتي من جهة أخرى. ولا يكفي أن نرفع شعار الاستقلال إذا بقي القرار الوطني موزّعًا بين مراكز قوى تتجاوز الدولة. فجوهر السيادة ليس تبديل الجهة التيا تمارس النفوذ، بل إنهاء منطق النفوذ الذي يجعل لبنان ساحةً لتصفية الحسابات، بدل أن يكون دولةً تقرّر وتحمي وتتفاوض باسم شعبها.
    وفي المقابل، لا تعني السيادة الانعزال عن العالم، ولا رفض التفاوض أو التسويات. الدولة القوية هي التي تعرف كيف تتفاوض، وتقدّر موازين القوى، وتحمي شعبها، من دون أن تتنازل عن حقّها في تحديد مصالحها. أمّا الواقعية التي تفقد فيها الدولة قدرتها على الاختيار، فليست سياسةً حكيمة؛ إنّها إدارةٌ للأمر الواقع على حساب المستقبل.
    ولأنّ ١٣ تشرين هو أيضًا ذكرى شهداء، لا يجوز أن تبقى أسماؤهم حاضرةً في المراسم وحدها، فيما يُختزل معنى تضحياتهم في استعادة مشاهد الماضي. الوفاء لهم لا يحتاج إلى المبالغة ولا إلى تحويل الألم إلى مادةٍ للمزايدة؛ يحتاج إلى صون الذاكرة، والاعتراف بكلفة تلك المرحلة، وتحويل الدرس الذي تركته إلى مسؤولية سياسية ووطنية تجاه الأجيال التي لم تعشها.
    فالشهداء ليسوا تفصيلًا في رواية انتصار أو هزيمة، بل جزءٌ من ذاكرة وطن دفع أبناؤه أثمانًا باهظة حين أصبح مصيره موضع صراع. واحترام هذه الذاكرة يقتضي أن نطرح على أنفسنا اليوم أسئلةً لا تقلّ صعوبةً عن أسئلة الأمس: كيف نبني دولةً لا تُستباح قراراتها؟ كيف نجعل المؤسسات المرجع الفعلي للقرار الوطني؟ وكيف نحمي لبنان من أن يدفع ثمن صراعات لا يملك قرار إشعالها أو إطفائها؟
    في ذكرى ١٣ تشرين، لا يكفي أن نستعيد ما حدث، ولا أن نكتفي بإدانة ما فُرض على لبنان. الأهم أن نحدّد ما الذي ينبغي ألّا يتكرّر: أن تُصادر إرادة اللبنانيين تحت ضغط القوة، وأن يُقدَّم الخارج بوصفه مرجعًا نهائيًا لمصيرهم، وأن تتحوّل السيادة إلى شعارٍ انتقائي بدل أن تكون قاعدةً تحكم الخيارات كلّها.
    قد تتغيّر موازين القوى، وقد تتبدّل التحالفات والظروف، لكنّ حقّ لبنان في تقرير مصيره لا يتبدّل. وإذا كانت القوة تستطيع أن تفرض واقعًا، فإنّ بناء الشرعية الوطنية يحتاج إلى إرادة اللبنانيين ودولةٍ تحمي قرارهم.
    ذلك ما يجعل ١٣ تشرين أكثر من ذكرى في التقويم: إنّه تذكيرٌ بأنّ استقلال الوطن لا يُختصر برحيل وصاية، بل يبدأ حين يصبح قراره ملكًا لأبنائه، لا ورقةً في يد الأقوى.
    _ رندا شمعون _

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology