لو باع الجنرال... لكنّا خسرنا أكثر من وطن -المحامية جومانا سليلاتي

  • 12 October 2026
  • 51 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    أعترف أنني كلما اقترب تشرين، لا أتذكر المشهد كما يرويه المؤرخون، بل كما حفظته قلوب الناس.

    أتذكر وجوهاً كانت تنتظر.

    أتذكر أناساً بسطاء لم يكونوا أصحاب سلطة ولا نفوذ، لكنهم حملوا قضية كأنها جزء من حياتهم اليومية، وكأن الدفاع عن لبنان كان دفاعاً عن كرامتهم الشخصية.

    ولهذا يعود السؤال دائماً:
    ماذا لو باع الجنرال؟
    ماذا لو فعل كما فعل كثيرون؟
    ماذا لو اختار التسوية حين كانت التسوية أسهل؟
    ماذا لو قدّم التنازل المطلوب ؟

    ربما كان وفّر على نفسه سنوات المنفى.
    وربما كان وفّر على من آمنوا به الكثير من التعب.
    وربما كانت حياته السياسية أكثر هدوءاً وأقل كلفة.
    لكن عندما أفكّر بالأمر أكثر، أكتشف أن السؤال الحقيقي ليس ماذا كان سيربح...
    بل ماذا كنّا سنخسر نحن.
    لأن ما حدث يومها لم يكن مجرد سقوط موقع أو نهاية معركة.
    كان لحظة قرّر فيها رجل أن يدفع الثمن بدل أن يساوم على ما كان يؤمن به.

    ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة طويلة من الألم، لكنها كانت أيضاً رحلة كرامة.

    سنوات المنفى لم تكن سهلة على الجنرال.
    ولم تكن سهلة على الناس الذين بقوا ينتظرون.
    جيل كامل عاش على أمل العودة.
    جيل كامل تربّى على فكرة أن لبنان ليس تفصيلاً صغيراً على طاولة المصالح،
    وأن السيادة ليست كلمة تُقال في الخطابات .

    كبر هؤلاء وكبر معهم الحلم.
    تبدّلت حكومات ورؤساء وتحالفات.
    وسقطت شعارات وتغيّر كثيرون.

    أما هم فبقوا متمسكين بالفكرة نفسها: أن لبنان يستحق أن يكون سيّداً حرّاً مستقلاً.

    ولهذا، ما يؤلم كثيراً من أبناء التيار الوطني الحر ليس الخلاف السياسي.
    فالسياسة بطبيعتها اختلاف.
    ما يؤلمهم هو أن سنوات طويلة من الصبر والانتظار والتضحيات جرى اختصارها بروايات ظالمة وأحكام جاهزة.
    ورغم ذلك، لم ينسحبوا.

    وهنا تكمن القصة الحقيقية.
    فليس صعباً أن تؤمن بفكرة عندما تكون منتصرة.
    الصعب أن تبقى مؤمناً بها عندما تصبح مكلفة.
    عندما تُحاصَر.
    عندما تُتَّهَم.
    عندما تسمع كل يوم أن ما تؤمن به انتهى.
    ومع ذلك تتابع الطريق.

    ولهذا، عندما أنظر إلى مسيرة التيار، لا أراها قصة هزيمة كما يحاول البعض أن يرويها.
    أراها قصة صمود.
    فكم من أحزاب كبرت بالسلطة ثم تراجعت مع خسارتها؟
    وكم من زعامات انتهت بانتهاء مصالحها؟

    أما التيار فبقي لأن ما جمع ناسه لم يكن السلطة ما جمعهم كان إيماناً.
    والإيمان لا يُقاس بعدد المقاعد ولا بعدد المواقع.
    يُقاس بقدرتك على البقاء عندما تصبح المغادرة أسهل.

    أعرف أن كثيرين سيقرأون هذه الكلمات بعين السياسة.
    أما أنا فأقرأها بعين الناس.
    بعين الأم التي انتظرت.
    بعين الأب الذي علّق صورة الجنرال سنوات طويلة لأنه رأى فيه صورة لبنان الذي حلم به.
    بعين الشاب الذي كبر وسط حملات السخرية والتشويه، لكنه لم يشعر يوماً بالخجل من قناعته.
    وبعين كل من تعب، وغضب، وخاب أمله أحياناً، لكنه لم يتخلَّ عن حبّه لهذا البلد.

    ولهذا، عندما أسأل نفسي اليوم: "ماذا لو باع الجنرال؟"
    أشعر أن الجواب واضح.
    ربما كان سيربح أكثر.
    لكننا كنّا سنخسر أكثر.

    كنّا سنخسر البرهان أن في هذا البلد رجالاً يمكن أن يخسروا السلطة ولا يخسروا أنفسهم.
    وكنّا سنخسر جيلاً كاملاً تعلّم أن الكرامة ليست شعاراً، بل موقفاً.

    لهذا أقول لكل التياريين،
    لكل الذين تعبوا وانتظروا وتحمّلوا سنوات من الاتهامات والخيبات:
    لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أن صمودكم كان عبثاً.
    لا تسمحوا لأحد أن يختصر قصتكم بخسارة هنا أو حملة هناك.
    أنتم أبناء قضية بقيت حيّة لأنكم بقيتم أوفياء لها.
    نعم، تعبتم.
    نعم، خذلكم كثيرون.
    ونعم، دفعتم أثماناً باهظة.
    لكنكم بقيتم واقفين حين جلس الآخرون للتفاوض على قناعاتهم.
    وبقيتم متمسكين بحلمكم حين اختار آخرون الطريق الأسهل.
    وهذا وحده يكفي للفخر.

    فلو باع الجنرال، لربما ربح معركة.

    أما أنتم، فربحتم ما هو أهم من أي معركة:
    " ربحتم حقكم بأن تنظروا إلى تاريخكم من دون خجل، وإلى لبنان من دون أن تشعروا أنّكم خنتموه يوماً."