الغاز إلى دير عمار: أزمة الخيارات الحكومية

  • 12 October 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image
    ماهر سلامة -

    تطرح خطّة الحكومة لاستيراد الغاز الطبيعي إلى لبنان أسئلة تتجاوز كلفة المشروع وجدواه الاستثمارية. ففيما تعجز مؤسّسة كهرباء لبنان عن تأمين كميات كافية من الغاز أويل لتشغيل معاملها بالقدرة المتاحة، تفترض الخطة الجديدة أن المؤسّسة ستكون قادرة على شراء الغاز الطبيعي بصورة منتظمة، وأيضاً ستقدّم ضمانات للمستثمرين الذين سيشغّلون البنية التحتية الجديدة. لكن إذا كانت المشكلة التي تمنع زيادة إنتاج الكهرباء اليوم مرتبطة بنقص السيولة بالعملات الأجنبية، فمن أين ستأتي هذه الدولارات لضمان شراء الغاز غداً؟ وهل يكفي انخفاض كلفة الغاز الطبيعي مقارنة بالغاز أويل لحلّ هذه المشكلة؟ كما تبرز إشكالية ثانية تتعلق بالجدوى الاقتصادية للمشروع الرامي إلى إنشاء محطّة عائمة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحويله إلى غاز، بكلفة استثمارية تقديرية تبلغ 130 مليون دولار، وأن تعمل وزارة الطاقة على إعادة تأهيل الجزء اللبناني من خطّ الغاز العربي، الذي يتيح استجرار الغاز عبر الأردن وسوريا. والأهم أن الأردن وافق بالفعل على تزويد لبنان بالغاز باستخدام محطة التغويز الموجودة في العقبة. أي إن الدولة تسير بمشروع لإنشاء قدرة جديدة لاستقبال الغاز، بالتزامن مع استعادة إمكانية استخدام بنية تحتية قائمة تؤدّي الغرض نفسه، فهل نوقشت هذه الخيارات وكلفتها قبل اتخاذ القرار الاستثماري؟

    مشروع بـ 614 مليون دولار
    في الأول من تشرين الأول، وافق مجلس الوزراء على مشروع إنشاء محطة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه (FSRU) في منطقة دير عمار، على أساس الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وجاءت الموافقة بعد أن أقرّ المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة الدراسات المالية والتقنية والقانونية والبيئية للمشروع، التي أعدّتها مؤسسة التمويل الدولية (IFC) مع مستشارين آخرين. وبحسب تقرير لجنة المشروع الصادر في الأول من أيلول 2026، والذي أقرّه المجلس الأعلى للخصخصة في 18 أيلول، تبلغ الكلفة الرأسمالية التقديرية 614 مليون دولار، موزّعة على مكوّنين:
    - الأول، بقيمة 130 مليون دولار، يشمل استئجار وتشغيل سفينة عائمة لاستقبال الغاز المسال وتخزينه وإعادة تغويزه، وإنشاء منصة ربط وأنبوب بحري يمتد من موقع السفينة، على بعد نحو خمسة كيلومترات شمال مرفأ طرابلس، باتجاه الساحل.

    - الثاني، تبلغ كلفته 484 مليون دولار، ويتضمن إنشاء معمل كهرباء جديد في دير عمار بقدرة 436 ميغاواط، يعمل بالغاز الطبيعي وفق تقنية الدورة المركّبة.
    سيُنفّذ مكوّنا المشروع عبر عقدَي شراكة مستقلّين مع شركات خاصة يؤسّسها المستثمرون الفائزون، ولمدد تعاقدية تصل إلى 20 سنة. ويقترح التقرير تمويلاً بـ 75% من القروض، وبـ 25% من حقوق ملكية مع عائد داخلي مستهدف على حقوق الملكية يبلغ نحو 18%.
    وتقدّر الدراسات أن استبدال الغاز أويل بالغاز الطبيعي في معمل دير عمار الحالي، سيحقّق وفراً بنحو 27 مليون دولار سنوياً في السنتين الأوليين ثم يزداد إلى 206 ملايين دولار في عام 2033 بعد دخول المعمل الجديد الخدمة، وصولاً إلى 370 مليون دولار عام 2049.

    من أين تمويل شراء الغاز؟
    غير أن تحقيق هذه الوفورات المالية المرتقبة في التقرير، يرتبط بشرطين أساسيين؛ أن تتمكن مؤسّسة كهرباء لبنان من شراء الغاز بالكميات اللازمة، وأن تكون كلفة استيراده ونقله وتحويله إلى كهرباء أقل فعلاً من كلفة البدائل. وهذا ما يفتح النقاش على مصراعيه.
    فمؤسسة كهرباء لبنان، بحسب توزيع المسؤوليات في الدراسة، ستكون المشتري الحصري للغاز والطاقة من شركات المشروع، وستتولى توفير الغاز الطبيعي مجاناً للمعمل الجديد، وتتحمّل مخاطر عدم توافره. أما المستثمر المشغّل للمعمل، فتنحصر مسؤوليته في كفاءة تحويل الغاز إلى كهرباء وصيانة المعدات، وفق نموذج تعاقدي يُعرف باسم «Tolling». وبهذا المعنى، لا ينقل المشروع مخاطر توافر الوقود إلى المستثمر المشغّل للمعمل. والأخير لن يكون مسؤولاً عن تأمين الغاز من الأسواق العالمية ولا عن تقلّبات أسعاره.

    أما بالنسبة إلى محطة التغويز، فلا يحسم الملخّص المنشور هوية الطرف الذي سيوقّع عقد شراء الغاز المسال من المورّد الخارجي، أو كيفية توزيع مخاطر التوريد بينه وبين مؤسّسة كهرباء لبنان. لكن السؤال الأهم يتعلّق بقدرة المؤسّسة المالية. فمنذ توقف التمويل الحكومي المباشر للمحروقات، أصبحت كهرباء لبنان تعتمد على إيراداتها لتأمين الوقود. وهذا ما تظهره أيضاً خطّة استرداد الكلفة المحدّثة في كانون الأول 2025، التي تفترض تمويل النفقات التشغيلية من إيرادات المؤسسة. إلا أن المشكلة تكمن في القدرة على تحمّل الكلفة. ففي 14 آب، أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أن سعر الغاز أويل العالمي اقترب من 1500 دولار للطن، بينما كانت قد أعدّت موازنتها لعام 2026 على أساس 680 دولاراً للطن. وربطت المؤسّسة صعوباتها المالية بارتفاع أسعار الوقود، وانخفاض الجباية في مناطق عدة، وتراكم المتأخرات المستحقة لها على إدارات ومؤسسات عامة. ووصل الأمر إلى التهديد بقطع الكهرباء عن الإدارات المتخلّفة عن تسديد فواتيرها.

    هذا الواقع يفسّر لماذا لا تستطيع المؤسّسة زيادة إنتاجها بمجرد امتلاك القدرة التقنية على ذلك. إذ إن زيادة ساعات التغذية تعني شراء كميات إضافية من الوقود، وهو ما يستلزم تدفقات مالية لا تؤمّنها الجباية الحالية بالضرورة. كما أن الانتقال إلى الغاز الطبيعي يمكن أن يخفّض كلفة الإنتاج، وبالتالي يتيح شراء كمية أكبر من الطاقة بالأموال نفسها، لكن هذا الاحتمال لا يلغي الحاجة إلى إثباته مالياً، خصوصاً أن عقود الغاز قد تتضمن التزامات شراء لكميات محدّدة، بصرف النظر عن الحاجة الفعلية إليها.

    واللافت، أن الدراسات لا تكتفي بافتراض قدرة المؤسّسة على تسديد مستحقاتها، بل تقترح إنشاء شبكة ضمانات تشمل اعتمادات مستندية متجدّدة تغطّي مدفوعات من 6 إلى 12 شهراً، وضمانات من البنك الدولي، وكفالة سيادية من وزارة المال لتغطية تعويضات تعاقدية في ظروف معينة. هكذا تبرز أهمية الافتراضات التي بُنيت عليها تقديرات الوفر المالي للمشروع، ولا سيما تلك المتعلقة بقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين التمويل اللازم لشراء الغاز، وانتظام عمليات الإنتاج والجباية. كما أن الوفر السنوي المقدّر بنحو 27 مليون دولار خلال المرحلة الأولى لا يمكن التعامل معه بوصفه مكسباً صافياً قبل تحديد ما إذا كان يشمل جميع تكاليف التغويز والنقل والتمويل، أو يقتصر على الفرق بين كلفة الغاز الطبيعي والغاز أويل. وهذا التمييز أساسي لتحديد الوفر الفعلي الذي سيحققه المشروع لمؤسسة كهرباء لبنان.

    محطة تغويز أم خط غاز؟
    المسألة الثانية تتعلق بمصدر الغاز والطريق الذي سيسلكه للوصول إلى دير عمار. ففي السادس من أيلول 2026، وافق مجلس الوزراء الأردني على ترتيبات تزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر الأراضي السورية. ويقوم المشروع على استيراد الأردن الغاز المسال من الأسواق العالمية، وإعادة تحويله إلى حالته الغازية باستخدام محطة التغويز العائمة الموجودة في ميناء العقبة، ثم ضخه عبر شبكة الأنابيب إلى سوريا ومنها إلى لبنان.
    وهذا يعني أن المقارنة بين الخيارين لا تقوم بالضرورة على الغاز المصري المنقول بالأنابيب في مقابل الغاز الطبيعي المسال المنقول بالسفن. فالغاز الذي يعتزم الأردن تزويد لبنان به هو أيضاً غاز مسال مستورد، لكنه يُحوّل إلى حالته الغازية في محطة قائمة أصلاً، بدلاً من إنشاء محطة جديدة قبالة الساحل اللبناني. بمعنى آخر، هناك خياران لتأمين السلعة نفسها؛ إما استيرادها بحراً إلى لبنان وبناء قدرة محلية لتغويزها، وإما الاستفادة من قدرة التغويز الموجودة في العقبة، مقابل دفع رسوم التغويز والنقل والعبور عبر الأردن وسوريا.

    ويكتسب خيار خط الغاز العربي أهمية إضافية، لأن أعمال تأهيله داخل لبنان بدأت بالفعل. ففي 15 حزيران 2026، وُقّع عقد مع شركة TGS بقيمة 748,100 دولار لإعادة تأهيل الخط الممتد من العبودية إلى معمل دير عمار، على أن تُنجز الأعمال المحدّدة فيه خلال ثلاثة أشهر. وفي 17 أيلول، أعلن وزير الطاقة جو الصدي تقديم قطر هبة لاستكمال أعمال الصيانة في الجانب اللبناني. وفي 21 أيلول، أعلنت وزارة الطاقة الأردنية أن الكمية التعاقدية المقدّرة للبنان تبلغ نحو مليوني متر مكعب من الغاز يومياً، لكنها أوضحت أن عمليات التوريد لم تبدأ بعد، وأن الكميات النهائية مرتبطة بجهوزية البنية التحتية اللبنانية.

    عند هذه الكمية، يصبح حتى الفرق المحدود في سعر الغاز المسلّم مؤثراً؛ إذا استورد لبنان مليوني متر مكعب يومياً طوال السنة، فإن ارتفاع الكلفة بمقدار دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية يعني نفقات إضافية تقارب 26 مليون دولار سنوياً، استناداً إلى متوسط المحتوى الحراري للغاز الطبيعي. وهذا يوازي تقريباً الوفر السنوي الذي تتوقعه الدراسات من تحويل معمل دير عمار الحالي إلى الغاز خلال السنتين الأوليين.
    لذا، لا تكفي مقارنة كلفة تأهيل الأنبوب البري بالكلفة الاستثمارية لمحطة التغويز الجديدة البالغة 130 مليون دولار. المطلوب احتساب الكلفة النهائية لكل مليون وحدة حرارية تصل إلى دير عمار عبر الخيارين، بما يشمل ثمن الغاز في الأسواق العالمية، ورسوم التغويز، والنقل، والتشغيل والصيانة، وكلفة التمويل، والدفعات الثابتة المحتملة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاستجرار عبر الأنابيب هو الخيار الأقل كلفة في جميع الظروف. فقد تكون هناك قيود على طاقة الخط الاستيعابية، أو رسوم عبور مرتفعة، أو مخاطر انقطاع الإمدادات عبر سوريا. كذلك قد تتيح محطة التغويز اللبنانية استيراد كميات أكبر مستقبلاً وتنويع مسارات التوريد. لكن هذه الاعتبارات يجب أن تتحوّل إلى أرقام توضح الكلفة التي سيدفعها لبنان مقابل استقلالية مسار الاستيراد.

    وهذا ما يسلط الضوء على مسألة إضافية مرتبطة بالتوقيت. فمعمل دير عمار الحالي يحتاج إلى الغاز الآن لخفض كلفة إنتاجه، بينما تضع الدراسات دخول المعمل الجديد في عام 2033. وإذا كان خط الغاز العربي يستطيع تأمين احتياجات المعمل الحالي قبل ذلك بسنوات، فلماذا لا يجري فصل قرار تزويده بالغاز عن قرار إنشاء محطة التغويز الجديدة؟ وهل تسمح القدرة الاستيعابية للخط لاحقاً بتشغيل المعملين معاً، أم أن الحاجة إلى كميات إضافية هي التي تبرّر الاستثمار البحري؟