من المواطن إلى الحاكم... من يمنع قيام الدولة في لبنان؟ - ألكسندر نعمه

  • 11 October 2026
  • 54 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    - ألكسندر نعمه -


    الجزء الثاني من مقالة: في ذكرى 13 تشرين، هل فشلت محاولة بناء الدولة أم أفشلناها جميعًا؟

    في مقالتي السابقة، «في ذكرى 13 تشرين... هل فشلت محاولة بناء الدولة أم أفشلناها جميعًا؟»، حاولنا قراءة تجربة سياسية امتدت على مدى عقود، من النضال في الشارع إلى ممارسة السلطة، ومن رفع شعارات بناء الدولة إلى مواجهة التعقيدات التي حالت دون تحقيق مشروع العماد ميشال عون كما كان مأمولًا. ولم يكن الهدف تبرئة تجربة سياسية أو إدانتها، بقدر ما كان محاولة لفهم الأسباب التي تجعل مشاريع الإصلاح في لبنان تتعثر، حتى عندما يصل أصحابها إلى مواقع القرار.

    لكن السؤال الذي انتهينا إليه يفتح الباب أمام إشكالية أكثر عمقًا: هل المشكلة أن اللبنانيين لم يستطيعوا بناء الدولة، أم أن بعض القوى النافذة لم تكن لها مصلحة أصلًا في قيام دولة قادرة على إخضاع الجميع للقانون؟

    لطالما انشغل اللبنانيون بالنقاش حول طبيعة نظامهم السياسي، وتوزيع الصلاحيات، والتوازنات الطائفية، والحاجة إلى تعديل الدستور أو تطويره. وهي نقاشات مشروعة، وقد تكون بعض الإصلاحات الدستورية ضرورية لمواكبة تطور الدولة والمجتمع. لكن اختزال الأزمة اللبنانية في النصوص الدستورية وحدها يطرح إشكالية أساسية: هل فشل لبنان لأن دستوره لا يسمح ببناء دولة حديثة، أم لأن القوى المكلفة بتطبيقه لم تلتزم دائمًا بمقتضياته، بل وجدت في تعطيل بعض أحكامه وسيلة للحفاظ على نفوذها ومصالحها؟

    لا يمكن لأي دستور، مهما بلغت جودة نصوصه، أن ينتج دولة فاعلة إذا كانت القوى المكلفة بتطبيقه تستفيد من تعطيله. فالقوانين لا تنفذ من تلقاء نفسها، والمؤسسات لا تكتسب استقلاليتها بمجرد وضع النصوص عليها، والرقابة لا تصبح فاعلة ما لم تتوافر الإرادة لحماية استقلالها وتطبيق نتائجها. لذلك، فإن إصلاح النصوص، على أهميته، لا يكفي ما لم يترافق مع إصلاح عميق في الثقافة السياسية والاجتماعية وفي آليات ممارسة السلطة.

    انطلاقًا من تجربتي الشخصية في العمل السياسي والاجتماعي، أرى أن جانبًا أساسيًا من الأزمة التي يعاني منها مجتمعنا اللبناني يبدأ من علاقة المواطن بالدولة، ومن الثقافة التي تحكم علاقته بالزعيم والسلطة. ففي المجتمعات التي تقوم فيها الدولة على مفهوم المواطنة، تكون العلاقة بين الفرد والمؤسسات علاقة حقوق وواجبات، يحكمها القانون وتضمنها المساواة. أما في لبنان، فقد ترسخت عبر عقود علاقة مختلفة، تقوم في كثير من الأحيان على الولاء للزعيم أو البيك أو الرئيس، وعلى قناعة ترسخت بفعل التجربة اليومية، بأن الحصول على الحق يحتاج في كثير من الأحيان إلى واسطة، وأن الحماية تأتي من الانتماء السياسي أو الطائفي أكثر مما تأتي من مؤسسات الدولة.

    وبناءًا على هذه الصورة المرسومة في ذهن المواطن، يجد نفسه أمام تناقض عميق. في ذهنه وثقافته يطالب بدولة عادلة وقادرة، لكن في الوقاع يلجأ إلى الزعيم لتأمين وظيفة أو خدمة أو استثناء من القانون. تسمعه في الجلسات وحديثًا على شبكات التواصل الاجتماعي ينتقد المحاصصة، ثم يسعى للاستفادة منها عندما تتاح له الفرصة. يرفض الفساد من حيث المبدأ، لكنه يتسامح معه عندما يرتبط بمن يعتبره ممثلًا له أو مدافعًا عن جماعته.
    غير أن تحميل المواطن المسؤولية وحده سيكون ظلمًا وتبسيطًا للمشكلة. فحين تعجز الدولة عن تأمين الحقوق والخدمات والحماية الاجتماعية بصورة عادلة، يصبح الاعتماد على الزعيم أحيانًا وسيلة للبقاء لا مجرد خيار سياسي. وهنا تتشكل دائرة مغلقة: ضعف الدولة يدفع المواطن إلى طلب الحماية من الزعيم، والاعتماد على الزعيم يعزز نفوذه على حساب الدولة، فيزداد ضعف المؤسسات وتترسخ الحاجة إليه.

    ومن المواطن ننتقل إلى الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون الجسر بين المجتمع والدولة، والمدرسة التي تتكون فيها القيادات والبرامج والسياسات العامة.
    في كتابي الأخير حول إدارة الأحزاب السياسية، انطلقت من فكرة أن استدامة الأحزاب وقدرتها على العمل المؤسسي ترتبطان ارتباطًا مباشرًا بفاعلية الدولة. فالحزب الذي لا يمتلك آليات واضحة للمحاسبة، ولا يمارس الديمقراطية الداخلية، ولا يعمل على إعداد قيادات جديدة، ولا يضمن استمرارية مشروعه بعيدًا عن شخص رئيسه، يصعب عليه أن يقدم نموذجًا مختلفًا عندما يصل إلى السلطة.
    كيف يمكن لحزب يقوم على الولاء لشخص أن يبني دولة تقوم على الولاء للمؤسسات؟ وكيف يمكن لقوة سياسية لا تقبل النقد داخل تنظيمها أن تؤسس إدارة عامة خاضعة للمساءلة؟ وكيف نستطيع المطالبة باستدامة السياسات العامة إذا كانت البرامج الحزبية نفسها تتغير تبعًا للتحالفات والظروف الانتخابية ومصالح القيادات؟
    ليست المشكلة في وجود أحزاب قوية، بل في طبيعة هذه القوة. فالديمقراطيات تحتاج إلى أحزاب منظمة وقادرة على إنتاج السياسات وتجديد النخب، لكنها تحتاج أيضًا إلى أحزاب تقبل أن تكون الدولة أقوى منها، وأن تبقى المؤسسات العامة مستقلة عن نفوذها، وأن يكون تداول السلطة أمرًا طبيعيًا لا تهديدًا لوجودها.

    غير أن أزمة لبنان لا تتوقف عند حدود المواطن والأحزاب. فخلف المشهد السياسي الظاهر تتداخل شبكات واسعة من المصالح والنفوذ، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي ومالي، وبعضها يرتبط بممارسات غير مشروعة أو بقوى تمتلك وسائل ضغط تتجاوز المؤسسات الدستورية.
    وهنا نصل إلى ما يُسمّى بالدولة العميقة، أو بصورة أدق، إلى ظاهرة "الاستحواذ على الدولة" (State Capture)، حيث تتمكن شبكات المصالح والنفوذ من التأثير في القرارات والتشريعات والمؤسسات العامة بما يخدم مصالحها الخاصة.
    ولا نقصد بذلك اتهام القطاع المصرفي بأكمله، أو أصحاب الرساميل والتجار والصناعيين جميعًا. فالاقتصاد المنتج والاستثمار والمبادرة الخاصة عناصر أساسية لقيام دولة مزدهرة. إنما تكمن المشكلة عندما يتحول النفوذ الاقتصادي إلى وسيلة لاحتكار الأسواق، أو التأثير في التشريعات والقرارات، أو الحصول على امتيازات لا تخضع للمنافسة والرقابة، أو حماية مصالح خاصة على حساب المال العام.
    وتزداد خطورة هذه الشبكات عندما تتقاطع مع التهرب الضريبي والتهريب والاتجار بالمخدرات وسائر أشكال الاقتصاد غير القانوني، وحين تتمكن الجهات المتورطة في هذه الأنشطة من الاستفادة من الحماية السياسية أو ضعف الأجهزة الرقابية والقضائية.
    عندها لا تعود المشكلة مجرد فساد أفراد، بل تصبح خللًا في العلاقة بين السلطة والمصلحة الخاصة. فبدل أن تضع الدولة القواعد التي يلتزم بها الجميع، تصبح بعض القواعد قابلة للتفاوض أو التعطيل كلما اصطدمت بمصالح أصحاب النفوذ.
    أما السلاح الخارج عن سلطة الدولة، فيمثل مستوى آخر من هذه الأزمة، لأنه لا يتعلق فقط بالفساد أو بالمصالح الاقتصادية، بل بمبدأ السيادة نفسه. فلا يمكن الحديث عن دولة مكتملة المؤسسات إذا لم تكن قرارات الحرب والسلم واستخدام القوة خاضعة للسلطات الدستورية الشرعية. ولا يمكن ضمان استدامة السياسات العامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إذا بقيت هناك قوى قادرة على اتخاذ خيارات أمنية أو عسكرية ذات نتائج وطنية من خارج القرار الرسمي للدولة.
    إن اجتماع النفوذ السياسي والاقتصادي غير الخاضع للمساءلة مع وجود سلاح خارج السلطة الشرعية يضع الدولة أمام معادلة شديدة التعقيد: مؤسسات تتحمل المسؤولية أمام المواطنين، لكنها لا تمتلك دائمًا كامل القدرة على اتخاذ القرار أو تنفيذه.
    ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت جميع القوى النافذة تريد فعلًا قيام دولة قوية. فالدولة القادرة تعني قضاءً مستقلًا، وإدارة شفافة، ونظامًا ضريبيًا عادلًا، ومنافسة اقتصادية، ورقابة على المال العام، واحتكارًا شرعيًا للقوة. وهذه جميعها شروط قد تتعارض مع مصالح من اعتادوا الاستفادة من الاستثناءات أو من ضعف المؤسسات.
    لكن وجود مصالح تستفيد من ضعف الدولة لا يعني أن كل إخفاق كان نتيجة خطة موحدة أو مؤامرة منظمة. فقد تتضافر المصالح المتناقضة أحيانًا لإنتاج النتيجة نفسها، حتى من دون اتفاق مسبق بين أصحابها. فكل طرف يسعى إلى حماية موقعه، والنتيجة المشتركة تكون تعطيل الإصلاح وإبقاء الدولة عاجزة عن ممارسة سلطتها بصورة متكاملة.

    وهنا تعود مسؤولية الحكام والقيادات السياسية إلى الواجهة. فليس مقبولًا أن يرفع المسؤول شعار الإصلاح، ثم يبرر جميع إخفاقاته بعراقيل النظام أو بوجود قوى نافذة تعارض مشروعه. فالقيادة لا تُقاس بالنوايا وحدها، ولا بمجرد إعداد الخطط وإطلاق المبادرات، بل بقدرتها على بناء المؤسسات، وإدارة التحالفات، وتحديد الأولويات، وتحقيق نتائج قابلة للاستمرار.
    صحيح أن القائد الإصلاحي قد يصطدم بموازين قوى تعيق عمله، لكن من حق المواطنين أن يسألوه: ماذا فعل لتغيير هذه الموازين؟ وهل استطاع تحويل مشروعه إلى سياسات مؤسسية؟ وهل بنى فريقًا وإدارة قادرين على متابعة العمل من بعده؟ أم أنه انتهى إلى التكيف مع قواعد اللعبة السياسية التي كان قد وعد بتغييرها؟

    وهنا يجب التمييز بين الوصول إلى السلطة، وممارسة الحكم، وبناء الدولة. فالوصول إلى السلطة قد يكون نتيجة تسوية أو تحالف أو انتخابات، وممارسة الحكم تعني إدارة المؤسسات واتخاذ القرارات ضمن الظروف القائمة، أما بناء الدولة فيعني تغييرًا أعمق، خلاصته إنشاء قواعد وآليات عمل تضمن استمرار المؤسسات والسياسات العامة بصرف النظر عن هوية الحاكم.
    الدولة المستدامة لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة، ولا تتوقف مشاريعها بتغيير الوزير، ولا تتحول خططها الاقتصادية والإنمائية إلى إنجازات شخصية تُلغى عندما يغادر أصحابها مواقعهم. إنها دولة تمتلك ذاكرة مؤسسية، وإدارة مهنية، وسياسات طويلة الأمد، ومؤشرات لقياس الأداء، وأجهزة رقابة ومحاسبة، وآليات تضمن تصحيح الأخطاء واستكمال المشاريع.
    فكم من خطة إصلاحية أُعلنت في لبنان ثم فقدت زخمها مع تغير الظروف السياسية؟ وكم من مشروع ارتبط باسم وزير أو عهد أو حزب، بدل أن يصبح جزءًا من سياسة عامة تلتزم بها الدولة؟ وكم مرة أعيد فتح النقاش حول مسائل كان يفترض أن تكون قد حُسمت ضمن استراتيجية وطنية مستمرة؟
    إن هذه الأسئلة تكشف أن أزمة الاستدامة لا تقل خطورة عن أزمة الإصلاح نفسه. فقد تنجح حكومة في إطلاق مشروع، لكن النجاح الحقيقي يكمن في قدرة المؤسسات على استكماله وتطويره ومحاسبة المسؤولين عن نتائجه، حتى بعد انتهاء ولاية الحكومة التي أطلقته.
    لذلك، فإن الدعوة إلى تعديل النظام السياسي أو تطوير الدستور، على مشروعيتها، لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للهروب من مسؤولية تطبيق القوانين القائمة. فقد يحتاج لبنان إلى إصلاحات دستورية وإدارية، لكن أي صيغة جديدة ستبقى معرضة للتعطيل إذا انتقلت إليها الثقافة السياسية نفسها، وشبكات المصالح نفسها، وآليات المحاصصة والولاء نفسها.
    فالدستور ليس بديلًا عن الإرادة السياسية، والقانون ليس بديلًا عن القضاء المستقل، والمؤسسات ليست بديلًا عن ثقافة احترام المؤسسات.
    وإذا أردنا أن نبحث بجدية عن أسباب تعثر قيام الدولة في لبنان، فلا يكفي أن نسأل من حكم ومن عارض، أو من نجح ومن فشل. علينا أن نطرح السؤال على الجميع: على المواطن الذي يمنح ولاءه للزعيم قبل الدولة، وعلى الحزب الذي يطالب بالمؤسسات ولا يمارس دائمًا منطقها، وعلى أصحاب النفوذ الذين قد يستفيدون من ضعف الرقابة، وعلى القوى التي تحتفظ بسلطة خارج الشرعية، وعلى الحاكم الذي يصل إلى موقع المسؤولية ثم يعجز، أو لا ينجح، في تحويل وعوده إلى مؤسسات مستدامة.
    في المقالة السابقة، سألنا إن كانت محاولة ميشال عون لبناء الدولة قد فشلت أم أُفشلت. أما اليوم، وبعد توسيع دائرة النقاش، فقد يكون السؤال الأهم: هل عجز اللبنانيون عن بناء الدولة، أم أن قيام دولة قوية وعادلة لم يكن يومًا مصلحة مشتركة لجميع القوى التي تتقاسم النفوذ فيها؟
    ربما تكمن الحقيقة في تداخل الأمرين؛ بين مجتمع لم يتحرر بعد بالكامل من ثقافة الزعامة، وأحزاب لم تستكمل تحولها إلى مؤسسات، وشبكات مصالح تخشى فقدان امتيازاتها، وقيادات سياسية لم تنجح في كسر الحلقة التي تعيد إنتاج الأزمة.
    لهذا، فإن بناء الدولة اللبنانية لا يتحقق بمجرد انتخاب رئيس جديد، أو تشكيل حكومة جديدة، أو تعديل قانون الانتخابات النيابية، أو حتى تعديل الدستور. فهذه جميعها أدوات قد تكون ضرورية للإصلاح، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تتغير الثقافة والممارسات التي تحكم العلاقة بين المواطن والسلطة.
    فلا يكفي أن نغيّر الرجال إذا بقيت القواعد التي صنعتهم، ولا يكفي أن نغيّر النصوص إذا بقيت القوى التي تستفيد من تعطيلها.
    ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق أي مشروع إصلاحي في لبنان:
    هل نريد دولة تحمي مصالح الجميع بالقانون، أم نريد أن تبقى الدولة ضعيفة كي يستطيع كل طرف حماية مصالحه من القانون؟
    فالاختبار الحقيقي لبناء الدولة ليس في قدرة أي زعيم على الوصول إلى الحكم، بل في استعداده، واستعداد المجتمع والقوى السياسية والاقتصادية معه، للقبول بدولة يكون قانونها أقوى من الجميع.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology