جان بو شعيا -لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرّد مشكلة تقنية تتعلّق بنقص الإنتاج أو بتقادم المعامل، بل أصبحت مرآة لأزمة الدولة نفسها، حيث تصطدم الخطط الإصلاحية بالمصالح السياسية، وتُجهَض المشاريع بفعل التجاذبات، فيما يبقى المواطن اللبناني أسير العتمة، يدفع من جيبه ثمن فشل منظومة لم تنجح في تأمين أبسط حقوقه.
وفي هذا السياق، لا يمكن مقاربة ملفّ ّالطاقة من دون العودة إلى تجربة وزراء التيار الوطني الحرّ، الذين وضعوا خططًا متعاقبة لمعالجة الأزمة، شملت تطوير الإنتاج، وإنشاء معامل جديدة، وتنظيم القطاع، والسعي إلى تأمين كهرباء أكثر انتظامًا. وقد واجهت هذه الخطط عراقيل سياسية وحملات اعتراض وتعطيل من قوى شاركت في إدارة الدولة، فيما تحوّلت وزارة الطاقة إلى ساحة اشتباك سياسي بدل أن تكون ورشة وطنية للإصلاح.
لقد دفع التيار الوطني الحرّ ثمنًا سياسيًا باهظًا نتيجة ارتباط اسمه بوزارة الطاقة، فيما لم تكن قرارات القطاع ومشاريعه التمويلية والتنفيذية خاضعة لوزارة واحدة بمعزل عن الحكومة ومجلس النواب وسائر المؤسّسات. فمن غير المنصف تحميل وزراء التيار وحدهم مسؤولية أزمة شاركت في صنعها منظومة سياسية كاملة، عطّلت قرارات واختلفت على المشاريع، ثمّ حاولت التنصّل من مسؤولياتها.
لكنّ الأهم أنّ تجربة التيار، بما لها وما عليها، لا يجوز اختزالها في رواية خصومه. فالإنصاف يقتضي العودة إلى الخطط والقرارات والمشاريع، وتحديد ما أُنجز وما تعثّر، ومن عرقل التنفيذ، بدل الاكتفاء بترداد الاتهامات. فالمحاسبة الحقيقية تبدأ من الوقائع، لا من الحملات السياسية التي تحاول تحويل وزارة الطاقة إلى كبش محرقة لأزمة الدولة بأكملها.
أمّا اليوم، فيبدو أنّ المشهد يتكرّر بأسلوب مختلف. فالوزير الحالي، جو الصدّي، الذي تولّى حقيبة الطاقة في ظلّ حكومة تحظى بدعم داخلي وخارجي، لم ينجح حتى الآن في إحداث التحوّل الذي ينتظره اللبنانيون في واقع التغذية الكهربائية.
وبدل أن يكون معيار تقييمه ما حقّقه على مستوى الإنتاج والإصلاح وتخفيف الأعباء عن المواطنين، انتقل المشهد إلى إعلان اعتكافه عن حضور جلسات مجلس الوزراء، احتجاجًا على عدم التجاوب مع مقترحاته. وقد برّر الوزير خطوته بأنّ الحكومة لا تتحمّل مسؤولياتها تجاه القطاع، مشيرًا إلى مستحقات مالية وفواتير غير مسدّدة تعيق قدرة مؤسّسة كهرباء لبنان على شراء المحروقات.
لكن، أليس من حقّ اللبنانيين أن يسألوا: أين كانت الخطط التنفيذية التي كان يفترض أن تتحوّل إلى نتائج ملموسة؟ وكيف يمكن لوزير الطاقة أن يختصر حصيلة مسؤوليته في خلاف مع الحكومة، وكأنّه يقف خارج السلطة التي هو جزء منها؟
إنّ ما نشهده اليوم يبدو أقرب إلى مسرحية لتبادل المسؤوليات منه إلى مواجهة جدّية مع أزمة الكهرباء. يعتكف الوزير، ويعلن اعتراضه، ويضع المسؤولية في ملعب شركائه، فيما تبقى العتمة على حالها، ويبقى المواطن رهينة المولّدات وفواتيرها الباهظة. وإذا كانت الحكومة تعرقل مشاريعه فعلًا، فليضع أمام الرأي العام القرارات التي اقترحها، والجهات التي رفضتها، والنتائج التي كان يمكن تحقيقها لو نُفّذت. أمّا الاكتفاء بالاحتجاج، فلا يُعدّ إنجازًا ولا يُغني عن المحاسبة.
إنّ الاعتكاف قد يكون وسيلة ضغط سياسية، لكنّه لا يمحو مسؤولية الوزير عن إدارة وزارته، ولا يعفيه من تقديم كشف واضح بحصيلة أدائه. فالوزير ليس مراقبًا من خارج الحكومة، بل شريك في قراراتها ومسؤول عن قطاعه. وإذا كان عاجزًا عن انتزاع القرارات التي يحتاج إليها، فإنّ السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: ما جدوى البقاء في موقع المسؤولية إذا كانت النتيجة هي الاكتفاء بتبادل الاتّهامات؟
والأكثر إشكالية أنّ هذا المشهد يأتي في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى إدارة حازمة وخطّة واضحة، لا إلى سجالات تُستثمر سياسيًا. فالدعم الذي تحظى به الحكومة، داخليًا وخارجيًا، كان يفترض أن يشكّل فرصة لتسريع الإصلاح، لا مجرّد رصيد سياسي يُستند إليه عند إطلاق الوعود، ثمّ يُنسى عند تقييم النتائج.
إنّ المقارنة بين وزراء التيار الوطني الحرّ والوزير الحالي يجب أن تنطلق من معيار واحد، لكن من دون تجاهل الفارق بين تجربة واجهت عراقيل سياسية متراكمة، وتجربة جديدة جاءت بوعود إصلاحية وفرص دعم تستوجب ترجمتها إلى نتائج.
فالتيار محقّ في المطالبة بألّا تُحمّل وزارته وحدها أوزار منظومة كاملة شاركت في إدارة البلاد وتعطيل الحلول. لكنّ الدفاع عن تجربته يكون أقوى عندما يستند إلى توثيق الخطط والمشاريع والقرارات التي اصطدمت بالعراقيل، وإظهار الجهات التي تحمّلت مسؤولية تعطيلها.
وفي المقابل، فإنّ الوزير الحالي مطالب بأن يُحاسَب على ما أنجزه، لا على ما يعلنه من مواقف. فلا يكفي أن يتحدّث عن الإصلاح، ولا أن يعلن الاعتكاف، ولا أن يحمّل الحكومة مسؤولية عدم التجاوب. المطلوب نتائج ملموسة، وجدول زمني واضح، وشفافية في إدارة القطاع، ومصارحة اللبنانيين بما تحقّق وما تعثّر وأسباب ذلك.
لقد سئم اللبنانيون سياسة الهروب إلى الأمام: بالأمس تعطيلٌ للخطط، واليوم اعتكافٌ عن جلسات الحكومة، وفي الحالتَين المواطن هو من يدفع الثمن. لكنّ الفرق بين من يدافع عن تجربة سابقة ومن يتولّى المسؤولية اليوم هو أنّ الوزير الحالي لا يستطيع أن يكتفي بتفسير إخفاقات الماضي، بل عليه أن يثبت أنّه قادر على تغيير الحاضر.
فالكهرباء ليست ملكًا لحزب، ولا ورقة في بازار المصالح السياسية، ولا منصّة لتسجيل المواقف. إنّها حقّ للمواطن وواجب على الدولة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يمكن التهرّب منها: لا يمكن إنارة لبنان بالبيانات، ولا بالوعود، ولا بمسرحيات الاعتكاف. المطلوب إرادة سياسية، وخطّة قابلة للتنفيذ، وإدارة مسؤولة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
ومن أراد أن يُحمّل الآخرين مسؤولية العتمة، فعليه أولًا أن يضع أمام اللبنانيين حصيلة عمله. أمّا أن يتولّى وزارة الطاقة، ثم يجعل من اعتكافه عنوانًا للمشهد، فذلك لا يُنهي الأزمة، بل يضيف إلى عتمة الكهرباء عتمةً أخرى في وضوح المسؤوليات.