نهاية المظلة الأميركية: الشرق الأوسط يبحث عن نظام أمني جديد (الدكتور أمل ابو زيد)

  • 09 October 2026
  • 5 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    لقد أُقيم النظام الأميركي في المنطقة على أساس ما يُزعم أنها ترتيبات أمنية، تعززت بعد انتهاء الحرب الباردة بفضل النزعة الأحادية الأميركية والهيمنة الإقليمية. ومع ذلك، فإن هذا النظام ينهار أمام أعيننا، وقد وصل الوضع إلى هذه المرحلة نتيجة لثلاثة تصدعات كبرى باتت واضحة منذ اندلاع الصراع في غزة والتركيز الأميركي-الإسرائيلي على تغيير النظام في إيران.

    يتمثل التصدع الأول في جانب أخلاقي؛ إذ أدت عمليات القتل المستمرة التي ترتكبها إسرائيل بحق سكان غزة، بدعم وتسليح من الولايات المتحدة وحلفاء عدة لها إلى قناعة لدى الكثيرين في الشرق الأوسط، ومحقة في ذلك، بأن النظام الأميركي يقوم في جوهره على ركائز إسرائيلية، حيث تأتي رفاهية شعوب المنطقة، والفلسطينيين على وجه الخصوص، في مرتبة ثانوية. وقد وصف الكاتب الهندي "بانكاج ميشرا" فظائع غزة بأنها "قطيعة نهائية في التاريخ الأخلاقي للعالم منذ نقطة الصفر عام 1945."
    على أي أساس يمكن للولايات المتحدة إرساء نظام أمني مستدام في الشرق الأوسط إذا كانت لا توفر الأمن كما أثبتت الحرب الدائرة مع إيران وفي الوقت نفسه تُظهر عدم اكتراث تام بشعوب المنطقة وتطلعاتها؟ ولهذا السبب، لطالما اتسم "السلام الأميركي (Pax Americana)" بهشاشة متأصلة.

    وقد أدركت المملكة العربية السعودية هذا الأمر في سبتمبر 2019، حين قصفت إيران منشآت "أرامكو" النفطية دون أن تبدي الولايات المتحدة أي رد فعل؛ مما ولّد لدى السعوديين قناعة بضرورة الاعتماد على أنفسهم. وقد تعززت هذه القناعة أكثر فأكثر مع استمرار الحرب الأخيرة مع إيران ومواصلة طهران قصف دول في أنحاء منطقة الخليج. وتمثلت إحدى نتائج هذا الإدراك في توقيع السعودية وإيران على "اتفاق بكين" في مارس 2023، سعياً نحو تهدئة التوترات وتحسين العلاقات بينهما. ومن خلال هذه الخطوة، لم يكن السعوديون بصدد التخلي عن الولايات المتحدة، بل أرادوا التأكيد على أنهم لن يضعوا كل رهاناتهم بعد الآن على المظلة الأمنية الأميركية.
    مثّل اتفاق بكين أيضاً اعترافاً ضمنياً من الجانب السعودي بأن سياسة عزل النظام الإيراني والإطاحة به لم تكن مجدية، وذلك رغم العقود التي قضتها الولايات المتحدة في محاولة تحقيق ذلك. وعليه، اقترن "الصدع الأخلاقي" الذي أُشير إليه آنفاً بما يمكن تسميته "صدعاً استراتيجياً"، وإن كان غامضاً بعض الشيء في بدايته؛ إذ ظل السعوديون يسعون لضمان التزام أميركي أكثر رسوخاً بأمنهم. غير أن قيام إيران خلال الأشهر الأخيرة بتفكيك الشبكة الواسعة من القواعد العسكرية التي كان يعتمد عليها الوجود العسكري الأميركي، قد أكّد بلا شك الشكوك السعودية.
    لم يتخلَّ السعوديون بعد أحداث بكين فوراً عن الأمل في أن يتمكن الأميركيون من تزويدهم بضمانات أمنية؛ إذ تمثلت اثنتان من النقاط الرئيسية في قائمة الشروط السعودية لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل في إبرام واشنطن والرياض معاهدة دفاع مشترك، وحصول السعودية على مساعدة أميركية لبرنامجها النووي المدني. غير أن القصف الإسرائيلي الوحشي لقطاع غزة أدى إلى تجميد العملية برمتها، حيث أدرك السعوديون صعوبة احتواء حالة الاستياء الداخلي التي قد تنجم عن الموافقة على السلام مع إسرائيل، التي ينظر إليها الكثير من العرب على أنها تمارس الإبادة الجماعية.
    كان من الواضح منذ البداية ما سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه من خلال ضم السعودية إلى ما يُعرف بـ "اتفاقيات أبراهام".
    ففي حين كانت عدة دول عربية قد وقعت بالفعل اتفاقيات سلام مع إسرائيل، فإن انضمام السعودية كان سيمنح هذا المشروع أبعاداً أكثر أهمية وتأثيراً بكثير.
    بالنسبة لواشنطن، كان يُنظر إلى المصالحة العربية الإسرائيلية باعتبارها العمود الفقري السياسي لنظام إقليمي متصور لما بعد مرحلة الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، وهو نظام كان من المفترض أن يرتكز على دعامة عسكرية إسرائيلية. ومن شأن هذا الترتيب الجديد أن يتيح للولايات المتحدة سحب قواتها المسلحة من المنطقة مع الحفاظ في الوقت ذاته على نفوذ إقليمي كبير، وذلك بهدف التصدي للصين.
    في ظل حرب غزة وتصريحات بنيامين نتنياهو المتسمة بالغطرسة حول بزوغ فجر شرق أوسط جديد تشكله إسرائيل، لم تعد العديد من دول المنطقة، التي كانت تدرك مغزى "اتفاقيات أبراهام"، راضية عما تراه أمامها.
    لقد أعادت إسرائيل احتلال غزة وتسعى الآن لتهجير سكانها. وفي عام 2025، حاولت تهميش قطر عبر استهداف مكتب لحركة حماس في الدوحة. كما أنها تحتل أجزاءً من جنوب سوريا وتدفع باتجاه تفتيت البلاد، واعترفت بـ "صوماليلاند" بهدف إقامة وجود استراتيجي عند مدخل البحر الأحمر، الذي يُعد أحد الممرات البحرية الحيوية للمملكة العربية السعودية. وعلاوة على ذلك، غزت إسرائيل لبنان وتحاول الآن فرض وجود دائم لها فيه، أو انتزاع اتفاق سلام يصب في مصلحتها، أو إشعال صراع داخلي، أو تحقيق كل ذلك مجتمعاً. كما دفعت الولايات المتحدة نحو حرب مع إيران آملةً في التخلص من النظام الحالي، لكن خططها باءت بالفشل.
    لا تبدي الدول الكبرى في الشرق الأوسط أي اهتمام بأن تلعب أدواراً ثانوية في سيناريو صاغته الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أنها لا ترغب في وضع أمنها بين أيدي إسرائيل. ويُشكل هذا الموقف صدعاً ثالثاً في النظام الأميركي القائم؛ وتحديداً في تلك القناعة السائدة منذ نهاية الحرب الباردة بأن تحقيق النتائج المرجوة في المنطقة لا بد أن يمر عبر أطر تفرضها الولايات المتحدة وهي أطر تهدف في جوهرها إلى ترسيخ الهيمنة الأميركية.
    وقد تمخض عن هذا الرفض "اتفاق الدفاع المشترك في مكة" الذي وقعته كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس الماضي. ورغم أن الاتفاق قُرئ خطأً على أنه موجه ضد دول بعينها أو بمثابة إعلان استقلال عن الولايات المتحدة، إلا أنه بدا في الواقع حجر الزاوية لهيكل أمني إقليمي جديد؛ يهدف إلى الحيلولة دون بروز قوة إقليمية مهيمنة، وفي الوقت ذاته يضع الأسس لنظام جديد يحل محل "السلام الأميركي (Pax Americana)." ويتمحور هذا النظام حول توازنٍ يولد الاستقرار، لا ترتيبٍ مصطنعٍ يتمحور حول إسرائيل وتروّج له الولايات المتحدة، إذ لن يؤدي ذلك إلا إلى زعزعة الاستقرار على مستوى النظام الإقليمي بأكمله.
    هل سينجح الأمر؟ وحدها الأيام كفيلة بالإجابة عن ذلك، لكن المنطقة تجاوزت مرحلة الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية نظام إقليمي مستدام يضمن التوازن والأمن لجميع الدول؛ ويعود الفضل في ذلك إلى نتنياهو. فقد شجّع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأميركيين على خوض حربٍ زُعم أنها ستُحدث تحولاً جذرياً في مواجهة إيران، وانساق ترامب، الذي كان يميل لتصديق الإسرائيليين أكثر من مستشاريه، وراءه نحو طريق مسدود. وكانت النتيجة أن حلم نتنياهو بتوظيف التدخل الأميركي لفرض الهيمنة الإسرائيلية إقليمياً قد تحطم على صخرة إيران، التي تنظر إليها دول عديدة في المنطقة باعتبارها تهديداً لا يقل خطورة عن إسرائيل. وسيستمر هذا الإخفاق الذريع في ظل محاولات ترامب المحمومة لإنقاذ نفسه؛ ولكن، بعد أن تبيّن لهم أن الرئيس لا يجيد السباحة، هل لا تزال دول المنطقة حريصة حقاً على منعه من الغرق؟