خاص - القوات تعتزل الحكومة ولا تستقيل: شراكة في السلطة وانفصام في الموقف!

  • 06 October 2026
  • 44 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    في لبنان، لا تتوقف السياسة عند حدود المفارقات، بل تبحث في كل مرة عن صيغة جديدة لتقديمها. آخر هذه الصيغ أن يقرر وزير في حكومة قائمة تعليق حضوره جلسات مجلس الوزراء، احتجاجاً على ما يعتبره تقاعساً من الحكومة في معالجة الملف الذي يتولاه. وفي السياسة، لا تكفي البيانات لتحديد موقع أي طرف. الموقع تحدده المسؤولية التي قبل بها، والسلطة التي ارتضاها، والقرارات التي شارك في صناعتها. من هذه الزاوية، فإن قرار القوات اللبنانية تعليق حضور وزيرها جو الصدّي جلسات مجلس الوزراء يفتح نقاشاً يتجاوز بكثير ملف الكهرباء أو الخلاف حول بند مالي أو إداري.
    هل ما زالت القوات تتعامل مع نفسها كطرف في الحكم، أم أنها تريد أن تمارس دور المعارضة من داخل السلطة؟
    دخلت القوات الحكومة على قاعدة المشاركة وتحمل المسؤولية، ووزيرها لم يدخل مجلس الوزراء بصفة مراقب، بل بصفة شريك في السلطة التنفيذية. بالتالي، لا يمكن فصل تعليق الحضور عن السؤال الأوسع حول مفهوم الشراكة الحكومية. هل الشراكة تعني المشاركة في القرار وتحمل نتائجه، أم الاحتفاظ بحق الاعتراض والانسحاب كلما اصطدم القرار بحسابات سياسية أو وزارية؟
    هنا تصبح المسألة أكثر حساسية من مجرد اعتكاف وزير. إذا كانت الحكومة، كما يقول الصدّي، مسؤولة عن أزمة الكهرباء، فالقوات جزء من هذه الحكومة. وإذا كان هناك تقصير حكومي، فإن موقع القوات الطبيعي هو مساءلة هذا التقصير من داخل مجلس الوزراء، وتسجيل اعتراضها، وخوض المعركة السياسية حوله، لا الانتقال إلى موقع يبدو أقرب إلى المعارضة مع الاحتفاظ بالموقع الوزاري. تعني المشاركة في الحكم أن تكون شريكاً في النجاح والفشل، وفي القرار والتبعات.
    الأهم أن هذه الخطوة تعيد إلى الواجهة سؤالاً لطالما رافق الحياة السياسية اللبنانية: هل الوزارات مواقع تنفيذية للدولة، أم امتداد سياسي للأحزاب التي تسمّي الوزراء؟
    إذا كانت الوزارة مؤسسة من مؤسسات الدولة، فالوزير فيها مسؤول أمام الحكومة والدولة عن ممارسة صلاحياته، وليس أمام حزبه فقط. أما إذا تحولت الوزارة إلى منصة حزبية، فيصبح مجلس الوزراء نفسه ساحة تفاوض بين القوى السياسية أكثر مما يكون مؤسسة لاتخاذ القرار العام.
    هذا تحديداً ما يجعل اعتكاف وزير عن جلسات الحكومة ذا دلالة سياسية. فهو لا يقول فقط إن هناك خلافاً حول الكهرباء، بل يوحي بأن هناك خلافاً على طريقة ممارسة السلطة وعلى حدود الشراكة داخل الحكومة.
    بنت القوات اللبنانية جانباً أساسياً من خطابها السياسي في السنوات الماضية على فكرة رفض تحمّل مسؤولية خيارات لم تكن شريكة فيها، وعلى تقديم نفسها كقوة معارضة للنهج الذي أوصل الدولة إلى أزماتها. لكن المشاركة في الحكومة تغيّر المعادلة.
    يعني الانتقال من المعارضة إلى السلطة حكماً الانتقال من موقع المراقبة والمساءلة إلى موقع المسؤولية المباشرة. هذا الانتقال يستحيل أن يكون انتقائياً.
    للمعارضة الحقيقية أدواتها وموقعها ومسؤولياتها، والحكومة لها أدواتها وموقعها ومسؤولياتها. أما الجمع بين الموقعين، فينتج حالاً رمادية تسمح للطرف السياسي الاحتفاظ بمزايا السلطة، وفي الوقت نفسه بالاستفادة من خطاب المعارضة.
    لا ريب أن ملف الكهرباء من أكثر الملفات حساسية، ومن الطبيعي أن يخوض وزير الطاقة معركة سياسية للدفاع عن رؤيته. لكن هل المطلوب فعلاً معالجة أزمة الكهرباء، أم إعادة توزيع المسؤولية السياسية عنها؟
    لا يريد اللبناني معرفة من ربح السجال داخل مجلس الوزراء. يريد معرفة من سيؤمّن الكهرباء، ومن سيدفع كلفة العجز، ومن سيمنع تكرار الأزمة.
    من هنا، ليس أفضل اختبار لأي وزير قدرته على إطلاق موقف سياسي، بل قدرته على تحويل موقفه إلى قرار.
    إذا كان الوزير يمتلك خطة، فليضعها أمام مجلس الوزراء. وإذا كان هناك وزير أو جهة تعرقلها، فليسمِّها. وإذا كان هناك قرار لم يُتخذ، فليحمّل المسؤولية لمن رفضه. وإذا كان المطلوب تمويلاً، فليُطرح التمويل على الطاولة. أما تعليق الحضور، فيترك للرأي العام انطباعاً بأن المعركة انتقلت من معالجة المشكلة إلى إدارة المسؤولية السياسية عنها.
    ليست الحكومة تحالفاً إعلامياً، ولا عقداً سياسياً يُعلّق العمل به عند أول خلاف. الحكومة شراكة في القرار، والشراكة تعني أن تدفع كل جهة ثمن مواقفها السياسية كما تستفيد من نتائجها.
    لذلك، يطرح قرار القوات تعليق حضور وزيرها في جلسات مجلس الوزراء يطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: إذا كانت القوات غير راضية عن أداء الحكومة، فلماذا لا تستخدم موقعها داخل الحكومة لتغيير هذا الأداء؟ وإذا كانت تعتبر أن الحكومة غير قادرة على القيام بمسؤولياتها، فلماذا تبقى جزءاً منها؟
    بين المشاركة والاعتكاف مساحة سياسية لا يمكن تغطيتها بالكلام. فإما أن تكون القوات شريكاً في الحكم، فتشارك في جلساته وقراراته وتتحمل مسؤوليته، وإما أن تختار موقع المعارضة، فتخرج من السلطة وتعارضها من خارجها.
    أما أن تكون في الحكومة حين تكون الشراكة مكسباً، وخارجها حين تصبح المسؤولية كلفة، فهذه ليست معارضة ولا حكماً. إنها سياسة الوقوف على ضفتين في الوقت نفسه.
    السلطة مسؤولية قبل أن تكون موقعاً، والشراكة قرار قبل أن تكون مقعداً، والمحاسبة تبدأ من الاعتراف أولاً بمن يملك القرار.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology