محطات من السيرة العسكرية والسياسية للعماد ميشال عون -6-: الضابط الأكثر بعثاً للإطمئنان لدى بشير الجميل وحدود التعاون بين المقاومة اللبنانية والدولة!

  • 06 October 2026
  • 48 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    يعرض tayyar.org في هذه الحلقة جانباً من جوانب العلاقة بين مؤسس القوات اللبنانية بشير الجميّل والعقيد ميشال عون قائد "أفواج الدفاع"، وذلك بناء على مقتطفات من كتاب الصحافي والكاتب السياسي نقولا ناصيف "حاكم في الظل" والذي يتركّز على تاريخ مخابرات الجيش اللبناني ودورها.
    وتكشف هذه المقتطفات والمعلومات عن خصائص العلاقة بين بشير والضابط "رعد"، والتي جمعت ما بين الاتفاق على مشروع مقاومة الإحتلالات الخارجية وضرورة بناء دولة قوية، ورفض عون إقحام البندقية في الصراعات بين قوى المقاومة اللبنانية، فضلاً عن ثقة بشير بعون والتي أدت لاحقاً إلى التفكير بتعيينه قائد الجيش بعد انتخاب الجميّل رئيساً.

    في 26 تشرين الأول اندلعَت في عين الرمانة اشتباكات بين القوات اللبنانية ومسلحي «الحنش» توسعت في اليوم التالي بين الأحياء وداخل الشوارع. بعد يومين عززت القوات اللبنانية مواقعها بحشود إضافية في المنطقة مع تزايد حدة الصدامات التي انتهت في اليوم الثالث، 29 تشرين الأول، بأن حسم بشير الجميل المعركة لمصلحته (...). ألقت نتائج معركة عين الرمانة بثقلها على الحكومة الجديدة برئاسة شفيق الوزان بفعل ما قيل عن تواطؤ الجيش وتخليه عن مواقعه لميليشيا بشير الجميل الذي أوفد، بعد إنهاء سيطرته على المنطقة، زاهي البستاني وإلياس حبيقة إلى فيكتور الخوري لشكره على تحييده الجيش. فكان أن حملا طلباً مقابلاً هو إخلاء القوات اللبنانية مواقعها والفسح في المجال أمام الجيش لاستعادة سيطرته عليها.

    (...) انتهت مشكلة عين الرمانة بتفاهم بين جوني عبده وبشير الجميل قضى بسحب الأخیر مسلحيه منها في مقابل نشر قوات من الجيش. يومذاك اتصل جوني عبده بزاهي البستاني واقترح حلاً مرضياً هو إنشاء هيئة تنسيق مشتركة بين الجيش والقوات اللبنانية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. *وسأله عن الضابط الأكثر بعثاً للاطمئنان لدى بشير الجميل. بعد وقت قصير حمل إليه الاسم: «ميشال عون». فوجئ وسأله: «هل فكرت ملياً في اسم ميشال عون؟
    رد زاهي البستاني: «بشير هو الذي سماه، ويريده، يراه مناسباً".
    أشاعت تسمية بشير الجميل العقيد ميشال عون، وكان قد فاتحه في الأمر، انطباعاً بأن قوى الجيش في ظله لن تتواطأ ضد القوات اللبنانية. تبعاً لذلك وافق على إعادة انتشار الجيش في عين الرمانة ترجمة للتسويّة مع مدير المخابرات الذي أصر بدوره على عودة الجيش إلى مراكزه تنفيذاً لأوامر قائد الجيش. في اجتماع لاحق في حضور زاهي البستاني، طلب جوني عبده من بشير الجميل توقيع ورقة يتعهد فيها بعدم المطالبة بإبدال ميشال عون متى اصطدما، تحذيراً مبكراً له من أنه مقبل على اشتباك قريب معه.

    بعد أسبوعين صدق حدس جوني عبده. واجه بشير الجميل امتحان الخلاف مع العقيد ميشال عون الذي حلّ في قيادة قطاع بعبدا - الحدث محل العقيد نزيه راشد. دمج فوج الدفاع الأول بفوج الدفاع الثاني وكون منهما اللواء الثامن الضارب، وألحق الحزام الممتد من السوديكو إلى عين الرمانة بالحزام الآخر الممتد من غاليري سمعان إلى بدادون. عندما حاز ثقة فيكتور الخوري وجوني عبده وبشير الجميل في مهمته بصلاحيات واسعة النطاق، مدّ سيطرته في الجزء المسيحي من الضاحية الجنوبية لبيروت من خطوط التماس إلى أحياءها الداخلية. كانت القوات اللبنانية خبرت الاشتباك الأول مع ميشال عون بعد 11 آذار 1976 عندما كان مسؤولاً عن غرفة عمليات في وزارة الدفاع معنية بحماية حزام عسكري امتد من غاليري سمعان صعوداً حتى الكحالة دفاعاً عن مبنى الوزارة ومنشآتها. فحال دون دخولها إليه والاستيلاء على الأعتدة والأسلحة والآليات والوثائق السرية وسجلات العسكريين وحقوقهم المدونة في ملفاتهم والتقارير الأمنية والسياسية".

    التقى بشير الجميل بميشال عون مراراً بعدما وصفه له أنطوان نجم، أحد أبرز مستشاريه المتشددين، بأنه واحد من أفضل ضباط الجيش ويشاركه أفكاره ومشروعه في المقاومة. و *ما لبث أن أصبح الضابط في صلب التحليل الاستراتيجي في عقل بشير الجميل مذ انضم إلى الاجتماعات المهمة في فريق عمله، والتي لم تخف عن مديرية المخابرات. إلا أن هذه لم تتحفظ عنه ولم تعرضه لمضايقات.*

    كان اللقاء الأول بينهما صيف عام 1975 في بيت ضابط طيار هو هنري ضاهر وعمل طياراً مدنياً في شركة طيران الشرق الأوسط. ثم التقيا في مكتب رئيس الشعبة الثانية جول البستاني. كانت كذلك لقاءات أخرى عابرة حتى عام 1978 عندما اجتمعا في نهاية حزيران، قبل ثلاثة أيام من بدء «حرب المئة يوم» في الأشرفية، بدعوة من شخصية طرابلسية هي فاروق المقدم وناقشا تدهور العلاقة مع الجيش السوري. في 3 تموز سافر ميشال عون إلى فرنسا في دورة عسكرية عاد منها في 1 الأول من تموز 1980. ثم التقيا للمرة الأولى بعد انقطاع 15 تموز على أثر أحداث 7 تموز 1980، وتحدثنا عن تردّي علاقة بشير الجميل بكميل شمعون.

    يومذاك استأذن ميشال عون قائد الجيش الاجتماع به سائلاً إياه هل ثمة توجهات محددة ينقلها إليه، فأجابه: «لا أضع يدي في يد ميت». قال ميشال عون: «حتى وإن تكن على حق سيدي، من الآن وحتى يموت هناك كثير من المسائل الخطيرة يمكن أن تحدث وتتعاظم ولا يجوز تالياً تجاهلها. نريد الحد الأدنى من التفاهم معه». لم يجب القائد، ولا أظهر ممانعة في الاجتماع به.

    التقيا في منزل قائد القوات اللبنانية في الأشرفية، فور المصافحة قال له بشير الجميل: «وحدنا القوات اللبنانية".
    أجابه ميشال عون القريب من كميل شمعون: «ليس هذا هو المطلوب، كان من المفترض الجلوس معاً إلى طاولة التفاوض والاتفاق تفادياً لصدام عسكري».
    رد: «لم يكن في الامکان إلا حدوث ما حدث".
    قال ميشال عون: «ولكن ما حصل قد حصل".
    أجابه: «صحيح، كيف الخروج الآن من المشكلة مع الرئيس شمعون؟".
    قال: «يبدو الأمر صعباً. أدخلت البندقية في المعادلة الداخلية. عليك الآن العمل على إخراجها». أدرك قائد القوات اللبنانية فحوى ما قصده محدثه، وهو أنه أضفى على البندقية والسلاح شرعية حسم الخلافات بين أفرقاء الصف الواحد. عقب: «ينبغي الخروج من المشكلة الآن، ما يهمني هو الرئيس شمعون أولاً وأخيراً".

    تتالت اجتماعات الرجلين إلى أن استعان به في عين الرمانة لرعاية اتفاقه مع جوني عبده. حتى ذلك الوقت لم يكن العقيد ميشال عون قد علم بمسار علاقة مدير المخابرات بقائد القوات اللبنانية. ولم تكن ثمة علاقة مباشرة جمعته بالأول. كانت وجهة النظر السياسية التي لازمت مهمته العسكرية، المستمدة من واقع معرفته السابقة ببشير الجميل وتعاطفه معه، أن للأخير وجوداً عسكرياً وسياسياً ينبغي تفادي ارتكاب خطأ المواجهة معه أو الاقدام على تصرف متهور في مرحلة لم تكن قد استكملت في إعادة بناء الجيش. بدا المطلوب منه أيضاً تنظيم التعايش بين الطرفين في هذه المنطقة بوضع ضوابط لبعض الأفكار والمشاعر المتطرفة والمشاعر المتبادلة وتعزيز الاستقرار، والحؤول دون إقدام أحدهما على الانقلاب على الآخر.

    منذ 9 كانون الأول 1980 أصبحت خطوط التماس في الجانب المسيحي من بيروت بدءاً من السوديكو امتداداً حتى كفرشيما في الضاحية الجنوبية صعوداً حتى بدادون في عهدة ميشال عون، بينما ظل القسم المتبقي من هذا الشريط، من السوديكو حتى مرفأ بيروت، تحت سيطرة الميليشيا المسيحية. كان جوني عبده قد رغب إلى بشير الجميل في استعادة الهدوء والاستقرار إليها إعراباً عن تأييده لعهد إلياس سركيس وسياسسته، وتكريساً لاستمرار علاقتهما الجديدة بعدما سادها توتر على أثر أحداث 7 تموز. فسعى بذلك إلى منح السلطة مكسباً سياسياً هو تعزيز هيبة الجيش يوازن به انتصاراً عسكرياً حققه قائد القوات اللبنانية عندما أحكم سيطرته على المناطق المسيحية حتى تخوم قصر بعبدا ووزارة الدفاع. وسرعان ما واجه ميشال عون المشكلة بعد بضعة أيام، في عين الرمانة، باصطدامه بالقاعدة الشعبية لبشير الجميل المتشنجة في ردود فعلها ضد الجيش، فكان موقفه: «لم أت إلى هنا لإشعال حرب بل لإعادة الاستقرار إلى المنطقة".

    اصطدم أيضاً بمسلحي القوات اللبنانية في فرن الشباك عندما وجه أحدهم بندقيته إلى صدره مهدداً إياه. متفادياً أن يكون وجود الجيش في عين الرمانة فزاعة وهمية، نشر ميشال عون جنوده وأقام حواجز على الطرق واسترجع مراكزه التي كان أخلاها ومنع المظاهر المسلحة في محاولة لإعادة تجميع قوى الجيش وفرض هيبتها بالقوة. كان شرطه الأول لتنفيذ المهمة حصر الوظيفة العسكرية والأمنية بالجيش وحده، على ألا يتعدى دور أفراد القوات اللبنانية العمل السياسي والحزبي السلبي، فتوجسوا منه واشتبكوا معه*.