تمجيد قبيسي-لم تمضِ أيام على الحملة الأمنية التي نفذتها قوى الأمن الداخلي، وروَّجت لها عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى عادت عمليات السَّلب المُسلَّح إلى الطرق المحيطة بالضاحية الجنوبية. وسُجّلت، خلال يومين فقط، ثلاث عمليات على الأقل، انتحل منفّذ إحداها صفة أمنية، فيما استُخدم السلاح في العمليتين الأخيرتين لترهيب الضحايا أو إطلاق النار عليهم. ويُعيد استمرار هذه العمليات الإضاءة على أصل المشكلة: اقتصار الحملات الأمنية المكثّفة على فترات محدودة، وغياب الانتشار الأمني الثابت في النقاط والأوقات التي تتكرر فيها عمليات السرقة.
هكذا، تعرّض شخص، قبل يومين، للسلب في محلة الأوزاعي، بعدما أطلق شخصان يستقلان دراجة نارية النار في الهواء، قبل أن يعتديا عليه بمقبض مسدس على رأسه. وفي اليوم نفسه، أُصيب شخص في ساقه برصاص أطلقه شخصان أثناء محاولته الفرار منهما على طريق المطار الجديد. وقبله بيوم، سُلب من شخص 1,900 دولار وهاتفه بعدما امتثل على طريق المطار لتهديد شخص يحمل جهازاً لاسلكياً ومسدساً، مدّعياً أنّه ينتمي إلى أحد الأجهزة الأمنية.
انتشار أمني لأسبوعين فقط
في المقابل، تظهر معطيات أمنية وميدانية حصلت عليها «الأخبار» أن الانتشار المباشر في النقاط التي تنشط فيها مجموعات السَّلب تمكّن من الحدِّ من عملياتها. قبل بضعة أشهر مثلاً، نفّذ فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وعلى مدى نحو أسبوعين، حواجز ظرفية وتموضعات في محيط دوار شاتيلا، من ضمن إجراءات لم تكن مرتبطة أساساً بمكافحة عمليات التشليح. وبحسب مصادر أمنية متابعة لـ«الأخبار»، لم تُسجَّل خلال تلك الفترة عمليات تشليح في النقاط التي شملها الانتشار، قبل أن تعود بعد توقفه. وترى المصادر في ذلك مؤشراً إلى فاعلية الوجود الأمني الميداني، فيما يبقى، بحسبها، غياب المواظبة عليه هو المشكلة.
الحملة الأمنية بعد مقتل محمد حمزة
وسبق أن اتخذت عمليات السلب أشكالاً مختلفة، بينها رمي الحجارة لاعتراض السيارات وإجبار سائقيها على التوقف. وانتهت إحدى هذه العمليات بمقتل المواطن محمد حمزة، لتتحرك بعدها الأجهزة الأمنية عبر مداهمات وإجراءات ميدانية. إلّا أن مصادر أمنية متابعة تقول لـ«الأخبار» إنّ جزءاً من التحرك اتخذ طابعاً استعراضياً هدفه امتصاص الغضب بعد الجريمة، من دون أن يؤدي إلى معالجة مُستدامة للظاهرة.
وتلفت المصادر إلى أن شخصاً جرى تداول صورته عبر إحدى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بوصفه من أبرز المطلوبين في عمليات التشليح الذين أوقفوا في إطار الحملة، كان موقوفاً أصلاً منذ نحو شهر، أي قبل الحادثة التي أعقبتها الحملة. وتقول المصادر إن خبر توقيفه أُعيد تداوله لإظهار نتائج سريعة للتحرك، إلى جانب موقوف آخر أعلنت عنه قوى الأمن الداخلي، وتصفه المصادر بأنه فرد في إحدى العصابات.
أربع عصابات ومسارات لتصريف المسروقات
بحسب المعطيات الأمنية المتوافرة لـ«الأخبار»، تنشط نحو أربع عصابات منظّمة في عمليات السلب، إلى جانب أفراد ينفّذون عمليات بصورة مستقلة قبل تصريف المسروقات عبر هذه المجموعات. وتشير المعطيات إلى وجود «أوكار» لهذه المجموعات في صبرا والحي الغربي والأوزاعي ومخيم برج البراجنة، حيث تُستخدم مستودعات صغيرة لتخزين دراجات نارية مسروقة، سواء نتيجة عمليات السلب أو السرقة.
ولا يقتصر تصريف المسروقات، وفق المصادر، على هذه العصابات، إذ يلجأ بعض اللصوص إلى مجموعات تنشط في تجارة المخدّرات داخل مخيم شاتيلا لمقايضة بعض المسروقات بمواد مخدّرة. وتشير المعطيات نفسها إلى أن قسماً كبيراً من الدراجات المسروقة يُنقل إلى سوريا عبر معابر غير شرعية، فيما تُعاد دراجات أخرى إلى أصحابها مقابل مبالغ مالية.
استدارج الضحايا باللاسلكي
ولا تقتصر الظاهرة على السطو المسلّح المباشر. فالوقائع المُسجّلة أخيراً تُظهِر استخدام أساليب هدفها دفع الضحية إلى التوقف طوعاً قبل سلبها. ومن بين هذه الأساليب ارتداء سترات وحمل أجهزة لاسلكية وانتحال صفة عناصر في أجهزة أمنية أو جهات حزبية، كما حصل في إحدى العمليات الأخيرة على طريق المطار. وسُجل أسلوب آخر يقوم على إيهام سائق السيارة بوجود علم إسرائيلي في مؤخرة مركبته، ولا سيما السيارات المُستأجرة التي تكثر على طريق المطار، بهدف دفعه إلى النزول منها قبل الاستيلاء عليها.
وتظهر الوقائع أن السلاح المستخدم في هذه العمليات لا يقتصر دوره على التهديد. ففي آب الماضي، تعرّض عسكري لمحاولة سلب أثناء مروره بدراجته على طريق المطار - الكوكودي. وبعد فشل العملية، أطلق أحد المعتدين النار عليه، فأصابه في خاصرته. وفي الشهر نفسه، طارد شخصان شخصاً كان يستقل دراجة نارية من طريق المطار باتجاه أول نفق شاتيلا. وأثناء محاولة سلبه، أطلق أحدهما النار عليه فأصابه في فخذه، قبل الاستيلاء على دراجته وهاتفه ومبلغ قيمته 250 دولاراً. النمط نفسه تكرر في العملية الأخيرة على طريق المطار الجديد، حيث أُصيب الضحية في ساقه خلال محاولته الإفلات من المعتدين.
أمن انتقائي
بالنسبة إلى أصحاب الدراجات النارية، تبدو المفارقة فاقعة. نهاراً، يواجهون حواجز مفارز قوى الأمن الداخلي وإمكان حجز دراجاتهم بسبب مخالفات مختلفة، ثم إجراءات استعادتها وما يترتب على بقائها في «البورة» من بدلات. وليلاً، يواجهون خطر عمليات سلب الدراجات والأموال تحت تهديد السلاح. وفيما تنفّذ قوى الأمن الداخلي تموضعات ليلية في نقاط محددة داخل بيروت الإدارية، بينها تقاطع بشارة الخوري وكورنيش المزرعة وسليم سلام، تبقى طرق تُسجّل عليها عمليات سلب متكررة من دون مستوى مماثل من الانتشار. هنا، لا تبدو المشكلة نقصاً في معرفة مكان العمليات أو توقيتها. أكثر من 50 واقعة ترسم خريطة شبه واضحة للنقاط الأكثر تعرّضاً للسلب ولساعات الذروة، فيما أظهر انتشار أمني سابق، بحسب المصادر، قدرة على وقف العمليات في المساحة التي غطاها طوال فترة استمراره.
لذا، تعيد كل حملة مؤقتة السؤال نفسه بعد انحسار ضجيجها: وفق أي معيار يُوزّع الانتشار الأمني؟ ولماذا تحضر القوى الأمنية بكثافة في نقاط من بيروت، فيما تبقى طرق معروفة بتكرار عمليات السلب فيها خارج مستوى الحماية نفسه؟
عمليات السلب: هذه مواقعها وتوقيتها
استناداً إلى أكثر من 50 عملية موثّقة، تتركز عمليات السلب بصورة أساسية بين الساعة الحادية عشرة ليلاً والثالثة فجراً. أمّا جغرافياً، فتُظهِر الوقائع تركّزاً أساسياً على طريق المطار القديم وصولاً إلى دوار شاتيلا، مع تسجيل عمليات بوتيرة أقل على طريق المطار الجديد. وتُسجّل عمليات أيضاً داخل الضاحية، من محيط أفران الوفاء على أوتوستراد السيد هادي نصرالله وصولاً إلى جسر الليلكي، إضافة إلى محيط دوار الجندولين. كما سُجِّل عدد أقل من العمليات على طريق البربير.