مرَّت الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد سماحة السيد حسن نصرالله، صاحب البصمة الدامغة في تاريخ لبنان المعاصر. على مدى أكثر من ثلاثة عقود، كان الرجل الذي لا يتكرّر، حاضراً في المواجهة والسياسة، وفي وجدان بيئته، وقد انقسم اللبنانيّون عميقاً حول خياراته ودور حزبه وعلاقته بالدولة وبالمنطقة. يمكن أن نتفق أو نختلف حول تجربة السيد وقراراته، لكن لا يمكن قراءة ما حدث في لبنان منذ شباط 1992 حتى اليوم، من دون التوقف أمام حجم حضوره وأثر غيابه. العربوشعوب الشرق الأوسط
إنّ احترام ذكرى مَن أمضى حياته في خدمة قضية آمن بها لا يكون بإقفال باب الأسئلة بعد رحيله، بل بفتحه. فالتاريخ لا يحفظ فقط ما أنجزه القادة أو أخفقوا فيه، بل أيضاً ما تتعلّمه الجماعات من تجارب قادتها. أنا لا أسعى، إلى السجال، بل أريد أن أطرح على الحزب أسئلة من وحي التجربة: ماذا تعلّم ممّا جرى؟ ما الذي يريد أن يحافظ عليه؟ وما الذي بات يحتاج إلى مراجعة؟
لهذا، توقفت طويلاً عند كلام النائب الحاج محمد رعد، عن أنّ «حزب الله» أجرى «مراجعة عميقة» للمسار الذي بدأ في الثامن من تشرين الأول 2023، وأنّ هذه المراجعة انتهت إلى تأكيد صواب قرار إسناد غزة، فيما تحدّث عن خلل جزئي ذي طابع تكتيكي. هذا هو الموقف الذي عرضه الحاج محمد رعد، وهو يستحق النقاش كما هو، لا كما يريد خصوم الحزب أن يسمعوه، ولا كما يريد أنصاره أن يفسّروه.
لن أسأل «حزب الله»: هل أخطأتم أم أصبتم، فالسؤال صار جزءاً من السجال اللبناني العقيم، حيث يعرف كل فريق الجواب قبل أن يبدأ النقاش. ماذا تعني المراجعة إذا كانت النتيجة أنّ القرار الاستراتيجي بقي صحيحاً، وأنّ الخلل كان تكتيكياً في التنفيذ؟ ليس السؤال تشفياً بما أصاب الحزب، ولا إنكاراً للعدوان الإسرائيلي والاحتلال، ولا لحق لبنان في الدفاع عن أرضه. كما لا يجوز اختصار النقاش بمطالبة جماعة لبنانية بأن تتخلّى عن هواجسها، فيما العدو الإسرائيلي لا يزال يحتل أرضاً لبنانية، ويواصل عملياته العسكرية في الجنوب وانتهاكه لسيادة لبنان بلا رادع.
لكنّ حجم ما جرى منذ تشرين الأول 2023 يجعل السؤال مشروعاً: هل كانت المشكلة فعلاً في التكتيك وحده؟
وعندما تتغيّر موازين القوى، ويتلقّى الحزب بقيادته وبيئته ضربة بهذا الحجم، وتتغيّر سوريا والمنطقة من حوله، وتُطرح ترتيبات جديدة للجنوب، ويصبح دور الجيش ومستقبل الأمن على الحدود وإعادة الإعمار جزءاً من مفاوضات تتجاوز لبنان، فإنّ المراجعة لا تعود شأناً تنظيمياً داخلياً فقط.
فالوقائع الإقليمية واللبنانية نفسها تغيّرت، والنقاش الدائر اليوم يتناول تحديداً مستقبل الجنوب أرضاً وشعباً، ودور الجيش والدولة، وترتيبات الأمن المقبلة. والأهم من السلاح نفسه هو: مَن يملك قرار استخدامه؟
لنفترض جدلاً أنّ الحزب احتفظ بقدرات عسكرية ما، أو دخل في صيغة دفاعية جديدة، أو جرى الاتفاق مستقبلاً على استراتيجية للأمن الوطني؛ يبقى السؤال السابق لكل هذه التفاصيل: مَن الذي يقرّر الحرب عند حصول أي عدوان؟ ومَن يتحمّل أمام اللبنانيّين مسؤولية القرار والنتائج؟ هذه المسألة ليست تقنية، بل تتصل بفكرة الدولة نفسها.
أفهم أن يقول «حزب الله» إنّ الدولة لم تثبت حتى الآن قدرتها على حماية لبنان، وإنّ النقاش في السلاح لا يمكن فصله عن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش والاستراتيجية الدفاعية. وقد عرض النائب محمد رعد هذا التسلسل بوضوح في مقابلته.
هنا تظهر المعضلة، فإذا انتظرنا أن تصبح الدولة قوية لنسلّمها القرار، فهل تصبح قوية إذا بقي قرار الحرب خارجها، وإذا اندلعت حرب ومزّقتها من دون إرادتها؟ وإذا قلنا إنّ الدولة عاجزة عن الدفاع عن لبنان، فهل يكون العلاج ببقاء القرار موزّعاً بين الدولة والحزب، أم ببناء قدرة وطنية تكون الدولة فيها صاحبة القرار والقوة في آنٍ؟
أنا لا أدّعي امتلاك جواب سحري. لا أعتقد أنّ نزع سلاح «حزب الله» بالقوّة يصنع دولة، كما لا أعتقد أنّ تجاهل وجود السلاح خارج الدولة يحلّ المشكلة. يقتضي الإنصاف أن تُطرح الأسئلة نفسها في الاتجاه الآخر أيضاً. إلى الذين يعتبرون أنّ المشكلة تبدأ بسلاح «حزب الله» وتنتهي بتسليمه إلى الدولة: ماذا بعد التسليم؟
كيف تحمون لبنان من إسرائيل؟ وهل الدولة اللبنانية، بواقعها وإمكاناتها الحالية، قادرة وحدها على ردع اعتداء أو منع احتلال أو فرض انسحاب؟ وإذا لم تكن قادرة، فما الخطة لجعلها قادرة؟ وهل تكفي القرارات الدولية والضمانات الخارجية، أم أنّ لبنان يحتاج إلى قدرة دفاعية فعلية لا إلى مجرّد موقف سياسي؟
هنا تكمن قوّة ورقة حماية لبنان. ليس مقبولاً أن يُطلب من «حزب الله» أن يجيب عن مستقبل سلاحه، فيما يُعفى خصومه من الإجابة عن مستقبل أمن لبنان. فالقول بحصرية السلاح في يد الدولة، هو مبدأ لا تستقيم دولة من دونه، لكنّه لا يكفي وحده. الحصرية من دون قدرة فعلية للدولة تكريس للضعف، تماماً كما أنّ بقاء القدرة خارج الدولة مشكلة سيادية. إذا كان ممنوعاً على الجيش اللبناني أن يمتلك السلاح الرادع للعدوان، فأي سلاح ينادون بحصره؟
لذلك، ربما ينبغي أن تكون المراجعة مزدوجة: «حزب الله» مدعو إلى أن يجيب كيف تنتقل قدرته من قرار حزبي إلى قرار وطني، والفريق الرافض لسلاحه مدعو إلى أن يجيب كيف يبني دولة قادرة فعلاً على حماية لبنان، لا دولة تحتكر قرار الحرب نظرياً ولا تملك وسائل منعها عملياً.
فالمعادلة التي يحتاج إليها لبنان ليست دولة بلا قدرة، ولا مقاومة بدل الدولة، بل دولة تملك القرار وتملك في الوقت نفسه القدرة على حماية قرارها. هناك عقدة لبنانية حقيقية عنوانها: كيف ننتقل من المقاومة كتنظيم إلى منظومة وطنية للدفاع والحماية ضمن استراتيجية للأمن الوطني؟
هنا، في رأيي، يكمن جوهر المسألة. هذا الانتقال لا يحصل بالإلغاء ولا بالإذلال ولا بكسر الطائفة الشيعية. والذين يتوهّمون أنّ بناء الدولة يمرّ بهزيمة الشيعة يرتكبون خطأ وطنياً بقدر خطأ الذين يعتقدون أنّ حماية الشيعة تحتاج إلى دولة داخل الدولة.
الشيعة ليسوا «حزب الله» وحده، و«حزب الله» ليس تفصيلاً يمكن شطبه من المجتمع اللبناني. ولذلك فإنّ أي حل قابل للحياة يجب أن يُجيب في الوقت نفسه عن هاجسَين: هاجس السيادة الذي يطرحه جزء كبير من اللبنانيّين، وهاجس الأمن الذي يشعر به أهل الجنوب والشيعة خصوصاً في مواجهة إسرائيل. ولا يمكن علاج أحد الهاجسَين بتجاهل الآخر. العربوشعوب الشرق الأوسط
كذلك لا يبدو ممكناً تجاوز وزن الخارج في المعادلة الداخلية. فمن المعروف أنّ لـ«حزب الله» علاقات وتحالفات مع إيران، كما للقوى اللبنانية المناوئة له علاقات وتحالفات مع خارج آخر. لكن عندما يتصل القرار بالحرب والسلم، يصبح السؤال مشروعاً: ماذا يحصل إذا تعارضت أولويات محور خارجي مع ما تقرّره المؤسسات الدستورية اللبنانية؟ هذه هي النقطة التي ينبغي أن يحسمها اللبنانيّون لمصلحة سيادة لبنان وقوّة الدولة، بعيداً عن الشتائم والاتهامات بالخيانة والعمالة.
لقد فتح النائب محمد رعد، من حيث أراد أو لم يرد، باباً مهمّاً حين تحدّث عن «المراجعة». وأعتقد أنّ المطلوب ليس أن يكشف الحزب أسراره العسكرية. المطلوب أن نعرف إلى أين يريد أن يذهب من هنا. هل يرى نفسه، بعد كل ما تغيّر، مقاومة مستقلة لا تحتاج إلى الدولة؟ أم يرى نفسه قوّة لبنانية تبحث عن صيغة انتقال تدريجي، تصبح فيها قدراتها جزءاً من منظومة وطنية، يتخذ اللبنانيّون القرار فيها عبر دولتهم؟
الفرق بين الاحتمالَين كبير. إنّه الفرق بين العودة إلى المعادلة القديمة، وبين محاولة إنتاج معادلة لبنانية جديدة. وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يوضع على طاولة حوار صريح مع «حزب الله» هو الآتي: بعد كل ما جرى، هل المطلوب إعادة بناء ما كان، أم بناء شيء جديد؟
لأنّ لبنان لا يستطيع أن يعيش إلى ما لا نهاية بين نقيضَين: دولة نطالبها بأن تحمينا ولا نعطيها كل أدوات الحماية، ومقاومة تستأثر بقرار الدفاع ولا تعطي الدولة حق التقرير في متى وكيف تستخدم القوّة.
المشكلة لم تعُد في تحديد مَن أخطأ أكثر، ومَن دفع أكثر. المشكلة هي أن نعرف: مَن يقرّر باسم لبنان؟ هنا تبدأ المراجعة الوطنية الحقيقية.