عون يوفد كرم إلى الفاتيكان: قناة مباشرة مع بارولين للتفاوض

  • 29 September 2026
  • 59 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    ندى أندراوس -

    يتوجّه السفير سيمون كرم إلى الفاتيكان في مهمة محددة اتُّفق عليها خلال زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأخيرة للكرسي الرسولي، وهي إطلاع أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين على تفاصيل مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وإقامة تواصل مباشر ومنتظم معه بشأن ما يستجد فيه.

    وتكشف مصادر مطلعة على الزيارة لـِ "المدن" أن هذه المهمة لا تتعلق بالبحث في إرسال قوة دولية إلى لبنان، ولا بتكليف الفاتيكان إيجاد بديل من اليونيفيل، خلافاً للربط الذي قد توحي به الملفات المطروحة حالياً حول الجنوب.
    في 20 آب الماضي، التقى عون البابا لاوون الرابع عشر، ثم بارولين، في مباحثات تناولت اتفاق الإطار الثلاثي المرتبط بالحدود الجنوبية. لكن ما لم يظهر في البيان الصادر عن الزيارة، وفق المصادر، هو اتفاق عون وبارولين على أن تصل إلى أمانة سر الدولة إحاطات مباشرة تشرح تطور الاتصالات التفاوضية، وما جرى في مراحلها المختلفة، والعقبات التي تحول دون ترجمة التفاهمات إلى خطوات على الأرض. ومن هنا جاءت مهمة كرم: أن يعرض الموقف اللبناني بتفاصيله، وأن يبقى على اتصال مع بارولين كلما استدعت التطورات ذلك.



    تفاصيل مهمة كرم
    لا يسعى عون إلى إعطاء الفاتيكان دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل. ما يريده، وفق المصادر، هو أن يكون أمين سر الدولة على اطلاع مستمر بطبيعة التفاوض، لا أن يكتفي بصورة عامة عن الدعوات إلى وقف النار والاستقرار. فبين الإعلان عن اتفاق إطار وتنفيذه مسافة تتخللها مطالب لبنانية، وعرقلة إسرائيلية، وخروقات ميدانية، وجولات اتصال لم تنتهِ إلى النتائج المرجوة.
    هذا التفصيل أساسي في حسابات الرئاسة. فالكرسي الرسولي، وإن لم يكن طرفاً في التفاوض، يملك شبكة علاقات مع دول مؤثرة في القرار الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة. وتقدّر بعبدا أن وصول الوقائع إليه بصورة منتظمة يساعد في إبقاء لبنان حاضراً في اتصالاته الدبلوماسية، ويتيح له إدراك الفارق بين وجود مسار تفاوضي معلن والتعثر الفعلي لهذا المسار. كذلك ستكون الزيارة مناسبة لاستطلاع ما لدى الجانب الفاتيكاني من معطيات أو تقديرات، في إطار تبادل سياسي ودبلوماسي لا يتضمن طلباً بمبادرة جديدة.
    وتكشف المصادر، في هذا السياق، أن قرار إيفاد كرم انطلق من نقاش مباشر بين عون وبارولين، لا من تطور طارئ في ملف القوات الدولية. فالرئيس عون يتعامل مع الاتصال بالفاتيكان بوصفه جزءاً من متابعة شخصية للملف اللبناني الأكثر إلحاحاً: كيف تُستعاد السيطرة الفعلية للدولة على الجنوب، وكيف تُلزم إسرائيل وقف اعتداءاتها والانسحاب، وما الذي يمكن أن ينتجه التفاوض في ظل غياب ضغط كافٍ لتطبيق ما يُتفق عليه؟



    التفاوض مؤجل والرئيس يرفض إسقاطه
    على الرغم من تمسك عون بالمسار التفاوضي، لا تحمل المعطيات المتوافرة مؤشراً إلى جولة قريبة. تقول المصادر إنه لم يُحدَّد موعد جديد للمفاوضات حتى الآن، وإن الانطباع الغالب لدى المتابعين هو أن إسرائيل لا تبدو مستعدة للدخول في بحث جدي قبل انتخاباتها. وترجّح المصادر أن حكومة بنيامين نتنياهو تفضّل إرجاء أي خطوة قد تظهر داخلياً بمثابة تنازل للبنان، أو تُقدَّم سياسياً على أنها مكسب لحزب الله.
    ليس هذا الترجيح موعداً متفقاً عليه لاستئناف التفاوض. فإذا طرأ تطور إيجابي يمكن أن تتحرك الاتصالات قبل الانتخابات الإسرائيلية، لكن المصادر تؤكد أن لا شيء ملموساً في هذا الاتجاه حالياً. بل إن تجربة الجولات التي لم تُحدث خرقاً خلقت لدى المعنيين خشية من عقد اجتماعات جديدة من دون أفق واضح، بما يضيف خيبة أخرى إلى مسار مثقل أصلاً بالتعثر.
    في المقابل، لا يريد عون أن يتحول الجمود إلى قرار ضمني بالتخلي عن التفاوض. فإبقاء القنوات مفتوحة، بالنسبة إليه، ضرورة سياسية لحماية مطلب الانسحاب ووقف الاعتداءات، ولمنع تكريس الوقائع التي تفرضها إسرائيل ميدانياً. وهو يواصل اتصالاته الخارجية التي تأتي من ضمنها مهمة كرم، بشأن الخروقات، مدركاً في الوقت نفسه حدود ما حققته تلك الاتصالات حتى الآن. فالإدانة أو نقل الاعتراض اللبناني لا يكفيان ما لم يقترنا بضغط قادر على وقف التفجير والتدمير والتوغل، وعلى إلزام إسرائيل بما يُبحث على طاولة التفاوض.
    وتشير المصادر إلى فجوة بين أهمية الملف اللبناني لدى بيروت وموقع هذا الملفّ على جدول الأولويات الأميركية، حيث لا يظهر أنّ واشنطن تمارس ضغطاً حاسماً على إسرائيل في ما يخص الخروقات الجارية. ويزيد ذلك حاجة عون إلى مخاطبة جهات دولية إضافية تستطيع إبقاء الملف مطروحاً لدى الإدارة الأميركية، وإن لم تكن تملك وحدها تغيير الموقف الإسرائيلي.
    تزداد صعوبة المهمة، أكان باتجاه الفاتيكان أو غيرها من الدول، مع استمرار حزب الله في رفض البحث بتسليم سلاحه، كما عكسه الموقف الأخير لأمينه العام الشيخ نعيم قاسم. فهذا الموقف تستخدمه إسرائيل لتبرير إبقاء الضغط العسكري على لبنان، فيما تجد الدولة نفسها أمام استحقاقين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر: بسط سلطتها على أرضها وقرارها الأمني، وانتزاع التزام إسرائيلي فعلي بوقف الاعتداءات والانسحاب. وتخشى المصادر أن يُستعمل تعثر أحد المسارين ذريعة لإقفال الآخر، فيبقى الجنوب عالقاً بين واقع عسكري يتوسع ومسار سياسي لا يتقدم.



    أسئلة عون التي لم تتلقَّ جواباً
    إذا كان موعد استئناف التفاوض غير معروف، فإن موعد انتهاء مهام اليونيفيل معروف سلفاً. فقرار مجلس الأمن ينص على وقف عمليات القوة في 31 كانون الأول 2026، ثم بدء انسحاب منظم خلال سنة. وهذا هو الفارق بين مسار سياسي مفتوح على التأجيل واستحقاق دولي محدد الزمن يضغط على الرئاسة اللبنانية.
    وتؤكد المصادر أن زيارة كرم للفاتيكان لا تهدف إلى مناقشة صيغة للقوة التي قد تخلف اليونيفيل. لكن ملف القوة الدولية حاضر في حسابات عون، ولا سيما أن الصورة لم تتضح بعد بشأن شكل الحضور الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمتها. ووفق المصادر، لم تتبلور لدى الرئاسة حتى الآن حصيلة حاسمة للاتصالات التي أجراها عون حول هذا الاستحقاق، وهي لا تزال تنتظر ما يمكن أن يقدمه الشركاء الدوليون من أجوبة أو خيارات قابلة للتطبيق.


    تتجاوز المسألة اسم القوة أو جنسية عناصرها. فالسؤال الذي يطرحه لبنان يتعلق بما إذا كان الجيش سيجد، بعد انسحاب اليونيفيل، آلية دولية تواكب انتشاره وتوثّق الخروقات وتساعد على منع تحوّل الاحتكاك اليومي مع إسرائيل إلى مواجهة مباشرة. كما يتعلق بمصير المناطق التي لا تسمح الوقائع العسكرية الحالية بعودة أهلها إليها، وبقدرة الدولة على حفظ اتصالها بها من دون حضور دولي واضح.
    لهذا يتابع عون ملفَّي التفاوض ومستقبل اليونيفيل بالتوازي، وإن كانت مهمة كرم محصورة بالعملية التفاوضية. فالتوصل إلى صيغة دولية للجنوب من دون وقف الاعتداءات والانسحاب يبقى ناقصاً، والتفاوض من دون تصور للمرحلة التالية لخروج القوة الدولية يترك الدولة أمام فجوة أمنية وسياسية. وفي الحالتين، لا تستطيع بيروت انتظار ما بعد الانتخابات الإسرائيلية كي تبدأ البحث عن إجابات.


    تعكس زيارة كرم، في جانب منها، إصرار عون على إبقاء ملف الجنوب حيّاً في أكثر من عاصمة ومؤسسة مؤثرة، ولو لم تظهر فرصة قريبة لتحقيق اختراق. وهي تكشف، في جانب آخر، ضيق الهامش المتاح للبنان: مفاوضات بلا موعد جديد، خروقات لا تتوقف، وضغط أميركي لا ترى المصادر أنه بلغ بعد مستوى تغيير الوقائع، فيما يقترب استحقاق اليونيفيل. وبين هذه العناصر، يسعى الرئيس عون إلى منع تحوّل التأجيل الإسرائيلي والانتظار الدولي إلى أمر واقع يدفع لبنان ثمنه وحده.