«صامدون» يعيد توزيع النازحين... وبلا «جميلة» الدولة

  • 28 September 2026
  • 56 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image

    الأخبار: مع بدء العام الدراسي، يدخل ملف النزوح مرحلة جديدة: مدارس تستعيد طلابها، ونازحون يعيدون ترتيب أماكن إقامتهم، فيما تتراجع الدولة عن المشهد، ويتولّى «صامدون» الجزء الأكبر من إدارة الملف وتأمين احتياجات النازحين

    راجانا حمية-

    انتهت الحرب بالنسبة إلى الدولة اللبنانية. فمنذ وقف إطلاق النار، نفضت يدها من النازحين وتركت لهم تدبّر أمورهم، فيما تولّى برنامج «صامدون»، التابع لحزب الله، إدارة ملف النزوح وتأمين مقوّمات الصمود، وهما من أبسط واجبات الدولة التي بات إفراطها في الغياب، في نظر «المُبعدين» عن أرضهم، مرتبطاً بالموقف منهم ومن البيئة التي ينتمون إليها.

    وحتى مع اقتراب العام الدراسي، لم تتحرك الدولة لاستعادة المدارس وتأمين بدائل لائقة للنازحين إلّا في بيروت، وكأنّ حدود سيادتها تقف هناك. فكان «صامدون» بمثابة «الأم والأب» للنازحين، فيما شكّل الجنوب استثناءً نسبياً، مع تولّي مجلس الجنوب بعض الأعمال نيابة عن الدولة، من رفع الركام إلى تأمين المساعدات العينية.

    إعادة تموضع في بيروت وجبل لبنان
    ليس ثقل الحرب وحده ما يزيد عبء النزوح في الجنوب. فقد أضيفت إليه أخيراً «أزمة» العودة إلى المدارس، ولا سيما بعدما بات الوقت ضاغطاً في معالجة ملف قد يمتدّ لسنوات. ومع بداية العام الدراسي منتصف الشهر الجاري، انطلقت ورشة لإعادة توزيع خريطة النزوح، وفق معادلة تراعي حق الطلاب في التعلّم وحق النازحين في السكن. وكان الهاجس الأساسي تأمين الاستقرار للنازحين في أماكنهم الجديدة، ليس فقط عبر توفير الاحتياجات الأساسية وظروف العيش اللائقة، بل باعتبار المكان الجديد بديلاً شبه نهائي إلى حين العودة إلى البيوت والقرى. وهذا هو المعيار الذي جرى، بالنسبة إلى «صامدون»، التوافق عليه مع المعنيين في وحدة إدارة مخاطر الكوارث، في المناطق التي ارتأت الوحدة التدخّل فيها.

    ولم تكن حصة المناطق متساوية، إذ فرضت خصوصية كل منها نفسها وفق عدد النازحين، ومعيار الأمان والخيارات المُتاحة. وحظيت بيروت الغربية وجبل لبنان بالحصة الكبرى، ولا سيما أن نحو 1500 عائلة كانت تقيم في مدارس المنطقتين، بينها 740 عائلة في بيروت وضواحيها. وبدأ العمل على خطين: إحصاء العائلات التي يمكنها البقاء، وإيجاد بدائل للعائلات التي يتعيّن إخلاؤها.

    ويوضح مسؤول ملف النزوح في بيروت، الدكتور علي السبع، أن ما يقرب من 70 عائلة أقامت في مبنيين ضمن معهد رفيق الحريري في أرض جلول من أصل أربعة مبانٍ، و100 عائلة بين كلية السياحة في الروشة ومدرسة LPS، و200 عائلة جرى استيعابها في أربعة مبانٍ غير مشغولة في مجمع بئر حسن التربوي المهني. ونُقل النازحون من مجمع المدارس الكويتي إلى أربع مدارس: البسطة الأولى والثانية، ورأس النبع، والأمير سعود. وتوزّعت بقية العائلات: 55 عائلة في فندق «الكورال» في الحمرا، و64 في مدرسة الكبوشية، و12 في كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في الروشة، و16 في مبنى قاروط، و46 في مبنى فندق دوحة سنتر في الحمرا.

    وفي جبل لبنان، استقرّ عدد النازحين عند نحو 650 عائلة توزّعت على خمس مناطق. ففي جون والوردانية وكترمايا وغيرها، استُحدث 15 مركزاً لإيواء 275 عائلة. وفي الجية وجدرا وبرجا وبعاصير وغيرها، ثمانية مراكز لـ175 عائلة. وفي السعديات والدوحة وغيرهما، خمسة مراكز لـ40 إلى 50 عائلة، إضافة إلى مجمع المبرات الذي يؤوي نحو 50 عائلة. وفي كيفون وبشامون وعرمون وغيرها، سبعة مراكز، بينها حسينية وثلاثة أبنية ومدرسة رسمية ومركز تجاري، تضم نحو 100 عائلة. وفي المنطقة الخامسة، تقيم 42 عائلة: 22 في مركزين في الشوف، و20 في عاليه وبحمدون.

    وباستثناء تدخّل وحدة إدارة الكوارث في بيروت الإدارية، لم ينسحب الاهتمام إلى قرى جبل لبنان والشمال وحتى الجنوب. وتُرك برنامج «صامدون» لإدارة الملف وحده في معظم مناطق النزوح، ما اضطره إلى استئجار عدد من المراكز، بينها ثلاثة يلتزم بدفع بدلات شهرية عنها.

    العودة إلى الجنوب
    للجنوب إيقاعه الخاص. فرغم استمرار الحرب فيه، اختار الناس تبديل ثوب النزوح والعودة سكاناً أصيلين إلى قراهم وبلداتهم، ولا سيما في المناطق التي لم تتعرّض لدمار كبير أو البعيدة نسبياً عن المناطق المحتلة. فمن بقي بيته قائماً عاد إليه رغم الأضرار، ومن فقد منزله استأجر بيتاً، فيما اقتصرت الإقامة في المراكز على من لا يملكون ترف العودة.

    لذلك، يتناقص عدّاد النازحين في المراكز كلّما ازداد عدد العائدين، بحسب مسؤولي العمل البلدي في حزب الله. ويشير علي الزين، مسؤول العمل البلدي في منطقة الجنوب الأولى (حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل وصور وغيرها)، إلى أن عدد العائلات ارتفع من ستة آلاف إلى نحو 11 ألفاً. إلا أن كثيرين منهم فضّلوا الخروج من المراكز إلى خيارات أخرى. وبقي، بحسب الزين، 19 مركزاً للإيواء. سبعة منها لا حاجة إلى إخلائها لأنها مبانٍ ومدارس غير مُستخدمة، فيما جرى نقل النازحين من مركزين، وبقيت عشرة أخرى سيجري بحلول نهاية الشهر إفراغها ونقل المقيمين فيها إلى مدارس ومُجمّعات قديمة وغير مُستخدمة.

    نسبة العائدين إلى بيوتهم في القرى الجنوبية التي يمكن العودة إليها تُراوِح بين 80% و90%

    ويقدّر مسؤول العمل البلدي في منطقة الجنوب الثانية (صيدا وجزين والزهراني والنبطية والبقاع الغربي)، حاتم حرب، نسبة العائدين إلى بيوتهم في القرى التي يمكن العودة إليها بـ 80 إلى 90%، و«هذا طبيعي بالنسبة إلى أهل الجنوب. فرغم استمرار الحرب، يفضّل الناس العودة إلى بيوتهم أو استئجار بيوت في قراهم أو محيطها».

    أمّا في مراكز الإيواء، فقد تراجعت الأعداد، وإن كانت صيدا لا تزال تحمل الحصة الوازنة، بعدما احتضنت في ذروة النزوح نحو 40 ألف عائلة، قبل أن ينخفض العدد مع وقف إطلاق النار إلى نحو ثمانية آلاف عائلة قبل أسبوعين، «مع يقين بأن هذا الرقم اليوم قد يكون أقل مع عودة بعض الناس إلى قراهم مع افتتاح المدارس». ويقدّر حرب عدد المقيمين حتى الآن في المدارس بنحو 700 عائلة، بعضهم في مبانٍ غير مُستخدمة.

    الهجرة من الشمال
    وفي الشمال تراجع عدد النازحين من نحو 48 ألف عائلة احتضنتها أقضية المتن وكسروان وجبيل والبترون والكورة وطرابلس والضنية وزغرتا خلال الحرب، إلى 3500 عائلة: 1085 منها في البترون والكورة وطرابلس والمنية وزغرتا، ونحو 600 في كسروان و400 في جبيل. وفي عكار والمنية أيضاً، تقلّصت الأعداد من عشرة آلاف عائلة إلى نحو 500.

    ولا توجد في الشمال أزمة نزوح في المدارس لأسباب عدة: فإمّا أن النازحين، مع طول الإقامة، انتقلوا إلى بيوت مُستأجرة، كما في عكار، بحسب الشيخ علي إسماعيل، مسؤول ملف النزوح فيها، وإمّا لعدم وجود كثافة مدرسية، وإمّا لأن المدارس لم تفتح بكامل قدرتها الاستيعابية خلال الحرب، «أي أن تفتح مدرسة خمس غرف من أصل 20، وهذه كانت حال معظم المدارس في كسروان وجبيل وجزء من البترون والكورة». وإمّا لأن مدارس أخرى «امتنعت عن استقبال الناس أو إخراجهم في عز الحرب»، يقول مصدر متابع للنزوح، لافتاً إلى أنه في ذروة الحرب «لم تكن نسبة النازحين إلى المدارس تتخطّى 12%».

    ودفعت هذه الطريقة الناس إلى البحث عن بدائل، فكانت البيوت المُستأجرة الخيار الأوسع، ما يفسّر إقامة غالبية النازحين حتى اليوم خارج المدارس. أمّا من احتضنتهم المدارس، فلم يكن إخراجهم صعباً بسبب محدودية أعدادهم.
    وفي هذا السياق، نُقل النازحون من المدرسة الرسمية في زغرتا، الأسبوع الماضي، إلى مبنى حكومي في شارع أبي سمرا في طرابلس، والنازحون من المدرسة الرسمية في كسروان إلى مبنى ميتم. وفي المتن، خُفّض عدد المدارس التي تؤوي النازحين من خمس إلى ثلاث، وفي جبيل خُصّصت مدرسة واحدة لهم.

    وإذ يحاول بعض النازحين العودة إلى قراهم، إلا أن العودة ليست نهائية في ظل عدم استقرار الأوضاع. فيزور هؤلاء قراهم أو يتركون أفراداً من عائلاتهم في البيوت المُستأجرة أو المدارس، تحسّباً لاضطراب الأوضاع مجدداً وحفاظاً على طريق العودة.

    الدولة الغائبة
    الثابت الوحيد في هذه «الرحلة»، التي لا تبدو نهايتها قريبة، هو غياب الدولة. وحتى حضورها خلال الحرب لم يكن، بحسب مسؤولي ملف النزوح، كافياً لإدارته، إذ اقتصر دورها، على «حرمان النازحين من المساعدات، حيث كان مندوبو وزارة الشؤون يمنعون إدخال المساعدات إلّا عبرهم». وإلى جانب شحّ المساعدات في مراكز النزوح، كان الغياب تاماً بالنسبة إلى النازحين خارجها: «لا فرش ولا حرامات ولا مخدّات»، فيما تكفّل «صامدون» في عدد كبير من المناطق بتأمين المواد الأساسية.
    وبدا المسار واضحاً منذ البداية: ترك ملف النازحين لحزب الله وبرامجه، وهو ما تكشّف أكثر مع وقف إطلاق النار، حين انعدم حضور الدولة تقريباً.

    ويشير إسماعيل إلى أن منطقة عكار، كما هي خارج حسابات الدولة منذ زمن، «هكذا أيضاً بالنسبة إلى النازحين، ما في شي أبداً منها، حتى البلديات تستوفي اليوم من النازحين رسوم مياه ونفايات». وبسبب هذا الغياب، حلّ «صامدون»، إلى جانب بعض الجمعيات، مكان الدولة في معظم المناطق. فما عدا إيجارات المنازل، يتولى البرنامج «كل شيء»: تجهيز المراكز بالاحتياجات الأساسية، وتأمين المساعدات الغذائية والعينية، والطبابة والمساعدات المرضية وسائر مُستلزمات البقاء.

    ويشير أحد المعنيين إلى أن البرنامج «عمل في الفترة السابقة على إنشاء مستوصفات ضمن مربعات لمتابعة النازحين، كما تعاونّا مع وزارة الصحة العامة في ما يخص تسهيل الاستشفاء في المستشفيات الحكومية، وحتى أبسط الأشياء كنا نقوم بها، كتأمين وصول المرضى إلى المستشفى أو العيادة عبر تجهيز سيارات قدر الإمكان». أمّا في المقابل فقد «رفضوا إعادة البرادات لنا في عدد من المدارس الحكومية بحجة أن هذا الأمر يحتاج إلى قرار من الدولة!».

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology