التفاهم الذي سيُنصِفه التاريخ- بقلم النائب جبران باسيل

  • 28 September 2026
  • 45 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image

    صحيح أن التاريخ يكتبه المنتصر، ولكن لا أحد يمكنه أن يزوّر وقائعه بالكامل لأن الحقيقة لا بدّ لها من أن تنتصر.

    اليوم، وبعد مرور عشرين عاماً على وثيقة التفاهم، تبيّن أن القصة لم تكن يوماً مجرّد تفاهم بين حزبين، ولم تكن مع أو ضد حزب الله، بل كانت كيف نحمي لبنان من دون أن نخسر سيادته، وكيف نبني وحدتنا الوطنية من دون أن نخسر ذاتنا، وكيف نحصر السلاح والقرار باستراتيجية دفاعية للدولة وحدها من دون أن ننزلق إلى حرب أهلية؟

    القصّة كانت أننا كنّا نرى الخطر التهديدي الآتي من الخارج متلازماً مع الخطر التقسيمي مُلوّحاً في الداخل، لذلك لم يكن قرارنا سياسياً مصلحياً، بل كان خياراً وطنياً وجودياً لنحافظ على لبنان، على وجودنا ودورنا فيه، وعلى خصائص جميع مكوّناته.

    قد يكون خيارنا خاسراً تياريّاً، ولكنّه رابح وطنياً.

    في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد سماحة السيد حسن نصر الله الحاضر دائماً في وجداننا، أرى مناسبةً لاستحضار الحِوارات العديدة والطويلة التي أجريناها معاً، بالعقل والقلب، وخاصةً الحوار الأخير الذي قد نكتب عنه يوماً، كما أجدها فرصة لأتخيّل حوارنا الآن، لو قُدّر له أن يبقى على قيد الحياة، لكان أعاننا طبعاً على تفادي الكثير من المُلِمّات.

    اللقاء
    في محاولته لإقناعي بالسير بمرشحه لرئاسة الجمهورية، في صيف 2022، كان الكلام صريحاً وعميقاً. قال لي: «تأخذون كل الضمانات التي تريدون». وكان جوابي سؤالاً وحيداً: «كيف نضمن بقاء لبنان؟».

    كنا قد قلنا مراراً إن المقاومة لا يمكنها أن تعيش من دون الدولة، ولا يمكنها أن تحلّ مكان الدولة. التفاهم كان الجسر لكي تعبره المقاومة الى الدولة وليس لتعبر عليه فوق الدولة. التفاهم كان للبننة خيارات الحزب، فاللبنانيون احتضنوا المقاومة لأنها حرّرت الأرض ودافعت عن الوطن بمواجهة المعتدين عليه، ولكنّها لن تحتضن الحزب إذا ما فرض على الدولة وأبنائها خيارات سياسية لا يريدونها. لا ينفع أن تربحوا معركة عسكرية أو سياسية وتخسروا فكرة لبنان - فكرة الشراكة المتناصفة فيه.

    هناك فرق كبير أن يكون لبنان مع المقاومة وبين أن تصبح المقاومة بديلاً عن لبنان.

    بعد ذلك اللقاء، راح الفارق يتّسع أكثر بين التيار وحزب الله لناحية الأولويات: نحن أولويّتنا الدولة ومن بعدها تأتي المقاومة، ونقبل أن تكون المقاومة جزءاً من الدولة، ولكن تحت رعايتها وقراراتها اللبنانية.

    أمّا هم فيريدون المقاومة وسلاحها أولاً وثانياً وثالثاً، وبعد ذلك تأتي الدولة.

    الحوار
    ولو كنت أتحاور الآن مع سماحته وأقول له: «إذا ربحت الحرب وحافظت على السلاح وخسرنا الدولة، نكون قد خسرنا لبنان - ماذا ينفع عندها»؟

    وأتخيّل أنه سيقول لي: «صحيح، ولكن نحن بحاجة لمن يضمننا ويضمن سلاحنا لكي لا تقتلنا إسرائيل... وكل المتربّصين بنا».

    بالطبع، أفهم وأعيش خوف أي أقليّة من عزلها وخنقها، ولا أتفهّم رعونة البعض في لبنان بزيادة مخاوفها عبر تهديدها، واستقوائهم بالخارج للقضاء عليها.

    ولكني كنت لأجيبه بالقول: «السلاح وحده لا يحمي طائفة للأبد، خاصةً في وجه كيان مثل إسرائيل. ما يحمينا جميعنا هو الدولة. نحن أجرينا هذا التفاهم لمنع الحرب الأهلية ولبناء دولة تحمي الشراكة وتحتوي المقاومة ضمن استراتيجية دفاعية وطنية. بما تفعلون، تضربون الشراكة وتكسرون الدولة، فلا تبقى استراتيجية لها ولا دفاع يحميها».

    أنا أعرف أن فكر السيّد والحزب يتمحور حول أن التهديد قائم والضغوط كبيرة، ولا يأمنون لأيّ كان بتحمّلها، وها هي تجربتهم مع الحكم الحالي تثبت ذلك، كما أنه لا يمكنهم التعامل مع هذا السلاح كأنه ملف داخلي معزول عمّا يحصل في الإقليم، فهم بحاجة للمحور لحمايتهم، لأن من يطلب نزع سلاحهم ينوي قطع رؤوسهم بعد ذلك.

    أمّا فكرنا فيتمحور حول أن الضمانة تأتي من الداخل ونحن ملتزمون بها. المقاومة وسيلة وليست هدفاً. الهدف هو لبنان وبقاؤه. إذا أصبح هذا السلاح بنظر اللبنانيين عامل استقواء عليهم لفرض خيارات لا يريدونها، يتحوّل إلى مشروع ضد الدولة، ويصبح عامل خوف للداخل، قبل أن يكون رادعاً للخارج. وإذا أصبح هذا السلاح مصدر خطر على الوطن من دون أن يتمكّن من حمايته ولا من ردع الأعداء عن الاعتداء عليه، يكون أساساً لذعر اللبنانيين بدل طمأنتهم وتوفير أمانهم. هدف التفاهم، لو أردنا الحفاظ عليه، كان بناء الدولة بشراكة أبنائها لكي تحمي هي المقاومة. أمّا إذا سقطت الدولة، تسقط المقاومة، لأنّها تصبح ميليشيا وتفقد شرعيّتها. نحن كنّا نريد أن تكون المقاومة لبنانية فقط ولمصلحة لبنان فقط ولمصلحة الدولة فيه.

    لو كان السيّد بيننا، لانتفض وقال: «المقاومة لبنانية وهي تبذل الدماء للدفاع عن لبنان. ولكن هي بحاجة لحماية المحور فهو الضامن».
    ولو أجبته، لقلت بمحبّة: «يا سيّد، ليس أنت من يخسر الداخل. قد يهزمك الخارج بقوّة سواعده، ولكنّك تستعيض بربح الداخل بقوة ذكائك وحكمتك... ولبنانيّتك».

    ولرفاق السيّد أقول: «لا تضيّعوا البوصلة ولا الهدف. لعبة المحاور قد تكلّفكم أنفسكم والداخل. لا تسمحوا بأن يكون لبنان ساحة للآخرين، بل اتركوه مساحة لأهله. السلاح ليس أكبر من الوطن. انتبهوا لئلا تخسروا الاثنين. لبنان بحاجة لكم ولنا جميعاً، ولا وحدة وطنية من دونكم، ولا معنى للبنان بغياب مكوّنكم».

    رحم الله سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله، وأدامه قدوة لمحبّيه، وأعان كل أهلنا في الجنوب والبقاع والضاحية ليعودوا آمنين معزّزين الى أرضهم، مرفوعي الرأس بالكرامة والشهادة وبخروج الاحتلال وإعمار البنيان.

    في ذكرى استشهاده أقول: إنه التفاهم الذي سينصفه التاريخ، إنه السيد الذي سيقدّره التاريخ.

    * رئيس تكتل لبنان القوي.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology