خمسةُ رجال والعمامة واحدة: الحزب في مرآة أمنائه

  • 27 September 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image

    يمكنُ للناظر إلى تاريخ حزب الله أن يبدأ قراءته من خلال أمنائه العامين. خمسة رجال تولّوا المنصب منذ أواخر الثمانينيات: صبحي الطفيلي، عباس الموسوي، حسن نصرالله، هاشم صفي الدين، ويضاف إليهم حالياً نعيم قاسم. لو دقّقنا أكثر لاكتشفنا أنّ هذه الأسماء الخمسة تبدو قليلة إذا ما قورنت بعمر تنظيم عسكري جهادي عقائدي مثل "حزب الله". الحزب كاملاً مع انطلاقته وتحولاته والمنعطفات التي تعرَّض لها.

    هذه الأسماء بتحوّلاتها واختلافها، في الواقع، تكفي لرسم مسار طويل للتنظيم. مع صبحي الطفيلي والتنظيم المقاوم الذي يبحث عن مكانه، إلى حزب يدخل الحياة السياسية، متحوّلاً بعد ذلك إلى قوة تتجاوز حدود لبنان إلى مشاريع إقليميّة ودوليّة، وصولاً إلى اليوم والحزب الذي يجدُ نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب صورته الهزيلة، خصوصاً بعد اغتيال الرجل "الكبير" الذي قاده لأكثر من ثلاثة عقود.

    الأمانة العامة، في كلّ مرة، هي مرآة للّحظة التي وصل فيها صاحبها إلى موقعه. فكل أمين عام جاء إلى الحزب استلمه وهو في حالة غير الحزب الذي تركه سلفه.

    البدايات: حزب يسأل عن نفسه

    خرج الحزب من سياق الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وكان معنى المقاومة يحتل المساحة الأكبر من هويته. مع الشيخ صبحي الطفيلي كان الحزب في زمن البدايات. فوضى من بدايات التأسيس وتلمُّس الطريق الأولى إلى العمل القتالي السرّي نوعاً ما. ولم يكن قطعاً حزب الله قد وصل بعد إلى صورته التي استقرت لاحقاً في المخيّلة اللبنانية. احتضن لبنان هذا التنظيم، رغم أنّ البلد المنكوب دخل مرحلة أخرى في تاريخه مع نهاية الحرب الأهلية واتفاق الطائف. بقيَ التنظيم يتحرَّك في هذا المدار مع صعوبة بالغة في اختيار أمين عام في ظلّ غياب هوياتي لحزب الله.

    ما الذي يريدُ الحزب أن يكون عليه بعد التناحر الطويل في زمن الطفيلي؟ أي حزب يريد حزب الله أن يكون؟ تناحر لم يسلم منه حتى الإخوة الأعداء. الصورة الأولى تتراوح بين تنظيم للمقاومة والحركة الجهادية الإسلامية، ويمكنُ لها أن تضيف شيئاً من القوة السياسيّة. أسئلة كثيرة كانت تثبت أن ذلك الحزب ما زال في طور اختبار علاقته بالسياسة اللبنانية. شيء من التململ والضياع وعدم الوضوح يغلِّف مرحلة الطفيلي بين 1989 و1991، التي تبدو مرحلة أقرب إلى حقبة مخصَّصة لتعريف الحزب بنفسه.

    لا يلبث صبحي الطفيلي أن يخرج من الحزب، لينضمَّ إلى قافلة أبرز منتقديه، خصوصاً في ما يتعلق بالانخراط في الحياة السياسية اللبنانية. مرحلة بالغة الأهمية تكشف في تقلُّباتها الكثيرة عن هويّة التنظيم التي احتاجت إلى أكثر من نقاش. باختصار، كان حزب الله منذ بدايته يحملُ بندقيّة واضحة موجّهة تجاه إسرائيل، في الوقت الذي يغيبُ هذا الوضوح عن حقل السياسة داخل الحزب نفسه.

    الحزب لبنانياً

    السيد عباس الموسوي والعام 1991. لا يمنحُ التاريخ الأمين العام الثاني لحزب الله وقتاً طويلاً. في 16 شباط 1992 تغتاله إسرائيل، رفقة زوجته وطفله. قصر العهد لا يعني أن المرحلة كانت قصيرة بالمعنى السياسي. في العام نفسه يدخل حزب الله الانتخابات النيابية اللبنانية، ويبدأ عملياً مرحلة جديدة من علاقته بالدولة ومؤسساتها. فترة مهمّة وجدَ فيها الحزب لنفسه مكاناً داخل البرلمان، لكن مع إشكاليّة استمرار هويّته الأخرى كفصيل مسلّح وتنظيم جهادي ذي تمويل خارجي واضح معلن ومعروف. مرحلة فارقة شهدَها الحزب تخلّلَها عنوان واحدٌ أوحد: أن يحاولَ الحزب إدارة المقاومة والسياسة في الوقت نفسه. وهذه واحدة من أكثر التحولات أهمية في تاريخه.

    لم تكُن مرحلة عباس الموسوي طويلةً. لم تتعدَّ الأشهر أصلاً. لكنَّها حين ننظر إليها نجدُ ما هو لافت حقاً. الرجل الذي سيبقى طويلاً داخل هذا الباب كان موجوداً منذ تلك اللحظة. نعيم قاسم، الذي عيّنه الموسوي نائباً له عام 1991، بقيَ في المكانة نفسِها طيلة عهد حسن نصرالله. وكأنَّ تاريخ الحزب كان، من دون أدنى معرفة، يضعُ أحد مفاتيح مستقبله في المرتبة الثانية، ويتركُ مرتبته الأولى لصورةٍ أخرى وشخصيّة مختلفة تماماً. وعنوان هذه الصورة حسن نصرالله.

    ثلاثة عقود من حسن نصرالله

    16 شباط 1992 تاريخٌ مفصليّ في عمرِ التنظيم الحزبي. استلمَ السيد حسن نصرالله موقع الأمين العام للحزب وبقيَ حتى اغتياله في 27 أيلول 2024. ثلاثة عقودٍ ونيّف تكفي لتغيير بلدٍ كامل، فكيف إذا كان الموقع هو حزب الله.

    ترأس نصرالله الحزب في عقودٍ ثلاث. كان على رأس مجلس الشورى الذي تتفرع عنه مجالس سياسية ونيابية وتنفيذية وقضائيّة وجهاديّة. خلال هذه السنوات انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وخاض نصرالله والحزب حرب تموز 2006، ودخل بشكل أكثر عمقاً في النظام السياسي اللبناني. لم يلبث العقد الأول أن ينتهي إلا مع دخول الحزب ونصرالله في أتون الحرب السوريّة، وما تلاه ذلك من توسعة في دوره الإقليمي بحيث أصبح اسمه مرتبطاً بملفات تتجاوز كثيراً الحدود "النضاليّة" التي بدأ منها.

    الكلام السالف لا يفسِّر وحده معنى نصرالله. فالرَّجل استطاع أن يُحدثَ شيئاً آخر خلال سنواته الكثيرة على رأس هرم الحزب. صار الرجل نفسه جزءاً من تعريف الحزب. الفكرة أكبر من حزب له أمينه العام. الحزب مع نصرالله صار له صورة. وهذه الصورة لها وجه هو حسن نصرالله. قطعاً، تختلف الآراء حوله وحول الحزب الذي كان في عهده وعهدته، وحول خياراته وحروبه وعلاقته بإيران وسطوته في رحاب الدولة اللبنانية. لكن رغم كلّ ذلك، من الصعب إنكار أن ثلاثة عقود من القيادة جعلته حاضراً في الوعي السياسي اللبناني والإقليمي من بيروت إلى طهران مروراً بمدن وعواصم كثيرة.

    لم يكُن نصرالله مكتفياً باسم الأمين العام أو بدوره. كان حالةً وهالةً أمام مؤيديه ومناصريه وعاشقيه. لذلك لم يتخيّل أحدٌ الشكل الذي يُمكن أن تكون عليه الرحلة بعد نصرالله ومنْ سيقودُ تلك السفينة وفي أيّة أحوال وظروف. وربما هنا تبدأ قصَّة الخلافة حين تتحوَّل إلى أزمة. فالحزب في عهد نصرالله شيء، وما بعده هو الآخر المختلف تماماً.

    اغتيل نصرالله في 27 أيلول 2024. انتهى مع اغتياله أطول عهد في تاريخ الأمانة العامة. تضعضع الحزب ووقف أمام أسئلته الصعبة حول إمكانية استمراره وشكل خارطة طريقه في ظل غياب الرجل الذي اسمه بالحزب لثلاثة عقود. واتضح هنا مع غيابه أنّ المؤسسة ارتبطت بشخصه بشكلٍ مهم وكبير.

    نقطة أخيرة في سجلّ نصرالله، يمكنُ تلخيصُها في أنّ ثمة قراءة أخرى لطريقة إدارته للحزب تستحق التوقف عندها. طوال سنوات طويلة، كان الرجل يملك هامشاً واسعاً في إدارة التناقضات وتأجيل بعض المطبات التنظيمية والمحليّة، بحسب ما يروي مقرَّبون. أي حين تكون الأولوية للاستراتيجية الأوسع. لم تكن كل مشكلة داخلية تستحق أن تتحول إلى معركة، ولا كل عقدة تحتاج إلى حل في لحظتها. كان الوقت نفسه جزءاً من أدوات الإدارة.

    صفيّ الدين: ظلُّ نصرالله وصورته

    شكّلَ اغتياله حدثاً مهولاً. انقلبت دنيا الحزب رأساً على عقب. في الوقت نفسه كان اسم السيد هاشم صفي الدين قريباً من المشهد. شغلَ لعقود منصب رئيس المجلس التنفيذي، وكان عضواً بارزاً في مجلس الشورى، وله حضور في المجلس الجهادي أيضاً. كان يُنظر إليه خفيةً على نطاق واسع باعتباره أبرز الأسماء المطروحة لخلافة حسن نصرالله.

    لكن التاريخ لم يمهلهُ الوقت الكافي لإدارة الملفات وانتشال الحزب من محنته. كان يمكن للرجل أن يكون الجسر بين عهدين، لكنّه اختفى من الطريق قبل أن يصبح جزءاً من العهد الجديد.

    نعيم قاسم: مظلوميّة الاسم واللابصيرة

    جاء الشيخ نعيم قاسم إلى الأمانة في 29 تشرين الأول 2024، بعد أن اختاره مجلس الشورى أميناً عاماً. قاسم موجود في القيادة منذ البدايات، نائباً للأمين العام منذ عهد الموسوي، وبقي في هذا الموقع طيلة حكم نصرالله. لكن وصوله من المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى في ظل الحروب المتلاحقة لا يعني أن الظروف بقيت نفسها.

    ورث نعيم قاسم حزباً فاقداً لأمينه العام، لصورته ومثاله. فاقدٌ أيضاً لعدد كبير جداً من قياداته. حزبٌ اضطرته التحولات العسكرية إلى إعادة بناء جانب من قيادته واتصالاته في ظل الحرب والضربات الإسرائيلية. مع نعيم قاسم يصبح الحديث عن "خليفة نصرالله" مضللاً قليلاً. فالرجل قطعاً لم يستلم المهمة هذه ليعيد الحزب إلى أمجاده ويعيد له عقارب ساعته إلى الوراء. الحزب مع قاسم تحوّل إلى حزب مختلف عن لحظاته التي عاشها في أيام نصرالله.

    كان السيد نصرالله، طوال سنوات، جزءاً من قوة الحزب السياسية والعسكرية، ومن قدرته على مخاطبة جمهوره وخصومه وحلفائه في آن واحد. أما قاسم فوصل إلى المنصب في لحظة صار فيها السؤال أقل تعلقاً بشخص الأمين العام وأكثر تعلقاً بمستقبل التنظيم نفسه. هل يستطيع بناء قيادته مثلاً والمحافظة على تماسك جمهوره؟ وما هو شكل علاقته بالدولة اللبنانية والحكومة؟ ماذا يعني أن تشهد خلافته وضع الحزب في مصاف الخارجين على القانون؟

    تبدو أمانة نعيم قاسم أقرب إلى أمانة الانتقال منها إلى أمانة الاستنساخ. هو آخر رجال المرحلة القديمة الذين وصلوا إلى قمة الحزب، لكن وصوله نفسه أعلن، بطريقة ما، أن المرحلة القديمة انتهت. ومن هنا يصبح تاريخ الأمناء العامين الخمسة تاريخاً غير متعلّق بالأشخاص. الطفيلي يمثل لحظة التأسيس والصدام الداخلي الأخوي، والموسوي لحظة تثبيت البنية، ونصرالله لحظة الصعود والتحول إلى قوة سياسية وإقليمية، أما صفي الدين فكان لتاريخه عمراً قصيراً لم يسمح له بأن ينجز شيئاً.

    كما تبدو تجربة قاسم، حتى الآن، محكومة أيضاً بثقل التجربة التي سبقته. فبحسب ما يُروى في أروقة الحزب، قاسم هو الأكثر تشدداً في بعض المواقف الداخلية من حسن نصرالله، فيما عُرف الأخير بقدر أكبر من المرونة والقدرة على تدوير الزوايا واحتواء التناقضات.

    لكن صورة نصرالله، بما راكمته من حضور ورمزية خلال أكثر من ثلاثة عقود، بقيت أقوى من أن تنتهي بانتهاء عهده. وهذا ما يجعل قاسم، إلى حدّ ما، يبدأ تجربته تحت ظلّ سلفه نصرالله. يقود الحزب باسمه وقراراته، لكن يُقاس باستمرار على رجل ما زالت صورته حاضرة في وجدان الحزب وجمهوره.

    عمائم متعاقبة

    إذا احتسبنا الأمين العام الحالي في سياق المسار الذي انتهى إليه الحزب، خمسة رجال دين على رأس حزبٍ خاض حروباً كثيرة. كيف يمكنُ لهذه العمائم المتواصلة (شيخان وثلاثة سادة) أن تكون على رأس الحزب؟ لو نظرنا إلى الأمر لرأينا أنها تقول شيئاً عن طبيعة الشرعية التي أراد الحزب لقيادته أن تستند إليها.

    الأمين العام هو صورة الحزب عن نفسه، شخصية تجمع بين القيادة السياسية والمرجعية الدينية (الشيعيّة) والرمزية العقائدية. ولذلك لم يحدث، طوال هذا المسار، أن وصل إلى الأمانة العامة رجل مدني، رغم كل التحولات التي عرفها الحزب، من التنظيم "المقاوم" إلى الحزب السياسي، ومن العمل السري إلى الحضور العلني في الدولة والمجتمع. تعكسُ هذه العمائم المتواصلة طبيعة الحزب وتركيبته الداخلية ومصادر الشرعية التي قامت عليها قيادته. فتكرار التجربة خمسَ مرات، مع اختلاف المراحل والظروف والشخصيات، يجعل من العمامة جزءاً من صورة القيادة نفسها.

    لربما في انتقال الحزب، في أي مرحلة مقبلة، إلى أمين عام مدني سيكون تحولاً في الطريقة التي يعرّف بها الحزب قيادته ومصدر شرعيتها. أما استمرار رجل الدين في هذا الموقع، فيؤكد أن هذه واحدة من الثوابت التي رافقت الحزب منذ نشأته وحتى اليوم. ربما لأنّ كلّ تغيير للأمين العام وموقعه واسمه، يرافقه بقاء العمامة في مكانها إلى ما شاء الله!

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology