محمد وهبة -
بالمعاينة المباشرة لا يمكن إلا لحظ الارتفاعات الكبيرة في الأسعار، لكن هناك شبه غيابٍ رسمي عن مقاربة هذا الواقع بشكل أو التعامل معه، بل يمكن القول إن أرقام الإحصاء المركزي تبدو مُضلِّلة. فحتى اللحظة، لا تزال ميزانية الأسرة مبنية على أوزان وتثقيلات قديمة تعود إلى عام 2012، ما يعني أن مؤشّر التضخّم الذي يصدر عن الإحصاء المركزي يعكس واقعاً عمره 15 سنة. قد تدلّ أرقام الإحصاء المركزي على الاتجاه العام للأسعار، لكنها لا تعكس عمق الندوب التي أصابت مداخيل الأسر وقدراتها الشرائية. فما كان يصحّ قبل الانهيار النقدي والمصرفي، لم يعد يصحّ بعده.
كما أن التراكمات التي تلت الانهيار، فعلت فعلها، أيضاً، في بنية الأجور والأسعار، وأحدثها ارتفاع أسعار النفط العالمية وانعكاساتها على الأسعار المحليّة في بيئة عمل موسومة بالاحتكارات. لذا، لم تعد الأرقام الرسمية مُعبِّرة عن الحقيقة التي تُرى اليوم بوضوح في أنين المجتمع وقدراته المُتبدّدة تجاه ارتفاعات الأسعار المتتالية. ويحصل كل ذلك فيما تمارس السلطة دور «الغبي» الذي يفرض الضرائب ويحفّز ارتفاع السعر أيضاً، ويتجاهل كل ما يحصل في المجتمع، مركّزاً على ما يدّعي أنه توازن مالي. لا تجد السلطة نفسها لمناقشة سياسة للأجور والأسعار والضرائب، بل تواصل الحفر عميقاً في الجروح التي أصابت هذا المجتمع.
كان يُفترض أن معدّلات التضخّم ستتراجع في عام 2026 من الرقم المزدوج إلى الرقم الإفرادي، بعد سنوات من الأرقام الثلاثية. هذه كانت توقعات البنك الدولي في ربيع السنة الجارية. لكن اندلعت الحرب في المنطقة وأُطلق العنان لما يُسمّى صدمة أسعار النفط التي حفّزت ظهور الرقم المزدوج مجدداً. في عام 2020 قفز معدّل التضخّم إلى 84.3% مقارنة مع 2.9% في عام 2019. ثم في السنة التالية سجّل 154.8%، وفي عام 2022 بلغ 171.2%، ليصل إلى ذروته في عام 2023 مُسجّلاً 221.3%. وبعدها انخفض إلى 45.2% ثم 14.6% في عام 2025. وكانت توقعات البنك الدولي بأنه سيبلغ 8% في نهاية 2026، إلا أن المعدّل المسجّل في الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية بلغ 17%.
في السياق التاريخي نفسه، كان متوسط الدخل عن الأجور المُصرّح بها للضمان الاجتماعي في عام 2018 يبلغ 1.8 مليون ليرة، أي ما كان يساوي في حينه 1195 دولاراً. أمّا الآن، فالتقديرات تشير إلى أنه يبلغ 88 مليون ليرة أو ما يعادل 980 دولاراً. لكن بحسب أرقام منظمة العمل الدولية الأخيرة المبنية على مسح أُجري بين 9 أيار 2026 و19 منه، وشمل 2485 عاملاً في القطاع الخاص كانوا يعملون قبل اندلاع النزاع في آذار، بلغ متوسط الدخل الشهري للعامل اللبناني 560 دولاراً مقارنة مع متوسط 668 دولاراً قبل الحرب (لا تجب المقارنة بين متوسط الأجر ومتوسط الدخل من العمل لأنهما أمران مختلفان لكن وضعهما في هذا السياق هو للدلالة فقط على التطوّرات). بعبارة أوضح، يراوح الدخل اليوم بين 50% و80% مما كان عليه قبل الانهيار المصرفي والنقدي، بينما يواصل التضخّم تسجيل معدّلات مرتفعة للغاية موسّعاً الهوّة بين القدرة الشرائية والأسعار.
في الشارع، تبدو هذه الهوّة أكثر عمقاً مما هي عليه في الأرقام (أصلاً ليست هناك أرقام منسجمة ومتماثلة كفاية للمقارنة). وتظهر الهوّة في قيم «السلف المالية» التي يحصل عليها الأجراء من صناديق مؤسّساتهم قبل نهاية الشهر. أيضاً تظهر في النقاشات العامة عن ارتفاع أسعار الكهرباء والغذاء والنقل والإيجارات والتعليم والطبابة والاستشفاء، وسائر الخدمات الأساسية التي تعبّر عن احتياجات الناس الضرورية للبقاء ولجودة الحياة.
أمّا المصدر الأساسي لهذه الهوّة السحيقة، فهو «الدولة» التي أطلقت العنان لازدواجية الخدمات المُقدّمة بينها وبين قطاعات مافيوية ناشئة على أنقاضها. وإذا وضعناها في سياق السياسات المالية والنقدية، فإن هذه الأكلاف والأعباء تُموّل من خلال تثبيت لسعر صرف الليرة مقابل الدولار منذ آب 2023 ولغاية اليوم. وهي سياسة تشبه بأهدافها، إلى حدّ بعيد ذلك التثبيت الذي اعتُمد منذ مطلع التسعينيات لغاية الفصل الثاني من 2019. لذا، فإن سعر الصرف المُثبت، يُفترض أن يكون مؤشراً على تثبيت الأسعار وتخفيف أثر إصابة المداخيل بتقلّبات الأسعار.
رغم تثبيت سعر الصرف، لم تتمكن الحكومة من ضبط التضخّم. وهنا تكمن أهمية المعاينة المباشرة في الشارع بعيداً عن الأرقام الإجمالية والمسوحات التقنية المُعقّدة وعن اختلال التثقيلات في مؤشر إدارة الإحصاء المركزي؛ فعلى سبيل المثال، إن الثمن المدفوع للحصول على الكهرباء الخاصة من المولّدات، بدأ يرتفع بشكل جنوني. كانت التسعيرة الصادرة عن وزارة الطاقة لكل كيلوواط مُنتج من المولدات لا تتجاوز في المتوسط لعام 2025 نحو 38 سنتاً، لكنها ارتفعت اليوم بنسبة 43% لتبلغ 54 سنتاً. هذه وحدها، مقارنة مع خسائر الأجور، دلالة كافية على تآكل المداخيل وتراجع القدرات الشرائية. لذا، فإن ارتفاع الأسعار وفق مؤشّر التضخّم الصادر عن الإحصاء المركزي بمعدّل 17% لا يعكس التدنّي الفعلي في القدرات الشرائية وتآكل الدخل، علماً أن الارتفاعات التي أصابت قطاع الطاقة، انعكست أيضاً بنسب متفاوتة في بنود سلّة الاستهلاك الأخرى، مثل الغذاء والتعليم والنقل والطبابة وغيرها. ولا يجب أن نغفل أن كل كيلوواط مُنتج من المولدات الخاصة يباع بأكثر من 100 سنت (دولار واحد)، أي ضعف متوسط التسعيرة الرسمية.
ولا يمكن اعتبار الثقيلات مُعبِّرة في مؤشر الإحصاء المركزي لأن بنية ميزانيات الأسر اختلفت جذرياً. لنأخذ مثالاً واضحاً عن كلفة الطبابة والاستشفاء وأي خدمات أخرى كانت مُموّلة بنسبة كبيرة من المال العام. فمع الانهيار صار ما تدفعه الأسر للحصول على هذه الخدمة يستحوذ على حصّة أكبر بكثير من مدخول الأسرة بعدما زادت تغطية الفاتورة الطبية والاستشفائية من جيب المريض مباشرة، من الثلث قبل عام 2019 إلى أكثر من النصف حالياً، وهناك بعض التقديرات التي تقول إنها تتجاوز 70%.
والواقع أن البنية السوقية للقطاعات التي تُعدّ أساسية للأسر مثل المياه للخدمة وللشرب، والاتصالات، والنقل، والتعليم، طرأت عليها ارتفاعات ليس واضحاً إذا كانت مشمولة بالأرقام الرسمية. مياه الخدمة التي تحصل عليها الأسر من مقدّمي الخدمات الناشئين في الحي مثل المولدات، لا يتم تسعيرها من قبل الدولة. يُباع كل 1000 ليتر بنحو 20 دولاراً، مقارنة مع اشتراك سنوي في مؤسسات المياه الرسمية بقيمة لا تتجاوز 200 دولار سنوياً. المستهلك يشتري على الأقل كل أسبوعين نحو 1000 ليتر، أي 480 دولاراً سنوياً، أو أكثر من ضعفي الاشتراك الرسمي.
بعض الأسر في بعض المناطق تضطر أن تشتري ما لا يقل عن 120 ألف ليتر في السنة، أو ما قيمته 2450 دولاراً.
وسط ذلك كلّه، تعمل السلطة من أجل خدمة استمراريتها في السلطة. فهي لا تفرض الضرائب باعتبارها سياسة لإعادة توزيع الثروة ولإحداث التوازن بين المداخيل والأسعار وبين الإنتاج المحلي والاستيراد، بل تفرضها بشكل عشوائي في إطار إعداد الموازنة أو منح مكتسبات لفئة ما على حساب الآخرين وتنفيس الاحتقانات. الضريبة هي زيادة في السعر، وخصوصاً الضرائب على الاستهلاك مثل البنزين وضريبة القيمة المضافة.
«الأخبار» حاولت أن تقدّم بعض الأمثلة التي قد تساعد على فهم هذه الهوّة بين المداخيل والأسعار وسط غياب السياسات الحكومية للتعامل مع هذا الأمر. وهو غياب حاضر منذ عام 2019 لغاية اليوم. الهدف منه فرض التكيّف على المجتمع. التكيّف مع الخسائر التي تسحق الأسر وتدفعها نحو الفقر والهجرة. ومما يبدو عليه الوضع في المنطقة، فإن أبواب البلدان المُستقبِلة لهجرة الشباب والعقول اللبنانيين لم تعد مفتوحة إلا باتجاه العودة. فإلى أين المفرّ إذا كان الفقر أمامنا والهجرة وراءنا؟ أمّا تلك التحرّكات التي يقوم بها أبواق السلطة بشكل مفاجئ مثل الاتحاد العمالي العام وغيره، فليست سوى أدوات للمساعدة على تنفيس احتقان شارعٍ يقهرُه العدوان الإسرئيلي المتواصل، ويكتوي بارتفاع الأسعار.