أيام الشام حزينة... لا مال ولا آمال والعالم يتفرّج!

  • 24 September 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image

    الأخبار: لا تبدو الساحة السورية في حالة جيدة. القلق من التدهور الناجم عن تفاقم الأزمة الاقتصادية، لا يقود بالضرورة إلى حديث عن انفجار شعبي في وجه السلطة الجديدة.

    ابراهيم الأمين-

    لا تبدو الساحة السورية في حالة جيدة. القلق من التدهور الناجم عن تفاقم الأزمة الاقتصادية، لا يقود بالضرورة إلى حديث عن انفجار شعبي في وجه السلطة الجديدة. لكنّ تعطّل الدورة التي كان يُفترض أن تنطلق في سوريا بعد انخراط دمشق في المنظومة الرسمية العربية والدولية، بدأ يترك آثاره على أشياء كثيرة. ودمشق التي ذهبت إلى أبعد ما تقدر عليه في التناغم مع السلطات القابضة على المال في العالم، من عرب الخليج وتركيا إلى أوروبا وأميركا، كانت تنتظر دعماً يناسب بعض حاجاتها. ولو أنها تعرف بأن زمن الصناديق الخيرية قد انتهى.

    صادقت حكومة الرئيس أحمد الشرع على إجراءات لا تحتاج إلى مراقبة أو مراجعة دستورية. ومجلس الشعب نفسه، ليست عنده الصلاحيات التي تسمح له بفرض قواعد صارمة على الحكومة. بقيت الأمور على حالها: نظام رئاسي يقوده حزب حاكم، وحكومة تمّ اختيار الحاضرين فيها وفق قواعد تراعي حسابات النظام داخلياً، ومجلس شعب صُمّم ليكون الغطاء التجميلي لسلطة لديها كل الصلاحيات في السياسة والأمن والاقتصاد.

    في أولويات القيادة السورية الجديدة، يظلّ الأمن عنصراً مركزياً. والجهود النوعية في مشروع إعادة عمل المؤسسات الرسمية، تركّزت في الشقّ الأمني. وقد تنامت القدرات الأمنية التقنية والبشرية لفريق كبير يقوده عملياً أنس خطاب، الذي يوصف بالرجل القوي. وهو يقف على رأس مجموعة من الأجهزة، التي تهتمّ بالأمن الجنائي والأمن السياسي، وصولاً إلى الأمن الإقليمي. وتلعب تركيا دوراً كبيراً في دعم مهارات وقدرات الفريق الأمني السوري، من أجل تسريع النمو الذي يساعد على إحكام القبضة الأمنية على البلاد.

    أمّا ترتيب الأعداء بالنسبة إلى السلطة الجديدة، فهو يبدأ بوضع أنصار النظام السابق، في مرتبة أولى، وإلى جانبهم، تُرصد حالة الجهاديين الذين عادوا لينخرطوا في تنظيم «داعش»، وأولئك يكفّرون الشرع وأنصاره. كما توجد لدى رجال الشرع، حسابات تخصّ إيران وحزب الله وقوى عراقية، على خلفية أنهم يملكون قدرة على العمل في سوريا. فيما يبقى ملف الدروز في السويداء أساسياً، ليس من زاوية تهديده للحكم في دمشق، بل بوصفه نموذجاً قد يفكّر فيه كل من يريد التذرّع بالظلم والذهاب نحو فكرة الحكم الذاتي، وعندها تُفتح الأعين على العلويين في الساحل وعلى الأكراد في شمال شرق البلاد.

    بما يتعلق بإسرائيل، توجد بلبلة كبيرة داخل سوريا. فالشرع اعتقد، أن التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، بدعم ومؤازرة من بريطانيا وتركيا، سوف يسمح بتخفيف الضغط الإسرائيلي المباشر وغير المباشر على حكومة دمشق. وهو كان يأمل أن تنجح مساعي الموفد الأميركي توم برّاك في إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتحرك الفعّال من أجل إلزام إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي احتلّتها بعد سقوط نظام الأسد، ووقف دورها التحريضي والتخريبي مع مجموعة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، علماً أن دمشق تتحدث عن رصد اتصالات ذات طابع أمني – سياسي، جرت بين الإسرائيليين وبعض الضباط من النظام السابق الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية. وتنسب إليهم اعتقادهم بأن خلاصهم يأتي على يد إسرائيل.

    تشدّد السلطة الجديدة قبضتها الأمنية، وعينها على الدور الإسرائيلي عند الأقليات، وشبكات التجسّس منتشرة عند الحدود مع العراق ولبنان


    وبرغم الاستعداد غير العادي الذي أبداه الشرع لتوقيع اتفاقية أمنية – سياسية مع إسرائيل، تسمح بالحديث في وقت لاحق عن اتفاق سلام، فإن إسرائيل نفسها، لم تتصرّف أبداً على أساس أنها بحاجة إلى هذا الاتفاق. فهي تقوم بما تريد القيام به، لجهة الاحتلال والتوغّل والقصف والاعتقال والتدخل في الشؤون الداخلية لسوريا، عدا أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وعلى أنواعها، تعمل ليلَ نهارَ على توسيع نفوذها في كل سوريا، وقد كشفت تقارير كثيرة، عن عمليات تجنيد واسعة قامت بها إسرائيل لعناصر من داخل الحكم الجديد أو من أفراد آخرين، خصوصاً في المناطق الحدودية مع لبنان أولاً، ثم مع العراق. وفي خلاصة تحقيقات أجراها الأمن العام السوري مع أكثر من موقوف بشبهة التعامل، قال هؤلاء إن الإسرائيليين كانوا يطلبون منهم مراقبة خط التهريب بين العراق وسوريا ولبنان، وفي بعض الحالات، كان المُشغِّل يطلب من العميل أن يتصل بالسلطات السورية ويبلغها عن تحرّكات مشبوهة لمُهرِّبين، وكانت تل أبيب تنتظر ما ستفعله سلطات دمشق.

    وحصل في بعض الحالات، أن أبلغت إسرائيل الأميركيين، بأن رجال الشرع لم يتحركوا بما يتناسب مع التهديد، وهم يسهّلون عمليات التهريب لمصلحة حزب الله في لبنان، واتّهمت نافذين في سلطة الشرع بتقاضي أموال كبيرة من إيران وحزب الله لتسهيل تهريب أسلحة إلى لبنان، علماً أنه يوجد في كيان العدو، من يقول إن بين القيادات الجهادية العاملة مع الشرع، من يتبنّى العداء لإسرائيل، ويسهّل عمليات تدريب لأنصار حركة حماس أيضاً. وهو ما دفع الجانب الأميركي إلى مطالبة الشرع بأن يضع حداً لأي نشاط تقوم به الفصائل الفلسطينية المعادية لإسرائيل. وقد ترجم الشرع الأمر بأن اعتقل بعض قيادات المقاومة الفلسطينية، وعمد إلى إبعاد آخرين إلى خارج سوريا، بينما أبلغ البقية بأن العمل الاجتماعي والدعوي مسموح به فقط، وأن أي محاولة لقتال إسرائيل من سوريا، سوف يتم سحقها.

    وإذا كانت دمشق اختارت خطاً سياسياً يُبعِدها عن أي شبهة تواصل مع إيران وقوى محور المقاومة، فإن السبب واضح لناحية عدم إغضاب الأميركيين أولاً، ولكون مهمة قتال إسرائيل لا تمثّل أولوية عند الحكم الجديد في سوريا، عدا أنها ترى في إيران ومحور المقاومة مجموعة من الأعداء. وفي المقابل، تُظهِر هذه السلطات حماسة لدعم خصوم إيران وحلفائها، وتجلّى ذلك أخيراً، في الحملة الإعلامية التي قادها ناشطون ورجال دين من أتباع الشرع ضد «أنصار الله» في اليمن، ورفع الصوت تضامناً مع نظام آل سعود، وصولاً إلى إطلاق دعوات الجهاد دفاعاً عن بلاد الحرمين!

    تفاقم الأزمة الاقتصادية لا يلامس حدود الانفجار، لكنّ قلق الشرع يزداد كلّما تأخّرت دول الخليج في تنفيذ وعودها المالية برغم الإغراءات


    لكنّ المشكلة من زاوية لبنان، تبدو أكثر تعقيداً. ذلك أن تكرار الطلب الأميركي من الشرع التدخل في لبنان ضد حزب الله، لم يبقَ في إطار المواقف فقط، حتى إن الشرع نفسه، صرّح أمام زوار لبنانيين وعرب، بأنه ناقش ملف لبنان في آخر زيارة له إلى الولايات المتحدة، وهو من قال للرئيس دونالد ترامب إن إسرائيل لا تجيد قتال حزب الله، وهو من قال له أيضاً: «كيف يمكن أن يُدمّر مبنى على ساكنيه من أجل قتل عنصر من حزب الله؟». وهو الكلام الذي كرّره ترامب في وقت لاحق. لكنّ الرئيس الأميركي فهم أن لدى الشرع أسلوباً أكثر فعالية في قتال حزب الله دون التورّط في جرائم كبيرة ضد المدنيين كما تفعل إسرائيل. ولذلك قال ترامب مراراً: «إن الشرع يجيد التخلص من حزب الله، وأنا أطلب منه ذلك، وهو سيفعل ذلك»!

    وبمعزل عن حقيقة موقف الشرع من الأمر، إلا أن الوقائع الصلبة تشير إلى استنفار تركي – مصري غير مسبوق، جرى لاحتواء الموقف، وتحذير الشرع من التورّط في لبنان، مع شروحات كرّرها المسؤولون في مصر وتركيا أمام لبنانيين، عن أنه لا مصلحة لسوريا في هزيمة حزب الله أصلاً، وأن من يساعد إسرائيل في مهمة كهذه، يفتح الباب أمام ردود فعل قد تهدّد النظام كله في سوريا، إلى جانب كلام إضافي، نُقل عن قيادات عسكرية وجهادية من فريق الشرع، تقول إنه لا يجب القتال إلى جانب إسرائيل لا في لبنان ولا في أي مكان آخر. وقد عمد هؤلاء إلى البعث برسائل إلى الداخل السوري وإلى الخارج أيضاً، عندما سمحوا لوحدات عسكرية كانت تقوم بعروض عسكرية أن تهتف لنصرة غزة.

    وسط كل هذه المصائب، لا تزال دمشق تنتظر أن تترجم الدول العربية وعودها في دعم ورشة إعادة الإعمار في سوريا. وحتى تاريخه، لم يتمّ إنفاق أيّ قرش من السعودية والإمارات وقطر والكويت على أيّ من المشاريع الكبيرة التي تمّ النقاش حولها، علماً أن الشرع وافق أخيراً على الدخول في مشاريع الخصخصة الكاملة أو الجزئية، وما يصله حتى الآن، يقتصر على دعم جزئي لرواتب موظفي الدولة، ودعم عيني لبعض الوزارات، إلى جانب عطايا تذهب عادة لصندوق يُدار من قبل الحاكم... إلا أن المفاجأة التي تنتظرها دمشق، هي في قرار سعودي يبدو أنه اتُّخذ، ويقضي بحصر إنتاج الدراما الشامية في داخل سوريا، بما في ذلك البرامج التي يشترك فيها لبنانيون وسوريون، وهو أمر سينعكس سلباً على شركات إنتاج لبنانية، لكنه قد يحرّك هذا القطاع في سوريا، علماً أن ما يحتاج إليه أهل الثقافة والفن في سوريا، هو بعض الهواء وليس المال فقط!